تمر الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا بحالة من تنامي التمييز العنصري، وتصاعد الكراهية واعمال العنف ضدهم من الفئات المتطرفة في مختلف المجتمعات الأوروبية، فمنذ عملية اختراق الطائرات للمباني الأمريكية في واشنطن ونيويورك، سجلت في هولندا 60 حالة عنصرية متنوعة، تمثلت في اعتداءات على المساجد والمدارس والاشخاص، وتعيش الجاليات العربية والإسلامية في هولندا هذه الحالة، فبعد احراق دور العبادة والمؤسسات الإسلامية، تسببت حالة اعتداء مرعبة في توتر وزيادة المخاوف في صفوف الجاليات الاسلامية، فقد وقع احد ابنائها من الجنسية التركية الاصل ضحية لاعمال العنف، حيث دهسه جندي بالقوات المسلحة الهولندية بسيارته عن عمد، بعد ان تطاول على المسلمين والدين الإسلامي بالسب، ويعتبر الإسلام هو الدين الثاني رسمياً في هولندا، التي يبلغ تعداد سكانها الاجمالي 16 مليون نسمة، حوالي مليون نسمة منهم هم من المسلمين وفقاً للاحصائيات الهولندية غير الرسمية، غالبيتهم من اصول مغربية وتركية، الا ان ارقام ممثلي الجاليات الاسلامية تؤكد بأنهم اكثر من مليون ونصف المليون، ويعود السبب في تباين الاحصائيات ان القانون الهولندي يمنع تسجيل الدين في المستندات الرسمية. حول هذه الاوضاع التي نتجت عن حادث 11 سبتمبر التقى «بيان الاربعاء» في هولندا «احمد ابو طالب» مدير منتدى معهد تنمية التعددية الثقافية. ـ هل ماتمر به الجاليات العربية والإسلامية هي حالة خاصة، أي ظاهرة رد فعل لعملية اختراق المباني الامريكية في 11 سبتمبر؟ ام هي امتداد لجذور عنصرية موجودة في المجتمع الهولندي؟ ـ صحيح الحالة التي نعيشها حالياً كجالية إسلامية في هولندا تعرف نوعاً من التشدد تختلف عما كنا نعرفه قبل مرحلة 11 سبتمبر الماضي، فهناك دائماً أنواع من التمييز عنصري، والاعتداءات على الممتلكات الاسلامية، خاصة المساجد والمدارس والمؤسسات الاجتماعية الاخرى، أما بعد الحادث الأمريكي فنرى مزيداً من التصاعد. والمجتمع الهولندي يعيش دائما حالات تمييز عنصري متنوعة، فعلى مستوى الحديث للأجهزة الرسمية والخطاب السياسي، يقال دائماً ان المجتمع الهولندي مجتمع متسامح، يحترم التعددية الثقافية والدينية، هذه هي الصورة الظاهرة، لكن في العمق نجد اشكالاً كثيرة من العنصرية الراكدة، كالماء الذي ينتظر التيارات الهوائية تلك التي تصنع امواج الكراهية والعنصرية، هذا ويترقب المجتمع الهولندي تفجر حادثة محلية او دولية، لتكون بمثابة وقود يحرك الجامد، ونرى ان ذلك الحيوان الكبير الخبيث الذي نسميه بالتمييز العنصري قد تحرك بنوع من العدوانية التي نعرفها في المجتمع الهولندي، في حين ان الخطاب الرسمي للملكة ورئيس الوزراء يعلن غير ذلك تماماً. ـ انت مدير لمنتدى معهد تنمية التعددية الثقافية.. هل اتخذ هذا المنتدى مبادرة بعد هذه الأحداث لوقف او تحجيم اعمال العنف ضد المسلمين؟ ـ بداية قمت انا بنشر عدد من المقالات في الصحف الهولندية حول هذا الموضوع، وقبل كل شيء اشير للخطاب السياسي على مستوى الحكومة والبرلمان من اليمين إلى اليسار، حيث يقول بأن سياسة الاندماج التي تهدف لدمج العرب والمسلمين، والجاليات الاجنبية على وجه العموم في المجتمع الهولندي قد فشلت، وهذا ما نراه في موقف المسلمين بعد احداث سبتمبر، وركزت في تدخلي على مستوى الاعلام الهولندي على شرح واف بناء على الواقع واستناداً للاحصائيات والابحاث ان اندماج المسلمين في هولندا يمشي في طريقة سليمة، ابتداء من مجال التعليم والعمل، وهما عنصران في الحياة الاجتماعية، اعتبرهما انا شخصياً مؤشران مهمان، لنرى هل الاندماج يسير في الاتجاه السليم أم لا، فلا يخفى عليك اذا زرت الجامعات الهولندية والمعاهد العليا في الوقت الحالي، ترى هناك وبتزايد من سنة إلى اخرى، كثرة المسلمين بصفة عامة ومن الجالية المغربية على وجه الخصوص، ففي المعهد العالي بمدينة لاهاي نجد مثلا ان نسبة 25% من الطلبة هم من اصل مسلم، من جنسية مغربية أو تركية، بينما في السنوات الماضية كانت النسبة لا تتعدى 5.14% اذن فتنامى قطاعي التعليم والعمل دليل على الاندماج. قلمي سلاحي ـ ربما تؤدي هذه المؤشرات لافرازات ايجابية في المستقبل.. لكن يبقى السؤال الحيوي قائماً بخصوص تنامي أعمال العنف ضد المسلمين في هولندا؟ ـ سلاحي.. وسلاحي الوحيد هو القلم، لاشرح لهذا البشر، اذا كانوا ينتظرون من المسلم في هولندا انه يسير وراء الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، بدون استخدام ذاكرته التاريخية القديمة والحديثة، وينحي افكاره وآراءه فهذا خطأ كبير، ان الاندماج ونحن نحس بأنفسنا بأننا هولنديون غربيون لاننا نفكر بطريقة هولندية وغربية، ولكن هناك نقطة مهمة تميزنا عن العامة وهي ارتباطنا الكبير بالقضية الفلسطينية، وعقيدتنا هي الدين الإسلامي، فاذا كان المجتمع الهولندي ينتظر منا الابتعاد عن ركائز اساسية مهمة لنا كمسلمين، وينظفون افكارنا كما ينظفون ثيابنا بمساحيق الغسيل، لنتحول ونفكر بطريقة هولندية، فهذا جسر بعيد كل البعد عن افكارنا واحلامنا، ونحن نستمر في شرحنا لهم ان مفهومنا للاندماج يعني الالتزام بالقوانين، والعمل على رقي هذه البلاد مع التمسك باحترامنا لافكارنا الثقافية، وهذا جزء لا يتجزء من الدستور الهولندي الذي يمنحنا حرية التعبير عن آرائنا بطريقة نزيهة، كما يسمح لاي مواطن آخر بالتعبير عن أفكاره، ويساند الموقف الامريكي او الموقف الروسي، او ليساند مثلا «الابارتهايد» العنصرية في جنوب افريقيا كما قام بعض الهولنديين على مدار اكثر من 50 سنة، وهم من قام بمهازل في جنوب افريقيا، ولم يقم احد من الجالية الاسلامية ليقول لهم ما يجب ان يفعلوه ولا يفعلوه، ويشير عليهم بالبنان انتم كذا.. وانتم كذا، فكما قلت ان سلاحنا الوحيد هو القلم، وتنظيم اللقاءات والحوارات مع المفكرين لحدوث نوع من الاحتكاك الفكري، الذي نأمل ان تنبع منها أفكار جديدة، نتمنى ان تكون اكثر ايجابية. ـ تحدثت عن ارتباط الجالية الإسلامية بالقضية الفلسطينية.. فما علاقة ذلك بأعمال العنف التي تمارس ضد مسلمين وعرب هولندا؟ ـ المشكلة هي ان الجالية الاسلامية والمغربية على وجه الخصوص تؤكد بأنها تدين الاعمال الإرهابية التي حدثت في امريكا، وترفض قتل المدنيين الابرياء في واشنطن ونيويورك، ولا ننسى وجود مسلمين ضحايا من بينهم، لكن في ذات الجملة يقولون بأنهم يتفهمون ان هناك غضباً في الاوساط الإسلامية في العالم، وهو فهم ينطلق من مراقبتهم لموقف وسلوك السياسة الخارجية الأمريكية، فهذا انطلاقاً من حرية التعبير عن الرأي شيء بسيط وجار به العمل، لكن الشارع الهولندي على العموم يقول بأن الشطر الثاني من الجملة «فيما يختص بتفهم الاحداث من خلال السياسة الخارجية لواشنطن تجاه قضايا الشرق الاوسط» نظرا للمساندة العمياء لما يقع حالياً في الاراضي الفلسطينية المحتلة، فمن الغريب انهم ـ مجتمع هولندا ـ لا يريدون وجود مثل هذا التفهم من طرف الجالية الإسلامية لأحداث 11 سبتمبر، فهذا ادى لتصاعد الكراهية على الاقل فيما نرى حالياً، انطلاقاً من واقع حدوث 60 جريمة ضد المسلمين خلال 6 أسابيع فقط. جرائم العنف ـ هل لك ان تحدثنا عن جرائم العنف ضد المسلمين؟ والتي اخرها وقوع احد ابناء الجالية التركية ضحية لها، حينما دهسه جندي بالقوات المسلحة الهولندية بسيارته عن عمد، بعد ان تطاول على المسلمين والدين الإسلامي بالسب؟ ـ تنقسم احداث العنف لأنواع متدرجة من خفيفة إلى جرائم كبيرة، بداية من كتابة عبارات وشعارات عنصرية على مباني المسلمين، من مساجد ومدارس ومؤسسات اجتماعية، ومقار الروابط والاندية، ومحلات بيع المنتجات والسلع الشرقية، خاصة المجازر الاسلامية التي تبيع اللحم الحلال، هذا اضافة لحالات كثيرة نطلق عليها العنف الشفهي، تلقي المسلمات المحجبات في الطرق العامة لشتائم وعبارات مهينة، اطلاق قنابل المولوتوف الحارقة على المباني الإسلامية، والقاء الحجارة على نوافذها، ورأينا بالامس القريب قيام استاذ جامعي هو «بيم فورتاون» مرشح لرئاسة حزب سياسي، ويتصدر قائمته في الانتخابات التشريعية المقبلة في 15 مايو عام 2002، وهو ينادي بشن حرب باردة ضد الإسلام والمسلمين، فهذا أمر يثير الدهشة، وقد رفعت عليه ثلاث منظمات اسلامية دعوى قضائية امام المحاكم في مدينة روتردام، لان هذا النداء يخالف الدستور الهولندي، فالقوانين في هولندا قد منعت خروج المسلمين للشوارع واطلاق نداءات الموت.. الموت.. الموت للكاتب «سلمان رشدي»، فذات القانون يمنع المسيحيين والهولنديين من النداء لموت المسلمين والاساءة اليهم. ـ وما هو العلاج لظاهرة العنف ضد المسلمين بهولندا في الوقت الحالي؟ وهل حان الزمن لأن تسمع الحكومة الهولندية لنصائحكم؟ ـ توجد في المجتمع الهولندي فئة شديدة التطرف والكراهية لا يمكن التفاهم معها ولا الحوار، فالعلاج الوحيد هو مجابهتها عن طريق العدالة عسى ان تتراجع عن اعمال العنف، سواء بالكلمة أو الاعتداء الجسدي أو على الاشخاص، اما الفئة الكبيرة في المجتمع الهولندي فيمكن مواجهتها عن طريق الحوار، وفتح أبواب مساجدنا، ومختلف مؤسساتنا الإسلامية والاجتماعية، فهناك شريحة كبيرة من المجتمع الهولندي، تعتقد ان المسلمين يهيئون في مساجدهم نوعاً من اعمال الكراهية ضدهم، وربما يدبرون لقلب النظام الديمقراطي في هولندا، وان الائمة يلعبون دوراً سلبياً في هذا الاطار. إذن فواحد من الحلول هو دعوة الجميع ـ لمساجدنا ـ من مختلف الاديان والاعمار والاجناس، فليس لدينا ما نخفيه عنهم، فالمساجد للعبادة وليست لتدبير الاعمال العدوانية ضد أي شخص، ونقدم لهم ترجمة خطبة الجمعة للغة الهولندية ونشرها، عن طريق الانترنت والصحف التي تقبل ذلك، حتى يسود الاطمئنان مختلف شرائح المجتمع الواحد، وهي نصيحة للجاليات الاسلامية ليس بهولندا فقط ولكن في كل أوروبا، حتى تعرف المجتمعات الأوروبية اننا نبغي السلام. اما الرسالة التي اوجهها للحكومة الهولندية وحكومات أوروبا، فهي ان عليهم ملاحقة كل من يقوم بأعمال عنف وكراهية وعدوانية تستهدف المسلمين، وتقديمهم للعدالة لينال المجرم العقاب المطلوب لردعه، تماماً مثلما يحدث من طرف امريكا والغرب، في البحث عن كل من قام او يقوم بأعمال إرهابية ضد الغرب، فان لم نر تدخلا ايجابيا من السلطات الامنية الهولندية، ومنتظماً لمنع ما يسمى «بالاجرام الصغير ضد الجالية الإسلامية في هولندا فلا يمكن ان تخاطب حكومة هولندا بايجابية المسلمين في هذا الموضوع أو أي موضوع آخر، اي تفقد جسور الحوار ويغيب تفاهم كافة الاطراف لبعضها، الذي هو شرط لمجتمع السلام وتعدد الثقافات في ظل مناخ تسامح واحترام، فنحن نريد من الحكومة تدخلاً واضحاً في هذا الميدان. موقف الحكومة ـ هل تمت استجابة من طرف الحكومة الهولندية لدعوة زيارة المؤسسات الإسلامية؟ ـ بالفعل تمت زيارات لرئيس وزراء هولندا مؤخراً لعدد من المساجد، وقد حققت توازناً نسبياً، وتبعتها زيارات لمسئولين آخرين، لمؤسسات اجتماعية وبعض الاحياء التي توجد بها كثافة سكانية من عرب ومسلمين، ساهم ذلك في نوع ما من اعادة النظر في توجهات المجتمع الهولندي تجاه المسلمين، حيث تأكد للجميع ان الحوار هو الطريق الاصوب لفهم مختلف شرائح المجتمع لبعضهم البعض، وان الجالية الإسلامية ليست متهمة بشيء، ووجوب ان يقف الجميع وقفة رجل واحد تجاه كل ما يهدد أمن واستقرار المجتمع، وهو بمثابة درس أيضاً للعامة بأنه ـ رئيس الحكومة ـ لا يريد ولا يؤيد أي نوع من الكراهية للمسلمين أو العنف ضدهم. ـ ما هو سبب تباين ارقام الاحصائيات لمسلمي هولندا؟ ـ منذ تعديل الدستور في هولندا بعد الحرب العالمية الثانية، فيما يختص بالقوانين المدنية، لا يتم تسجيل نوعية الدين للمواطنين، وذلك بعدما يعرف بفصل الدين عن الدولة، لذلك فالاحصائيات المتوافرة هي عشوائية أو بالاحرى «غير رسمية» تتفق الجهات الرسمية على ان عدد المسلمين يتراوح ما بين 800 ألف إلى مليون نسمة، هم من المغرب، تركيا، سورينام، اندونيسيا، اضافة للاجئين السياسيين القادمين من ايران، افغانستان، العراق، والإسلام هو الدين الثاني في هولندا. ـ تحدثت عن المبرر التاريخي.. لكن هولندا دولة المعلومات، وتوجد ثمة تحفظات على مصداقية المسئولين في ان عدد المسلمين غير معروف، فاعداد التلاميذ بالمدارس الإسلامية معروف لدى وزارة التعليم، وبالمدارس غير الإسلامية الحالة الاجتماعية مسجلة في ملفات، يتم عملها عند دخول الطفل للمدرسة، وتسجل أنواع الديانة خاصة لأطفال المسلمين، حتى لا تقدم لهم اطعمة من لحم الخنزير، فهل هناك أسباب لعدم ذكر اعداد المسلمين بهولندا؟ ـ دعني اوضح انه يوجد فرق كبير بين مدى التزام الجهات الرسمية بالدستور نصا وروحا، وضرورة نشر معلومات موجودة في الملفات، وهذه الضرورة قد تتعارض مع قوانين البلاد، اذن فالتحفظات على مصداقية المسئولين يجانبها الصواب، ومن ناحية ثانية نحن نتفهم المبرر التاريخي، فحكومة هتلر ابان الحرب العالمية كانت تستطيع التعرف على أي يهودي، وفي أي شارع يسكن بالضبط، اذن فهولندا تعتبر منذ عام 1945 ان الديانة أمر شخصي للمواطن، أيضاً قبل الحرب العالمية الثانية في هولندا، كانت توجد احتكاكات ومشاكل بين المواطنين والدولة، اجتماعية وخاصة بدفع الضرائب للكنيسة وخلافه، وما هو متوافر لنا ونعرفه لعدد المسلمين: فالمغاربة 265 الف نسمة، الجالية التركية 295 الف نسمة، الجالية العراقية 15 ألف نسمة، الايرانية تقريباً 15 الف نسمة، والباقي من الافغان والاندونيسيين والسورينام وغيرهم من البلاد العربية، من هنا تأتي التقديرات. المثال الصربي ـ ترتفع بعض الأصوات معلنة مخاوفها من ان يحدث للمسلمين في هولندا ما حدث لمسلمي البوسنة والهرسك من طرف الصرب.. فهل تؤيد مثل هذه المخاوف؟ ـ لا اظن حدوث ذلك. ـ لماذا لا تظن ذلك؟ فقبل الحرب العالمية الثانية كان هناك من نبه في أوروبا من العنصرية والعنف ضد اليهود، والحرب العالمية أيضاً، وحديثاً حذر أيضاً البعض من حدوث مجازر للمسلمين في مختلف مناطق البلقان؟ ـ اولاً وقبل كل شيء نرى ان الجالية الإسلامية في هولندا تبحث بكل الوسائل عن الوصول لكل المرافق الحيوية في البلاد، فيوجد مغاربة مسلمون في مختلف الوظائف العامة، بالشرطة والقضاء، وفي الجيش والبرلمان، وعدد المرشحين المسلمين في الانتخابات البرلمانية للعام المقبل هم 7، وعدد المرشحين لانتخابات المجالس المحلية هم 90 مواطناً من اصل مسلم، وانطلاقاً من علاقتي برؤساء الاحزاب السياسية انهم يفكرون أيضاً في تعيين المسلمين في وظائف عالية، كما انه توجد اقتراحات لتعيين واحد أو اثنين من المسلمين في الحكومة القادمة. فهذه الافكار التي بنيت على مجموعة نصائح من جانبي وآخرين، تقول بانه لسلامة المجتمع على المستوى البعيد والاستقرار والاستثمار في التعددية الثقافية، يجب وبالحاح ان نرى انعكاس التعددية في كل المرافق الحيوية بالبلاد، لتجنب ما كنا نراه في البوسنة او في بلدان اخرى، ولي امل في تحقيق هذه النتيجة، وحينما نبهنا المسئولون في الماضي لفشل الحكومة في تعيين نسبة معقولة من المسلمين في الوظائف العامة، استمعوا الينا وبالفعل تم استدراك الأمر والتصحيح، وتم تعيين نسبة 10% مثلاً بوزارة الداخلية من الأجانب. ـ لنترك المستوى الرسمي.. وننتقل لمستوى رجل الشارع نرى العنصرية الهولندية، والاساءة للمسلمين، ولا ننسى الدور المهم للإعلام الهولندي وتعامله مع قضايا المسلمين بأسلوب لا يمت للعدالة الإعلامية بصلة، فكيف يتم معالجة ذلك؟ والإعلام الهولندي يعتبر كل مسلم إرهابي؟ ـ انا لا اتفق معك في الوصف الأخير.. صحيح توجد فروق بين الخطاب الرسمي، الإعلام، والمجتمع الهولندي «أي الشارع»، فهذا المجتمع في حاجة لاعادة تربية طويلة المدى، تبدأ بأن الشخص الآخر الاجنبي يحمل معه عتادا دينيا وثقافيا واجتماعيا ويمثل هوية يجب الاعتراف بها وتقديرها، وكذلك الاعتراف بجودتها، فكل من يقول ان الهوية الهولندية والمسيحية والثقافة المسيحية هي احسن بكثير من الهوية والديانة الإسلامية، فذلك يغلق الأبواب مع اي حوار، لذلك فنحن لسنا على استعداد للحوار مع أي من يخاطب بهذا الكلام لأنه لا يعترف بكلامي وهويتي وشخصيتي، والمكان الطبيعي لحدوث التحول الذي نريده هو قطاع التعليم داخل المدارس، وانا كاول مسلم في تاريخ هولندا يحظى بعضوية المجلس الأعلى للتعليم، وهو مجلس استشاري للمملكة الهولندية، ولا تتحرك الدولة امام البرلمان الا باستشارة هذا المجلس، اقوم وبكثافة لأبين للحكومة الهولندية لهذه التربية، فيجب استثمار في الشباب والأطفال، بتعليم متعدد الثقافات، يعترف بالثقافات والعادات والديانات غير الهولندية، الإسلامية والهندية وغيرها، يجب حدوث احتكاكات بين الهولنديين والاجانب في الفن والرياضة والمجالات الثقافية، وانا بدوري اعرف ان مثل هذه المشاريع قد تستغرق جيلاً او جيلين، و50% من الشعب الهولندي الذي تعداده 16 مليون نسمة توجد لديهم كراهية، وهم يعتبرون ان كل ما لديهم متفوق وأعلى من الآخرين، وهذا مشروع نفس طويل، ويقول الله عزوجل شأنه: «ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» صدق الله العظيم.«52 ـ الأنفال». السلوك الاعلامي ـ هذا كان فيما يخص عقدة التفوق عند الهولنديين، وكيفية معالجتها من وجهة نظركم، وقد اختلفت معي في ان الإعلام الهولندي يعتبر كل مسلم إرهابي.. لكن اذكر لك مثالا واحداً، وهو انه حينما قبضت السلطات الهولندية على اربعة من العرب للاشتباه فيهم، كل الإعلام وصفهم بالإرهاب، وهم لم يقدموا للمحاكمة حتى الآن، ولا توجد ادلة لتورطهم في اعمال إرهابية، وقد افرج عن واحد منهم، فما رأيك في السلوك الإعلامي الهولندي؟ ـ لقد ناقشت موضوعاً خاصاً بأسلوب عمل وكتابة صحفي هولندي بارز، حيث كانت هناك جريمة، والضحية كانت فتاة هولندية عمرها 15 سنة، وقام الصحفي الهولندي ببث صورة لشاب لاجيء اصله من العراق كانت تحيطه الشبهات، واتضح بأن المتهم العراقي لم يكن هو الجاني، بعد ان ظهرت نتائج ابحاث الجينات الوراثية، واعترضت على أسلوب الصحفي الهولندي، وان العمل الصحفي النزيه يمنع عدم نشر صورة المتهم قبل ادانته، وتطور الأمر بأن رفع الصحفي قضية ضدي يتهمني بالاساءة اليه والقذف والسب، وكانت مهزلة بأن سحب قضيته من المحكمة لتأكد ضعف موقفه، فاتفق معك على عدد من الافكار التي اراها في الميدان الصحفي الهولندي بالخصوص بكثرة في السنوات الأخيرة، لكن لهذا اسباب واقعية يجب ان نراها، حيث شهدت الساحة الهولندية منذ سنوات تورطاً لشباب مغاربة الاصل في عمليات اجرامية، وهم مسلمون، ومؤخراً تم التركيز عليها من جانب الاعلام الهولندي، واصبحت اكثر وضوحاً من ذي قبل، إذن فهناك منعطف سببه ليس وسائل الاعلام الهولندية، لكن نحن المسلمون، فأبناؤنا متورطون في الاجرام.. بيع وشراء المخدرات.. وأكثر من ذلك في بيع وشراء النساء، والتورط في كل ماهو قبيح وبعيد عن الاسلام، وانا كنت في السابق مديراً لمركز الاحصائيات الهولندية، فالاحصائيات لا تكذب، فاذا اردنا تغيير الصورة القبيحة حالياً في ميدان الإعلام الهولندي، فيجب ان يكون التغيير في سلوك المسلمين في هولندا، من طرف الشباب الذي يسييء لصورة عامة الجاليات الإسلامية، وفي ذات الوقت التعامل بالحوار مع الإعلام الهولندي. ـ لكن يجب أيضاً الا ننسى ان هؤلاء الشباب الذي تحدثت عنهم، هم من الجيل الثاني الذي ولد وتربى في هولندا في ظل قوانين هولندية تسمح بكل ما وصفته بأنه قبيح وبعيد عن الإسلام، فهم جزء من المجتمع الهولندي، وليس من الصواب القاء اللوم عليهم. ـ هذا صحيح، وهو جزء من المصارحة والواقع، ففي حديثي مع رئيس حزب العمل الهولندي، طلبت منه ان يسعى لتغيير ما يعرف «بعرف سياسة التسامح» في تجارة وتعاطي المخدرات، فالتناقض بين القانون وسياسة التسامح يجب القضاء عليه، أيضاً استكمالاً لسرد الحقائق فان فرصة الشباب المغربي في التعليم وسوق العمل ضعيفة بالمقارنة بالهولنديين، حيث ان نسبة 25% من المغاربة يغادرون التعليم قبل الحصول على شهادة تؤهلهم للدخول لسوق العمل، والحصول على وظيفة محل احترام وتقدير، وهذه الظاهرة «المخدرات» تسهل عليهم الحصول على المال السريع، لكن لا يمكن ان تكون القوانين الهولندية سبباً أو مبرراً، لقيام الشباب بأعمال في ميدان الانحراف، لان ديننا لا يسمح بذلك، والشريعة الإسلامية واضحة في الحرام والحلال، فاذا كانت هناك بواطن ضعف في القوانين الهولندية، ينبغي على كل مسلم الابتعاد عنها، ونعرف ان الاعلام الهولندي يبالغ في تسليط الاضواء على الجالية الإسلامية، لكن يجب مخاطبة انفسنا أولا قبل مخاطبة الآخرين، وتوجد تناقضات كثيرة منها مثلاً تربية الأطفال، فالدولة تطالب اولياء الامور في الجالية الإسلامية بتربية اولادهم، وتقول ان المجتمع يعاني من الانحرافات، الا انه في حالة حدوث ضغوط يمارسها اب مسلم على اولاده، تتدخل السلطات الهولندية وتمنعه، وربما تعاقبه أيضاً حيث ان القوانين تمنع ضرب الاولاد، اضيف إلى ان معظم الجالية المغربية تعاني من الأمية والجهل، ولا اقول ان هذا عيب لان الرعيل الأول من المغاربة في هولندا لم يجد احسن مما وجد، ويقول المثل الهولندي «التفاحة لا تسقط بعيداً عن الشجرة»، واليوم ننظر للجيل الثاني والثالث في المستقبل ايجابياً، ونعلق عليهم آمالاً في تصحيح الصورة. اجرى الحوار في لاهاي: د. سعيد السبكي