ـ كانت الدنيا في سبعينيات القرن العشرين، وعلى وجه الدقة كانت بدايات السبعينيات، وكانت لندن ـ ايامها ـ رحيمة بالسودانيين، وكان السودانيون رحيمين بها. ـ نسى السودانيون أو تناسوا ما فعلته ـ الامبراطورية العجوز بهم ولهم في كرري وأم دبيكرات، ونسوا سنوات القهر الاستعماري التي امتدت من تسعينيات القرن التاسع عشر إلى خمسينيات القرن العشرين. ـ انها الذاكرة السودانية المتسامحة والتي سرعان ما تنسى وتقلب الصفحات، بل هو القلب السوداني الطيب الذي يدير الخد الايسر للصفعة التالية. ـ كانت الايام ـ برغم الاستعمار ـ سودانية، وكان السودانيون ـ برغم الاستعمار ـ لا يزالون بخير، وكانت لندن لا تزال شابة ورائعة الحسن جداً. ـ كان جمال محمد احمد قد انتهي للتو من ترجمة «افريقيا تحت اضواء جديدة «Africa rediscovered» لبازل ديفدسون، وكان الطيب صالح قد نشر الترجمة الانجليزية لروايتيه «عرس الزين» و«موسم الهجرة للشمال» وكان ابراهيم الصلحي وعثمان وقيع الله لا يزالان يعيدان رسم لوحة لندن بعيون سودانية، وحين يقبل الليل كان يحتشد جميع هؤلاء في دارتي بنواحي همستد. ـ في تلك الايام هبط الينا وعلينا ذلك الرجل السامق كنخيل بلادي والرائق كنيل بلادي، والوطني المقاتل من اجل وطن يكون قبلة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. جاءنا وجاء معه حزب من النبيلين والنبلاء. بروفيسور محمد عمر بشير، د. عز الدين علي عامر ود. أحمد النجيب، وانضموا إلى منتدى دارتي التي كانت تضم كذلك طوماس هودجكن، بازل ديفدسون، مايكل ولفرز، انطوني سلفستر وروي صو. ـ وهكذا دخل لندن من كل أبوابها وسرعان ما تأقلم الراحل المقيم على اجواء الدبلوماسية ومناخاتها، الجهيرة والمستترة، واقام علاقات حميمة مع الدبلوماسية البريطانية.. وتلك المعتمدة لديها. ـ كنت مسئولاً عن قسم الصحافة والإعلام وشئون جنوب السودان بالسفارة، وكنت احرص على دعوة صحفي بريطاني على الغداء كل اسبوع في شقة للسفير ملحقة بالسفارة، كان يحرص دائماً على ذلك اللقاء الاسبوعي للتعرف على الصحفيين البريطانيين بل ويدعوهم لزيارة السودان والتعرف على احواله، وهكذا كسبنا عدداً من الصحفيين النافذين في صحف كالتايمز والجارديان والديلي تلجراف والفاينانشيال تايمز وافركا كنفدنشيال. ـ انه ـ أيضاً ـ وعلى ايام سفارة عابدين اسماعيل، كانت المبادرة الاولى لفتح حوار مع حركة انانيا ممثلة في مادينق دي قرنق رئيس مكتبها في لندن، وهذه المبادرة كانت بمثابة المقدمات لتوقيع اتفاقية اديس ابابا عام 1972م، وكان شهود المبادرة بروفيسور محمد عمر بشير واللواء عوض مالك وشخصي. فعلنا كل ذلك بدون استشارة الخرطوم، فقد كان يكفي ان لدينا وزيراً للخارجية في قامة فاروق ابو عيسى، وسفيراً بلندن في سموق عابدين اسماعيل، وهل يحتاج الهرمان صكاً من ابي الهول! ـ مازلت اذكر ذلك المساء الاثنين ـ الموافق 19 يوليو ـ الساعة السابعة بتوقيت جرينتش ـ كنت في دارتي.. وكان قد وصل اليها السفير يعقوب عثمان والسيدة الفضلى حرمه وكنا بانتظار وصول الرائد فاروق حمد الله وآخرين.. حين رن الهاتف، وكان المتحدث رئيس قسم الشئون الافريقية بصحيفة الديلي ميرور، والذي نقل لي انهم تلقوا «فلاشا» من وكالة الانباء العراقية بحدوث انقلاب في السودان بزعامة الرائد هاشم العطا.. طالباً مني التعليق، فاعتذرت عن التعليق واتصلت بالسفير وحين لم اجده، اخطرت الرائد فاروق حمد الله ـ وهو صديق منذ الخمسينيات ـ والذي توجه على الفور إلى شقة المقدم بابكر النور في نواحي بكنجهام بلاس. ـ صباح الثلاثاء 20 يوليو، كان مبنى السفارة محاطاً بعشرات الكاميرات وعشرات الصحفيين، فاتصلت بالسفير في مكتبه أسأله ان كان قد ذهب لزيارة بابكر وفاروق، فرد علي بصوت حاد ولهجة قاطعة «ما مشيت.. وما حامشي... الدايرني يجيني في سفارتي!». ـ كنت منهمكاً في اعداد نشرة بردود فعل اجهزة الاعلام البريطانية.. حين اتصل بي الملحق العسكري السوداني يقول «الجماعة موجودين في شقة السفير.. فتعال» ـ قلت له بحدة «انا لا اتلقى توجيهات منك!» واغلقت الهاتف. ـ وبعد قليل اتصل بي السفير وقال لي «ان الملحق العسكري احضر الجماعة للشقة.. فتعال» وحين صعدت إلى الشقة.. وجدت هنالك أيضاً د. عز الدين علي عامر وفيليب أوبانق وأحمد نور ـ ووجدت ان قراراً قد اتخذ بعمل مؤتمر صحفي، لكن السفير اسماعيل لم يحضر ذلك المؤتمر الصحفي بسبب ارتباط سابق! ـ اقلعت طائرة الـ B.O.A.C «وقتها» في تمام الحادية عشرة من ليل الاربعاء 21 يوليو.. وعليها المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمد الله والنقيب عثمان بلول وعند الساعة الرابعة صباحاً كان جرس الهاتف يرن بعنف واصرار في بيتي، وكان المتحدث على الجانب الآخر... السفير عابدين الذي اخبرني بأن مدير الخطوط الجوية البريطانية اتصل به قبل لحظات واخبره بأن السلطات الليبية ارغمت الطائرة على الهبوط في مطار بنين الليبي وان السلطات الامنية هناك قد احتجزت كلا من المقدم بابكر والرائد فاروق، وان الطائرة الآن عائدة إلى مطار هيثرو، وطلب مني ان اذهب حالاً للمطار لمقابلة كابتن الطائرة ومعرفة ما حدث على وجه الدقة، كان ذلك فجر الخميس 22 يوليو. ـ نقلت للسفير عابدين تقريراً بما حدث قبل وفوق وعند مطار بنين فطلب مني ابراق الخرطوم بذلك. ـ وجهني السفير ذلك الصباح أيضاً بالدعوة لمؤتمر صحفي يعقد بالسفارة ظهر ذلك اليوم، ودعوت للمؤتمر واحتشد الصحفيون بالقاعة الكبرى في الطابق الارضي، وقبيل المؤتمر اتصل بي صديق من القسم الانجليزي ال«بي ـ بي ـ سي» ـ يخبرني بأن نميري يتحدث في تلك اللحظة من اذاعة أم درمان، فاتصلت بالسفير اسماعيل انقل اليه المعلومة واقترح عليه الغاء المؤتمر الصحفي فرفض واصر على قيام المؤتمر. ـ كنا ـ عابدين اسماعيل وشخصي ـ نهبط الدرج من الطابق الثالث ـ وكنا في هدوء تام.. كان نبأ عودة نميري قد انتشر داخل السفارة، وكان رجال من أعلى الرتب العسكرية والمدنية يهرولون بجانبنا على السلم.. يسقطون وينهضون وينطلقون كالريح على حد تعبير السيد كارتر الساعي بالسفارة، وكان الجنرال عابدين اسماعيل ـ كما كان يسميه السفراء العرب ـ يمشي واثق الخطوة، أبيض الشعر، صارم القسمات حتى اذا ادركنا باب القاعة دلف اليها وتقدم نحو المنصة، واضواء الكاميرات تضييء القاعة، بينما كان يناديني الملحق الاعلامي المصري ـ وهو صديق قديم ـ «ياسيد.. ده نميري رجع» فقلت في هدوء «عارف» فصرخ الرجل «وكمان عارف!» وصفق يديه وهو يردد «لاحول ولاقوة إلا بالله!». ـ وقف عابدين اسماعيل وكأنه هرم من اهرامات البركل ـ سامقاً وشامخاً وصامداً ـ وهو يقول بصوته الجاهر الجهوري وبلغة انجليزية صافية كنعنعة الماء «ان ما حدث في مطار بنين جريمة كبرى.. بل انه سابقة ليس لها سابق، وانه قرصنة جوية وعمل بربري تتري، وانه مدان من كل الشعب السوداني ومن كل الشعوب المحبة للحرية!». ـ وحين سأله صحفي وهو يتجه خارج القاعة.. للشارع الضيق الذي يفصل بين السفارة وقصر سنت جيمس ـ حيث تقيم الملكة الام «سفير من انت.. هل انت سفير جعفر نميري.. أم انت سفير بابكر النور!» قال وهو يتقدم نحو سيارته والكاميرات تلاحقه.. «أنا سفير السودان!». ـ كان المطر في تلك اللحظات ـ يزخ عنيفاً.. كأنه يجلد وجه الصبية لندن.. فتنهال المساحيق والألوان تحت قدميها فتبدو لندن ركيكة في ثيابها المبللة.. وشعرها المنكوش، فلم تعد لندن هي تلك اللندن... ولا انجلترا هي تلك الانجلترا التي يقول عنها ويردزويرز: هذه الأرض الخضراء هذا الفردوس هذه الانجلترا ـ كان المطر يجلد كل شيء. كأن نهر التايمز قد صعد إلى السماء وانكفأ عاليه على سافله واندلق فوق جسد لندن مطراً اسود.. مطراً أزرق.. مطراً أحمر بلون الدم.. وكان نهر النيل يهرول عبر الخرطوم مذعوراً ومغسولاً بالدم... وكان صوت عابدين اسماعيل يأتيني عبر الريح والمطر «ما مشيت.. وما حأمشي... الدايرني يجيني في سفارتي». ـ وكان صوت عابدين اسماعيل يزخ في أذني عبر الريح والمطر «ان ما حدث في مطار بنين جريمة كبرى وسابقة ليس لها سابق». ـ وكان صوت عابدين اسماعيل يرعد في أذني.. ويبرق امام عيني: «أنا سفير السودان!». ـ لحظتها... وأنا أركض ـ عبر الريح والمطر ـ تحت سماء لندن الباكية.. رأيت انني أغني «ما اجمل ان نعيش في عصر عابدين اسماعيل!» عليه رحمة الله. بقلم : سيد أحمد الحردلو