بين توتر هنا واحتمالات اندلاع ثورة عرقية هناك تبيت أفغانستان على رؤوس الحراب الاثنية، ويتوجس امراء حروبها من الخطوة القادمة وكل يحسب حساب حصته ويده على زناد بندقيته. بدت أولى بوادر التوتر في الخلاف على ولاية قندهار وقال كثيرون انها اول التحديات التي واجهت حامد قرضاي، لكن الواقع ان خلافاً كهذا انتهى بدخول قرضاي قندهار وعقده مجلساً للصلح، ليس التحدي الأول أو الاخطر. كان هم قرضاي الأول وراثة قوات حركة طالبان، خاصة وانه باشتوني وقندهاري، وقد حقق نجاحاً في حقن دماء قوات حركة طالبان «اعلاميا وسياسيا على الأقل» بالاتفاق السياسي على تسليم قندهار وغيرها من المدن دون التعرض لقوات طالبان. ولذا نجد ان قواته لم تهاجم قندهار وهلمند وزابل للاستيلاء عليها، وانما فضل قرضاي التوصل لاتفاق سياسي لتسلم هذه المدن دون قتال. لقد ادرك قرضاي انه لو دخل كابول دون قوة فسيكون تحت سيطرة قوات تحالف الشمال ولن يستطيع حكم أفغانستان مثل «صبغة الله مجددي» أول رئيس لحكومة المجاهدين في كابول بعد رحيل السوفييت عن أفغانستان مطلع التسعينيات، والتي قال عنها مجددي بعد ابعاده عن الحكم بواسطة مجلس شورى النظام، انه كان يحكم غرفتين فقط داخل قصر الرئاسة في كابول، أما خارج الغرفتين فمجلس شورى النظام كان هو الحاكم الحقيقي. ولذا رأى قرضاي انه لابد من قوة تحميه وتحمي قراراته ويدخل بها إلى كابول، فحاول الابقاء على بقية قوات حركة طالبان وخصوصاً القندهاريين منهم لسببين: ـ الأول: هو وجود قوات خاصة به تحميه وتحمي قراراته في مواجهة قوات التحالف. ـ الثاني: حقنه دماء القندهاريين الباشتون اعطاه سمعة طيبة وشعبية وسندا وابرزه ذلك كقائد باشتوني قندهاري اعاد شيئاً من السمعة لهم حيث ان قوات طالبان لم تنهزم أمام القوات الأمريكية والموالين لها، بل استسلمت وفق اتفاق. ويرى المحللون والسياسيون ان قرضاي سيستفيد من هذه القوة حالياً، وهو يعلم انه لا يريدها مستقبلاً، لكن بقاءها الآن تحت حمايته كأعلى سلطة في البلاد ستعطيها الشرعية في المستقبل، وليس شرطاً ان تكون باسم طالبان، ولكن ما يمكن الاستفادة منها تحت اسماء أخرى. ويدرك قرضاي ان الفكرة الإسلامية صارت جزءاً من كيانهم ولان أفغانستان بلد ثوري، فلا يمكن اخماد جذوة الثورات في الشعب الأفغاني بدون قوة تضبط الأفغان لكي لا تنفلت الأمور فمن هو قرضاي؟ الرئيس المؤقت تناولت مصادر متعددة حامد قرضاي وأبرزته كوجه جديد على الساحة السياسية الأفغانية رغم انه ليس جديداً فيها، وينسب إلى قرضاي علاقته بالإدارة الأمريكية مثلما يتوقع ان يكون محوراً مهما في الحياة السياسية والأفغانية. وقرضاي «46 عاماً» زعيم قبيلة بوبلزي في جنوب أفغانستان ومن الوجوه السياسية البارزة في المعترك السياسي الأفغاني، ينتمي إلى الباشتون كبرى العرقيات الموجودة في أفغانستان «40%»، وتعد قبيلته أهم بطون قبيلة دراني التي ينحدر منها احمد شاه ابدالي مؤسس أفغانستان الحديثة عام 1747 ومعظم ملوك أفغانستان. وهو الابن الاوسط بين سبعة ابناء واخت، للسياسي الأفغاني البارز عبدالأحد قرضاي، تولى زعامة قبيلة بوبلزي بعد اغتيال ابيه في يوليو 1999 في مدينة كويتا الباكستانية وقد توجهت اصابع الاتهام نحو طالبان آنذاك. حصل قرضاي على درجة الماجستير في العلوم السياسية من احدى جامعات الهند، ولم يسجل له انتماؤه إلى أي تيار ايديولوجي معين فهو زعيم قبلي قومي يحمل رؤى اصلاحية تعتمد النموذج الغربي في التحديث ورغم سلوكه العصري وعاداته الغربية لكن لا يمكن القول انه ينتمي فكريا للغرب. ابدى قرضاي تعاطفاً مع حركة طالبان في بداية نشوئها اواسط عام 1994، لكن غير موقفه منها بسبب ما اسماه بوقوف الاستخبارات الباكستانية وراءها، وزاد هجومه على الحركة فيما بعد بسبب تأثير جهات أجنبية على الحركة وقادتها خاصة العرب الأفغان. وتذكر مصادر منوعة ان الادارة الأمريكية وجدت فيه الشخص المناسب الذي يمكنها من تحقيق جزء من مخططها، فهو باشتوني قائد متمرس بأساليب القتال على الأرض الأفغانية الوعرة، وهو معادٍ لطالبان ولديه رغبة للثأر لوالده عدا عن وجود طموحات سياسية لديه لا تتعارض مع الرؤية الأمريكية لشكل الحياة السياسية في أفغانستان بعد طالبان. وتجمع المصادر على ان قرضاي كان مهيئاً منذ البداية لهذه المهمة وان عملية طرح الملك ظاهر شاه كانت مناورة أمريكية للوصول بالتحالف إلى القبول بقرضاي. تقع على عاتق قرضاي جملة من المهام المجدولة أمريكياً منها اعادة الأمن والاستقرار لأفغانستان بعد القضاء على ما تبقى من حركة طالبان في الجنوب، وارضاء الفصائل المناوئة والتي لم يرضها مؤتمر بون، اضافة لاعادة اعمار أفغانستان التي تخوض حرباً منذ أكثر من عشرين عاماً، ويتوقع ان تستمر عملية اعادة اعمارها عشر سنوات في الأقل. تواجه قرضاي عقبات كثيرة، فهو في وسط اعتاد حمل السلاح حتى أصبح جزءاً من تكون الشعب النفسي والفكري، وقد يجد من يعتبر اختياره غير شرعي اضافة لما يتوقع ممن سيعملون على محاربته بدعوى ان مؤتمر بون الذي اختاره أمريكي الصبغة والفعل والأهداف والنتائج، فما هي نسبة تنفيذ هذا الاتفاق على ارض الواقع وما هي أهم المخاطر التي تواجه قرضاي؟ الانقسامات الداخلية في البداية ينبغي ان نقرأ التوقعات في ما توصل اليه المؤتمرون في بون، فقد انقسمت الاراء فرأى البعض انه يختلف عن تلك الاتفاقيات التي كانت توقع بين قادة الأحزاب الجهادية، لان القوات الدولية ستشرف على تنفيذ قرارات هذا المؤتمر وهي تستطيع بما ستحصل عليه من صلاحيات اجبار الجهة المعارضة على قبولها وتنفيذها. ورأى اخرون ان بعض الجهات المشاركة في المؤتمر ستحاول مع بعض الجهات التي لم تشارك في المؤتمر، ولها تأثير على الشعب الا تنفذ قرارات هذا المؤتمر خاصة اذا لم تكن في صالحهم، ويرون ان رباني سيستفيد من الخلافات التي بدأت تبرز بين التحالف الدولي ويعتبرون التحرك الدولي وارسال كتيبة من جنودها إلى كابول حلقة في هذه السلسلة. وذهب البعض إلى ان بون صدعت تحالف الشمال وخاصة الجمعية الإسلامية فقد انقسموا إلى شيب وشباب رأى الشباب ان حل القضية حسب قرارات المؤتمر بينما عد الشيوخ هذا حلا أمريكيا يجب التخلص منه بأي شكل، وقد تساعدهم بعض الدول المجاورة في ذلك، خاصة تلك الدول التي تعتبر أمريكا والحكومة الموالية لها ضد مصالحها في المنطقة. أما العقبات التي تواجه قرضاي منذ البداية تكمن في توزيع الحقائب الوزارية، والتي ظهرت بوادرها عقب بون بيوم واحد، وتمثلت في اعلان عبدالرشيد دوستم في السادس من ديسمبر الحالي انه سيقاطع الحكومة المؤقتة لأن الفصيل الاوزبكي لم يمثل تمثيلا جيداً في المؤتمر، مطالباً بتولي فصيله وزارة الخارجية وهو أمر لم يحظ به دوستم اذ منح الزراعة والصناعة والتعدين مما عده أمراً مشيناً. ظهر بعد ذلك اعتراض الزعيم الباشتوني سيد أحمد جيلاني الذي اعترض على عدم الانصاف في توزيع الوزارات خاصة للذين لعبوا دوراً مهماً في الجهاد ضد الاحتلال السوفييتي، وجيلاني يقود الجبهة الإسلامية الوطنية لأفغانستان وهو مؤيد للملك السابق ظاهر شاه. أما عبدالرب رسول سياف زعيم حزب الاتحاد الإسلامي فقد أعلن بعد ذلك بقليل انه لم يقرر بعد وحزبه موافقته على الحكومة المؤقتة ويشار إلى ان سياف انسحب من مؤتمر بون. وهناك أيضاً رباني الذي لم يتحدد مصيره بعد ويعده المراقبون مصيراً غامضاً، وهناك من يعتقد انه ستوكل له مهمة ودور في المرحلة المقبلة بعد 6 أشهر أي عند تشكيل الحكومة الافغانية الموسعة. أما المشكلة الأكثر خطورة أمام الحكومة المؤقتة فتتمثل وفق المراقبين بتهميش دور الباشتون في الحكومة الأفغانية الانتقالية، اذ ستذهب أهم ثلاث وزارات وهي الدفاع والخارجية والداخلية إلى التحالف الشمالي «الجنرال محمد فهيم خان وعبدالله عبدالله ويونس قانوني»، بمعنى التحالف الذي تهيمن عليه الاقليات الطاجيكية والاوزبكية والهزارة أصبحت الحاكم الفعلي لأفغانستان وهو ما يثير استياء قبائل الباشتون التي تمثل أكثر من أربعين في المئة من الشعب الأفغاني. قضية أخرى قد تعد من الأمور الخطرة وهي علاقة قرضاي بالهند فهو يعد من المقربين اليها، فقد درس فيها وتأثر بعلمانيتها، وهذا ما يدفع الكثيرين للاعتقاد بأن قرضاي سيسعى لتحقيق أجندة أمريكية في جعل أفغانستان دولة علمانية. نزع سلاح المجاهدين يعد مهمة صعبة أيضاً في ظروف البلد خاصة بعد تسلم قندهار وبقية الجنوب اذ ستتحول بعض الجماعات إلى ما قد يسمى بحكومات محلية سيصعب السيطرة عليها، حتى مع نشر القوة الدولية والتي حدد وزير الدفاع محمد فهيم خان المنتمي للتحالف الشمالي انها لن تزيد على ألف رجل وستحمي المؤسسات الحكومية للحكومة الانتقالية فقط. يضاف إلى ذلك ما هو حاصل وما قد يحصل من انقسامات بين التحالف نفسه وبين الفصائل الافغانية خاصة وقد ذكرت مصادر صحفية ان هناك العديد من حقائب الأوراق المالية تتناقلها الايدي في جنوب أفغانستان في دلالة على بدء عملية شراء المواقف وتغييرها. سيناريو قديم مع هذه القضايا والعقبات يبرز السيناريو القديم للنزاع الافغاني الاثني والذي توقع كثيرون عودته بقوة، مما يجعل فكرة تقسيم افغانستان التي سبق ان عرضها الرئيس الروسي بوتين اقرب للحضور أمام كل التصورات. والمعروف ان التوازنات العرقية والطائفية في أفغانستان تلعب دوراً لا يمكن الاستهانة به في تشكيل أي حكومة وحدة وطنية فهو بلد متعدد الثقافات والاعراق والدين. يبلغ عدد سكان أفغانستان حوالي 25 مليون نسمة منهم أربعة ملايين أفغاني لاجيء منقسمون بين باكستان وايران والدول المجاورة، وتشكل قبائل الباشتون الاغلبية السكانية اذ تبلغ اكثر من 40%، ثم الطاجيك وهم 25%، فالاوزبك 9% والهزارة الشيعية 19%، بجانب اقليات صغيرة من البلوش والتركمان وغيرهم. وهذا ما يدفع الكثير من المحللين إلى القول بنظرية التقسيم وخطره، فأحداث السنوات العشرين الأخيرة لا تمنح بصيص امل حتى مع الاتفاق الموقع ووجود القوات الدولية أو حتى بوجود قاعدة أمريكية. ويذهب المحللون إلى ان دليل ذلك موجود في التنوع الاثني نفسه عدا عن تنوع مصالح دول الجوار. فكل جماعة من المجاهدين تمثل مجموعة عرقية معينة. وهنا ينبغي الاشارة إلى ان انهيار الاتحاد السوفييتي هو الذي اوجد هذا التنوع العرقي بخلق دول عرقية مثل اوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، وهذا قد يخلق لدى هذه الاعراق في أفغانستان ميلا للاندماج مع هذه الدول وهو ما تغذيه روسيا. ومن الأسباب التي ترجح حصول الانقسام هو عدم وجود حكومة مركزية مقبولة على مدى عقدين من الزمن استطاعت ان تمثل جميع الافغان، مما يدفع احتمال صمود الحكومة الجديدة إلى ظلال الشك. أسباب كثيرة غير ذلك ترجح سيناريو الانقسام منها: ـ عودة تحالف الشمال بقوة إلى كابول ومدن الشمال. ـ ازدياد تأثير دول الجوار التي تدعم كل منها جماعة أفغانية «اوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، باكستان، وايران». ـ احتمالات ان تخلق النزاعات بين الاعراق الافغانية فشلاً امريكيا في السيطرة على الوضع فيؤول الأمر إلى ارسال مساعدات دون حل القضية الأساسية. ـ ان دعم الأمم المتحدة وحده لن يكون كافياً لاعادة بناء أفغانستان ما لم تساهم الدول المجاورة التي تغذي الصراعات الداخلية. لهذا يرى الكثيرون ان الوضع الراهن سيكون تكراراً لسيناريو عام 1992 بعد سقوط حكومة نجيب الله الشيوعية وهو وضع استمر حتى عام 1996 عندما سيطرت حركة طالبان على كابول مع تغير بسيط هو غياب الحزب الإسلامي سياسيا وعسكريا عن الساحة. أفغانستان ترقد على بركان له فوهات متعددة بعدد البنادق المحمولة من جهاته الأربع ووسطه. وحتى يوم 22 ديسمبر الجاري ودخول قرضاي القصر الرئاسي، تبقى الاسئلة تحار في اجوبتها بين متفائل ومتشائم... وتبقى الأشهر الستة المقبلة حاسمة في تاريخ أفغانستان ومستقبلها السياسي.