رجال الدين في لبنان تجمعهم هواجس واحدة مفادها التحسب لضربة أمريكية للأصوليين في بلادهم في سياق الاستغلال الأمريكي لهجمات 11 سبتمبر الانتحارية أو على الأقل تقليم أظافر المقاومة الإسلامية اللبنانية حماية للاحشاء الاسرائيلية. وتتوسع نظرة رجال الدين اللبنانيين إلى الساحة الدولية حيث يوجهون الضوء الكاشف باتجاه اصرار دوائر أمريكية وصهيونية على الصاق تهمة الارهاب بالعرب والمسلمين وفي مواجهة ذلك يؤكدون ان أصابع أوروبية سواء شرقية أو غربية هي التي تقف وراء تفجيرات سبتمبر في اطار الارهاب الدولي المنظم. حول ما سبق يتحدث تالياً خمسة من رجال الدين المسلمين في لبنان هم: العلامة السيد محمد حسين فضل الله، رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، الشيخ محمد كنعان، مفتي جبل لبنان، الشيخ محمد علي الجوزو، مفتي زحلة والبقاع، الشيخ خليل الميس (وكلاهما تابعان لدار الفتوى في بيروت)، اضافة إلى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبدالأمير قبلان. وجاءت آراؤهم وتوقعاتهم وتحليلاتهم على النحو التالي: وبغض النظر عما إذا كان المتهم زياد الجراح اللبناني في بلدة المرج البقاعية، متورطاً في التفجيرات، أم هو براء منها، إلا ان ثمة «حاسة سادسة» يجمع عليها القادة السياسيون والروحيون، تتحدث عن اصرار أمريكي ـ وبالتالي اسرائيلي بطبيعة الحال ـ لاستغلال ما حصل بهدف ضرب الاصوليين في لبنان، أو بالحد الأدنى، الاكتفاء «بتقليم أظافرهم» حتى لا تبقى مخالب تفتك بالعدوان الاسرائيل على العرب، على حد تعبير أحد هؤلاء القادة. فضل الله وصراخ المستضعفين يقول السيد فضل الله عن توقعاته الدولية والاقليمية للمرحلة المقبلة في ظل الطروحات والتوقعات الأمريكية بعد التفجيرات.. تمثل الحدث الأكبر في الهجوم على المواقع الحيوية الأمريكية، اقتصادياً ودفاعياً وسياسياً، وذلك بالدرجة التي شعر فيها العالم ان أمريكا تعيش حالة انعدام الوزن في ساعات عدة، وذلك من خلال عمليات انتحارية بأسلوب جديد، وهو تفجير الطائرات بركابها في هذه المواقع. وتحدث المسئولون الأمريكيون ان هذا الحدث يمثل حرباً على أمريكا من قبل الارهاب، وانضم الحلف الأطلسي إلى أمريكا على أساس ان الحرب عليها هي حرب على أوروبا كلها، ودخلت اسرائيل على الخط لتعلن انها وأمريكا مستهدفتان من قبل ما تسميه «الارهاب الاسلامي»، ومازال العالم يهتز، ومازالت الاتهامات توجه للعرب والمسلمين،و وقد عانى مسلمو أمريكا من الاعتداءات من قبل أمريكيين آخرين، بفعل الاعلام الأمريكي الخاضع لليهود. أما ردّ الفعل الأمريكي فهو الطلب من الضحية ألا تأخذ بما يسميه «أسباب العنف»، في منطق يضع الضحية في دور المجرم، والمجرم في دور الضحية، وهكذا نلاحظ السياسات الأخرى التي تعتمدها أمريكا في حصارها لأكثر من بلد عربي واسلامي، تحت تأثير اتهامات لا أساس لها من الصحة. ويتابع فضل الله قائلا: «اننا نعتقد ان أمريكا تجتذب الارهاب في سياستها، لأن القهر الاقتصادي والسياسي والأمني، والالتزام المطلق بالأمن الاسرائيلي على حساب أمن شعوب المنطقة، سوف يحدث أكثر من ردة فعل ضد كل قوى الاستكبار العالمي، ولاسيما أمريكا، وسوف يحوّل العالم إلى ساحة للفوضى، خاصة وان اليأس سوف يتحول إلى واقع متفجر بشكل مجنون في أكثر من اتجاه. وبالتالي فإن مشكلة الاستكبار العالمي انه يتعامل مع الأنظمة التي صنعها لحماية مصالحه، ولا يتعامل مع الشعوب المستضعفة ليسمع صراخها وآلامها ويرى مشاكلها، الأمر الذي يؤدي إلى أكثر من عمل ارهابي، مع ملاحظة حيوية وهي ضرورة عدم الخلط بين حركات التحرر التي تنطلق للثورة على الاحتلال، وبين حركات الارهاب الخاضعة لاعتبارات خاصة. لا مبرر شرعاً للهجمات وحول الضحايا الذين سقطوا، ورأي الشرع الاسلامي في طريقة التفجيرات واستهدافاتها يقول فضل الله: ـ اننا نتألم لكل الضحايا الذين سقطوا من المدنيين الأبرياء، سواء في الطائرات المخطوفة، أو في مركز التجارة العالمي، ولكن علينا أن نكون حذرين أمام الخطط السياسية والأمنية والاقتصادية التي يخطط لها الاستكبار العالمي ـ وفي مقدمته أمريكا ـ لاختيار موقع هنا وهناك، من أجل استعادة عنفوانه والمحافظة على هيبته، بعيداً عما إذا كان هذا الموقع أو ذاك مسئولاً عن هذا الهجوم، لأن أمريكا ومعها الغرب تعمل على أن تستفيد من هذه القضية لتنفيذ أكثر من سياسة عدوانية ضد المستضعفين في العالم الثالث. وقد قمنا باصدار بيان رفضنا فيه مثل هذه الهجمات التي لا مبرر لها شرعاً وعقلاً، أياً كان الفاعل، ولكن السؤال هو، وبغض النظر عمن يقف وراء هذا الهجوم: هل ان أمريكا تدرس ما هي خلفيات هذه الأعمال، وما هو السبب في ذلك كله، لتعيد النظر في سياستها تجاه الشعوب المستضعفة ولاسيما الشعب الفلسطيني، مما أدى إلى كراهية شعوب العالم الثالث للسياسة الأمريكية التي تصادر سياستها واقتصادها وأمنها»؟ ثم يتساءل فضل الله: هل ان أمريكا جادة في الحرب على الارهاب؟ ويجيب نفسه بالقول: كيف نفسر ارهاب الكيان الصهيوني الذي يتحرك لإبادة شعب بكامله، بعد أن احتل أرضه ومنعه من تقرير مصيره، وهو يلاحقه في كل قراه ومدنه ومزارعه في عمليات قتل منظمة وبأحدث الأسلحة الأمريكية، في الوقت الذي تعلن فيه أمريكا بأن اسرائيل لم تبتعد عن الشروط الأمريكية في استخدامها للأسلحة الأمريكية ضد الفلسطينيين؟! ويخلص فضل الله من هذه النقطة بالتوقف عند بعض المؤشرات الاسرائيلية فيقول: علينا ألا نغفل الاستغلال الاسرائيلي لانشغال العالم بالحدث الأمريكي للهجوم على الشعب الفلسطيني بشكل وحشي وبأسلوب الابادة الانسانية لايقاف الانتفاضة، ولذلك فإن على الشعوب العربية والاسلامية أن تبقى في واجهة الأحداث الفلسطينية، في البقاء مع الانتفاضة، للضغط على الأنظمة العربية والاسلامية، لئلا تسقط تحت تأثير الضغوط عليها لايقاف الانتفاضة. ويلفت فضل الله أخيراً إلى بعض الأمور، ويحذر من أخرى فيقول: ان على اللبنانيين جميعهم أن يحدّقوا بالحدود مع فلسطين، لمراقبة التحركات الاسرائيلية التي تريد بالبلد شراً، وأن ينفتحوا على الواقع الداخلي من أجل تجميد كل الخلافات الجانبية، والكلمات الاستهلاكية، حتى تمنع كل الذين يريدون اشعال الحريق السياسي والطائفي، في أي موقع من مواقع الفتنة. كما ان علينا أن نعرف ان هناك أكثر من حريق يمكن أن يحدث ـ على مستوى الاحتمال ـ في أكثر من موقع في المنطقة من خلال الحريق الأمريكي، فنحافظ على بلدنا، فلا نكون الحطب لتلك النار، ان المرحلة المقبلة تحفل بالكثير من التطورات الأمنية، والتحالفات السياسية، من خلال دول الاستكبار العالمي التي سوف تضغط على الدول الصغيرة للانضمام اليها وعلينا أن نعرف مواطن أقدامنا في الأرض السياسية الجديدة التي تستغل شعار «الحرب على الارهاب» للحرب على الشعوب المستضعفة والعالم الثالث». كنعان وجانب الحق ويدعو رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا الشيخ محمد كنعان جميع دول العالم للوقوف إلى جانب المسلمين والعرب، أي إلى جانب الحق. ويطالب الولايات المتحدة بالقيام بمراجعة سياستها في العالم، وخصوصاً تجاه العالم الاسلامي والعربي، وقضاياهما بحيث تكون مواقفها عادلة ومدافعة عن حقوق الشعوب ومصالحها الحقيقية. ويؤكد الشيخ كنعان ان هذا الموقف هو وحده الكفيل بإنهاء حالة العداوة الموجهة ضدها. مستغربا التصرفات والتصريحات العنصرية المعادية للعرب والمسلمين التي تجري في الولايات المتحدة والعديد من دول العالم، ومحذراً من أن لا مصلحة لهذه الدول في استعداء العالم الاسلامي ومواجهته، لأنه على كل حال عالم يشكل ربع سكان الأرض. ويرى كنعان ان أولى مهمات الدول الكبرى هي الدفاع عن الحق ومنع العدوان، والأمة الأسلامية والعربية وهي أمة معتدى عليها من قبل اليهود وأعوانهم، وعلى جميع دول العالم أن تقف الى جانب الحق وتتمسك به. الجوزو: أصابع أوروبية مشبوهة من جهته يستغرب مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو كيف ان أمريكا لم تحتج مرة واحدة على قتل الأبرياء في فلسطين، ولم يرتفع صوتها ضد ما يحدث من تدمير للبيوت وتشريد النساء والأطفال، بل حاولت أن تدافع عن الظلم المستمر منذ بداية القرن الماضي حتى الآن، وحمت العصابات الصهيونية، ورعتها حتى استطاعت احتلال كل فلسطين. ويقول: هناك دعوات انطلقت في صدور الأمهات والثكالى والأطفال المشردين وأصحاب الحق في الحرية والعيش الكريم، وارتفعت الى السماء، لأن الله عز وجل لا يحب الظلم ولا يرضى به، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام. ويردف الشيخ الجوزو قائلا: اننا لا نشك في أن ما حصل ليس من صنع عربي أو مسلم، لأن الإسلام يمنعنا من ممارسة هذا العمل، وينهانا عنه، ولا يشك ان في العالم أعداء كثر لأمريكا، وأول الأعداء هي أوروبا الغربية والشرقية، لأن كلاهما متضرر من التسلط الأمريكي على الاقتصاد في العالم، ولذلك فإن التخطيط للعمل هو تخطيط أوروبي مئة بالمئة، ولكن الحقد الغربي على العرب والمسلمين والمصنوع من سيطرة الصهيونية على العقل الغربي، هو الذي دفع، ويدفع الغرب الى اتهام العرب والمسلمين من دون أي دليل أو برهان. الميس: ارهاب دولي منظم ويشارك مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس ما يقوله الجوزو، وذلك بقوله: ان الارهاب الذي ضرب الولايات المتحدة هو نتيجة الارهاب الدولي المنظم الذي تقوده الادارة الأمريكية على مستوى العالم كله، مما جعل لأمريكا أعداء كثر سواء في الولايات المتحدة نفسها أو في أوروبا الشرقية والغربية، أو في افريقيا، أو في منطقة الشرق الأوسط، حيث لم يسلم أحد في العالم من شر الارهاب الأمريكي، سواء على الصعيد العسكري أو الصعيدين السياسي والاقتصادي. ويردف المفتي الميس قائلا: أياً يكن الذي نفذ الهجمات على مراكز القوة الأمريكية في عقر دارها، فإن الاسلام يدين العنف وقتل الأبرياء، ولعله من المعلوم ان العنف يولّد عنفاً، والارهاب ارهاباً وأعمالاً انتقامية، كما ان أي ظلم لا يمكن أن يولّد إلا الانفجار. وبالمناسبة فإننا نذكر العالم أجمع بالظلم اللاحق بالفلسطينيين الأبرياء من جراء الارهاب الصيهوني الظالم الذي يفتك بالأبرياء العزل بسلاح أمريكي متطور ومدمر، والارهابي في فلسطين معروف، ويكشف عن وجهه بوقاحة، وبدعم أمريكي سافر، بينما الارهاب الذي هز الولايات المتحدة غير معروف الوجه أو الهوية، فالألم الذي لحق بأمريكا خلال ساعات قليلة، هو ألم دائم ومستمر ويومي يعيشه الشعب الفلسطيني، نساء وأطفالاً، في تدمير بيوتهم واقتلاع مزروعاتهم، وقتل الآباء والأزواج والشباب، وتعميم الفقر والاعاقة والجهل على شعب كامل ليس له ذنب إلا انه صاحب أرض وصاحب قضية عادلة. قبلان: هل تنجح الصدمة؟ * أما المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبدالأمير قبلان فيقول من جهته أخيراً حول الأطر نفسها: ان ما تعرض له الأمريكيون من هجمات واعتداءات مرفوض من قبلنا، ونعتبره موجهاً ضد القيم والتقاليد الانسانية، ولا يمكن لأي دين أن يقره أو يعترف به أو يغتبط له في أي مكان أو زمان، وعلى المسئولين الأمريكيين أن يبحثوا بجدية عن مرتكبي الحادث الأليم، الذي تعرضت له مدينتا واشنطن ونيويورك وانزال العقوبات بهم، وليس توجيه الاتهامات جزافاً واطلاق التهديدات ضد الشعوب التواقة إلى الحرية والعيش بكرامة، والتي تعاني أساساً من الظلم والارهاب والهيمنة. ويرى قبلان ان ما تعرضت له الولايات المتحدة يجب أن يشكل لها صدمة تعيد بها مواقفها، وتعتمد التوازن في سياستها الخارجية، وبخاصة في ما يتعلق بالمنطقة العربية، وتوقف دعمها اللا محدود إلى اسرائيل التي تهدد بسياستها وعدوانها المتمادي كل توجه إلى السلام العادل والشامل والدائم، وتقف الى جانب أصحاب الحقوق، وتقلع عن سياسة السيطرة والهيمنة التي تتبعها، والمطلوب أن تساهم الولايات المتحدة في اعطاء المؤسسات الدولية الرسمية والأهلية دورها المنوط بها في ايجاد حلول للمشكلات والقضايا الملتهبة على مستوى العالم، وتحديداً في المنطقة العربية التي تعاني من الانحياز الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني، الذي يستفيد من تعرض الأمريكيين للهجمات والاعداءات ليوظف مواقفهم واعلامهم للتحريض على العرب والمسلمين في محاولة لتأليب الدول والرأي العام عليهم من خلال توجيه التهم اليهم، وتحميلهم مسئولية هذه الاعتداءات. ويطالب الادارة الأمريكية بأن توقف انجرارها وراء السياسة الاسرائيلية العنصرية والمعادية للسلام العادل، ولحقوق الانسان في أي مكان من العالم، كما يطالبها بكبح جماح الجماعات العنصرية في ولاياتها، وعدم التعرض للجاليات العربية والاسلامية التي دانت التفجيرات واستنكرتها، وحماية مصالحها ووجودها وأماكن عبادتها، لأن السكوت على ما يحدث ينذر بعواقب خطيرة لا يعرف أحد مداها ونتائجها. كما ان العرب والمسلمين مطالبون بتوحيد مواقفهم مهما اشتدت الحملات والتحديات والضغوط عليهم، لأن ما يحصل يجب أن يقوّي من عزيمتهم وارادتهم من أجل الدفاع عن حقوقهم ومواجهة الحملات الاعلامية الصهيونية التي تستهدف اضعافهم، ودفعهم الى الارتماء في أحضان المشروع الصهيوني، والخضوع أكثر لسياسة الهيمنة والسيطرة الأمريكية ـ الاسرائيلية بحجة انهم المذنبون والمسئولون عما حصل. بيروت ـ وليد زهر الدين: