يبدو أن مستقبل الأفغان العرب قد اصبح وراءهم للأبد! إذ أن كل السيناريوهات التي يمكن رسمها لمستقبلهم تراجيدية تماما، وإذا كانت تنطلق من فرضيات مختلفة، فإنها تلتقي في النهاية عند نقطة تقود الى طريق أحادي الاتجاه يفضي الى الموت! فلم يعد بانتظار الأفغان العرب إلا 5 سيناريوهات، أكثرها تفاؤلا قاتم، وتتحدد هذه السيناريوهات فيما يلي: التصفية، الهروب ، الاستمرار، الصفقة والمحاكمة. وقبل الدخول في محاولة لقراءة سريعة لهذه السيناريوهات، تجدر الاشارة الى أن مصير الأفغان العرب بدأ يبرز باعتباره مشكلة تحتاج الى حلول، عقب رحيل القوات السوفييتية من أفغانستان عام 1989، خاصة بعد أن استيقظوا ـ أي الأفغان العرب ـ على وضعهم بين مطرقة الجمعية الاسلامية بزعامة رباني، وسندان الحزب الاسلامي بزعامة حكمتيار، أي أن العمر الحقيقي للمشكلة نحو اثني عشر عاما، ولم يحلها عودة البعض الى وطنه الأصلي، خاصة أن تلك العودة اقترنت بتصاعد النشاط الارهابي في عدد من الأقطار العربية، أو تركز بعضهم في بيشاور بباكستان، أو الانتقال الى ساحة ثانية للجهاد ـ في البلقان مثلا ـ أو الاندماج في هرمية تنظيم القاعدة، إلا أن التطورات الأخيرة في أفغانستان وضعت مصير عناصر الأفغان العرب على المحك من جديد وبقوة. وأصبح التساؤل عن كيفية الخروج الثاني للأفغان العرب هو سؤال الساعة، من ثم فإن الأمر أصبح بحاجة الى أكثر من مجرد استخدام أدوات تحليل تجزم بأن نهايتهم باتت وشيكة، لأن الواقع يؤكد أنه مع التسليم ـ جدلا ـ بذلك، فإن المسألة أكثر تعقيدا، بحيث لا يمكن القول ان كل الأفغان العرب يسيرون - حتما - نفس الخطوات، لكن مع اختلاف الخطوة هنا أو هناك، فإن كل السبل تقود الى مصير مظلم! التصفية سيناريو التصفية يعد أول السيناريوهات التي تم ـ بالفعل ـ رصد أثرها على أرض الواقع، سواء خلال عمليات القصف العنيف والمكثف التي تعرضت لها المدن الافغانية، أو باستهداف الأفغان العرب في أعمال ثأرية سافرة أدت الى مقتلهم، أو بتصفيتهم على يد عناصر من التحالف الشمالي، الذي رفض معاملتهم بذات المعاملة التي تمت بالنسبة لمعظم عناصر طالبان التي استسلمت، بل إن الجنرال دوستم قال انه يتم الفصل بين مقاتلي طالبان المحليين والأجانب ـ وفي المقدمة العرب بالطبع ـ والتعامل مع الأجانب على أنهم مرتزقة! في السياق ذاته، كشف مسئول بارز في التحالف الشمالي أن بعض قادة طالبان في شمال كابول بادروا الى الاجهاز على عدد من العناصر العربية التي كانت متمركزة في محيط قاعدة باجرام الجوية، مؤكدا على أن معظم هؤلاء كانوا ينتمون الى مصر واليمن! وربما كان أحد التفسيرات التي توضح ذلك ترجع الى الصراع الداخلي بين أعضاء طالبان ممن تختلف انتماءاتهم أو رؤيتهم، ودفع حساب هذا الاختلاف الأفغان العرب! الهروب رغم أن سيناريو الهروب ممكن، إلا أن فرص تحققه محدودة في ظل تضييق الحصار والخناق على فلول قوات طالبان وتنظيم القاعدة، وعناصر الأفغان العرب المحسوبة عليهم في الموقف الأصعب، إذ أنه بالنسبة للأفغان تكون فرصة الذوبان في التجمعات الأصلية التي ينتمون اليها أو الانتظام في التشكيلات الحزبية بديل ميسر، بينما تلعب البيئة وظروفها المحلية بلغاتها، وعاداتها وتقاليدها، الى درجة استحالة تفكيرهم في هذا البديل ـ أي الذوبان ـ قياسا على الأفغان الأصلاء. إزاء ذلك فإنه ليس أمام الأفغان العرب، إلا اللجوء للجبال والكهوف، كمحطة مؤقتة لتدبير فرصة للخروج من المستنقع الأفغاني، الى محطة قريبة كالشيشان أو كشمير، أو بعيدة كالفلبين أو الصومال مثلا، رغم أن رحلة من هذا النوع محفوفة بمخاطر تصل الى حد الهلاك المحقق! وفيما بين المحطة المؤقتة، والمحطة التالية، فإن عدد الناجين خلال عملية الهرب سوف تكون محدودة للغاية، لاسيما في ظل جدية التحالف الشمالي والقوات الأمريكية ـ البريطانية في اغلاق كافة المنافذ المحتملة للهروب، وتنشيط عملية جمع المعلومات، من ثم فإن سيناريو الهروب يتساوى ـ أو يكاد ـ عمليا مع النتيجة النهائية لسيناريو التصفية، وربما يكون الفارق الأساسي متعلقا ـ فقط ـ ببضعة أيام أو أسابيع تضاف الى أعمار الذين يحاولون خوض مغامرة الهرب! الاستمرار السيناريو الثالث يرتبط بالمدى الذي يمكن لطالبان أن تصل اليه في تنفيذ تهديدها بشن حرب عصابات على التحالف الشمالي، والقوات الأجنبية التي تدعمه، أو اندلاع حرب أهلية ـ ظهرت بعض نذرها ـ بين الفرقاء المتصارعين على الساحة الأفغانية، مما يعني أن عناصر الأفغان العرب سوف تكون مكونا رئيسيا في وقود حرب العصابات أو الحرب الأهلية. ولن تتضح الصورة تماما إلا بعد حسم الأمر في قندهار نهائيا، من ناحية، ومن ناحية أخرى في عدم قدرة الفرقاء المتصارعين على التوصل الى حل سياسي على موائد المفاوضات، ومن الآن وحتى يتم التوصل الى صيغة حل سياسي على موائد المفاوضات، ومن الآن وحتى يتم التوصل الى صيغة حل يتوافر لها الحد المناسب من موافقة الأغلبية ـ مع توسيع قاعدتها ـ فإن التحفظ على عناصر الأفغان العرب في ملاذات آمنة بالداخل، في الجبال أو المناطق الشرقية التي يسيطر عليها قادة المجاهدين السابقين المعروفين بعلاقتهم الوطيدة مع الأفغان العرب. ووفق هذا السيناريو فإن احتمال التوصل الى تلك الملاذات الآمنة بالداخل، أو انقلاب المؤتمنين عليهم أمر قائم، ليكون مصيرهم ـ في النهاية ـ التصفية أو الأسر لا فرق! واذا ما قدر لهم بالفعل الاستمرار في مأمن للمشاركة في القتال المتوقع، فإن مصرعهم خلال المعارك يظل الأمر الأكثر احتمالا! أن تحقيق سيناريو الصفقة يرتبط الى حد بعيد بتوازن القوى الداخلي، من جهة، ومن جهة ثانية التعاطف من جانب التحالف الغربي بقيادة أمريكا مع طرح برهان الدين رباني زعيم تحالف الشمال ـ والذي تعده الأمم المتحدة الممثل الشرعي للدولة الأفغانية ـ وتعهده بعدم ايذاء الأفغان العرب، والتعامل معهم كأسرى، وتسليمهم للأمم المتحدة لتسلمهم بدورها الى دولها، إلا أن شروط اتمام صفقة على هذا النحو يتجاوز مجرد تعهد قطعه رباني على نفسه الى مشكلات أكثر تعقيدا، ويكفي للتدليل على صعوبة الأمر ما أقدمت عليه بعض فصائل التحالف الشمالي بقتل الأفغان العرب بمساعدة أمريكية ـ بريطانية، أو عدم رضا الولايات المتحدة عن اتمام سيناريو رباني إلا وفق رؤيتها. وتتضح المعالم الأساسية لتلك الرؤية في نموذج عودة 76 أفغانياً مغربياً حسب اتفاق بين الولايات المتحدة والمغرب، ثم اعلان مصادر مغربية أن واشنطن سوف تتبع هذا الاسلوب مع الدول التي تعتبرها صديقة، مما يميط اللثام عن ازدواجية المعايير الأمريكية ـ مرة أخرى ـ في حالة التعامل مع الأفغان العرب. من ثم يمكن تفسير مسارعة مصر الى توقيع اتفاق قضائي مع الولايات المتحدة، بأنه بمثابة حرص من القاهرة على توفير الغطاء القانوني الملائم لطلب تسليم الأفغان المصريين، وحتى يتم قطع الطريق على واشنطن برفض الطلب المصري لغياب الشرط القانوني لعقد مثل هذه الصفقة. المحاكمة أما السيناريو الأخير، أو المحاكمة، فإنه الأكثر تعقيدا، إذ أنه يفتح الباب أمام سيناريوهات فرعية: ـ فالمحاكمة يمكن أن تكون صورية في أفغانستان تصدر أحكاما بالاعدام على الأفغان العرب، فالتحالف الشمالي هدد بمحاكمة أي عناصر عربية اتهمت بالاساءة الى الشعب الأفغاني. ـ المحاكمة قد تكون أمام محاكم عسكرية أمريكية بعد أن أكد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي أن بلاده طلبت من التحالف الشمالي تسليمها العناصر التي أسرتها ـ وضمنهم الأفغان العرب ـ والمحاكم العسكرية الأمريكية المنشأة بالقانون الذي أصدره بوش مؤخرا، محاكم استثنائية، يتوقع المراقبون أن تكون أحكامها بالاعدام، أو السجن المؤبد في أحسن الأحوال! ـ أخيرا، فإن المحاكمة قد تتم في الدول الأصلية التي ينتمي اليها عناصر الأفغان، كما في حالة الأفغان المغاربة، وكما تمهد مصر باتفاقها القضائي مع الولايات المتحدة، إلا أن الأمر يتوقف على الادارة الأمريكية وتوازنات الداخل الأفغاني، والدور الذي يمكن أن تمارسه الأمم المتحدة. وتبقى الضمانات التي يجب أن تتوافر لسيناريو المحاكمة أيا كان مكانها وزمانها هي الأهم في سياق هذا السيناريو، ولاشك أن دور منظمة العفو الدولية، ومنظمات حقوق الانسان الدولية والوطنية يجب أن يكون فعالا للحد من التجاوزات المتوقعة، والتي تعود ـ عمليا ـ الى تصفية الأفغان العرب، أو قضاء بقية حياتهم في السجون. إن الاكتفاء باعلان القلق، أو الأسى على مصير الأسرى من الأفغان العرب أو المصير القاتم الذي ينتظرهم، كما فعلت بعض المنظمات الدولية ـ كالصليب الأحمر ـ أو على لسان بعض المسئولين العرب رفيعي المستوى فعل غير مناسب للتعاطي مع الموقف الذي يواجه الآلاف عبر كل سيناريوهات الموت بصورة أو بأخرى. وربما كان الدرس الذي قدمه الجنرال مشرف بالتحرك لانقاذ الأفغان الباكستانيين جدير بالاحتذاء، وكان المبدأ الأساسي الذي يحكم تحرك اسلام أباد أنه حتى ولو كان هؤلاء الباكستانيين قد دخلوا الأراضي الأفغانية للقتال الى جانب طالبان، دون موافقة السلطات في بلادهم، فإن حقهم كمواطنين يدفع النظام الباكستاني باتجاه الحفاظ على حقهم في الحياة، أو في محاكمة عادلة. لعل تحرك جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الاسلامي، الى جانب مبادرات السلطات الوطنية في الأقطار التي ينتمي اليها الأفغان العرب، يمكن أن يحقن الكثير من الدماء، وإذا كان حساب هؤلاء على أفعالهم يمثل جانب من الجزاء، فإن توفير ضمانات الحساب العادل أمام جهات قضائية يبقى مؤشراً له دلالته للرد على الكثير من المزاعم التي يروجها الاعلام الغربي بشأن آلية الأجهزة القضائية في الأقطار العربية والاسلامية. بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري