قصة الغرب مع الأفغان العرب هي قصة الغرب مع قيادات المسلمين منذ بدايتها مع فارق واحد أن الغرب كان عندما يستغفل المسلمين، يستغفلهم جميعا، أما في حالة الأفغان العرب فقد استغفلهم أيضا ضد أنفسهم. عندما وضع بونابارت أقدامه على أرض مصر أثناء الحملة البونابرتية الشهيرة أعلن أمام الملأ بأنهم المسلمون حقا وبذلك دخل مصر بأمان وفي الوقت الذي كانت فيه الحركة الوطنية تستقطب الجماهير الجزائرية في منتصف الثلاثينيات لصالح المطالبة بالاستقلال أرادت الحكومة الاستعمارية استمالة الحركة الإصلاحية الإسلامية بزعامة الشيخ عبد الحميد بن باديس معلنة أنها مع قانون للأحوال الشخصية يقبل بأن يصبح الجزائريون فرنسيين مسلمين وعندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية ضرب ثورة جمال عبد الناصر قالت للإخوان المسلمين آنذاك نحن مع المسلمين والروس يؤيدون عبد الناصر وهم شيوعيون وعندما كانت الحركة اليسارية تتقدم في إيران على حساب نظام الشاه رضا بهلوي بزعامة حزب تودة الموالي للاتحاد السوفييتي لم تتردد في تأييد المعارضة الدينية المصنفة العدو رقم واحد ضد الشيوعية وفي سنة 1985 عندما استقبل الرئيس الأمريكي رونالدريجان المجاهد الأفغاني عبد الحق أثناء الاحتفال بمقاومي إمبراطورية الشرآنذاك: أي الاتحاد السوفييتي: أعلن أمام الملأ قائلا: عبد الحق إننا معك! وفعلتها بنفس الطريقة مارجريت تاتشر التي في الوقت الذي كانت ترفض فيه استقبال ياسر عرفات المكافح من أجل قضيته الوطنية أو ممثلي حركة المؤتمرالإفريقي وتصفهم بممثلي الإرهاب كانت تستقبل في نفس المجاهد عبد الحق وأتباعه وتقول نفس ما كان يقوله بونابرت وريجان وكل ممثلي أجهزة المخابرات الغربية للمسلمين : أنتم المسلمون حقا ونحن معكم!! إنه نفس المنطق الغربي في التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين، منذ استعمارالجزائر وإلى اليوم يسعى إلى استمالة عواطف المسلمين من أجل تحقيق أهدافه ومصالحه الإستراتيجية ولا في العمل الدعائي الذي يخطف قلوب المسلمين مثلما فعل الكونجرس الأمريكي عند افتتاح إحدى جلساته بالقرآن الكريم. وإذا كان هذا المنطق قد نجح جزئيا في بعض البلاد الإسلامية فإنه لم ينجح في أي منها على الأمد البعيد. في الجزائر أنجبت حركة الإصلاح الوطني بزعامة الشيخ عبد الحميد بن باديس التي حاول الاستعمار استمالتها مع الشيوعيين في سنة 1936 أبرز القادة الذين فجروا ثورة نوفمبر الكبرى وعلى رأسهم الشهيد البطل العربي بن مهيدي و محمد بلوزداد ، و محمد بوراس والعشرات من القادة الذين تلقوا أولى تدريباتهم العسكرية ضمن الكشافة الإسلامية الجزائرية التي كانت ترعاها الحركة الإصلاحية. وفي مصر أنجبت حركة الإخوان المسلمين ألد أعداء الولايات المتحدة الأمريكية ، حركات الجهاد التي تربت في أحضانها ، وأكبر منظري هذه الحركات «سيد قطب» وكل أقطاب الحركة القطبية وفي إيران انقلبت القيادةالدينية رأسا على عقب على الأمريكيين ومخابراتهم ، وتجاه الغرب بشكل عام،وانتصرت الثورة الإسلامية في إيران التي كانت أمريكا تسعى إلى أن تكون ثورتها ضد الشيوعية وفي أفغانستان تكرر نفس السيناريو، تحولت حركة طالبان والمجاهدون الأفغان ضد أول من رعاها وسهر على وصولها إلى الحكم واحتضنت رسميا من اعتبرته الولايات المتحدة عدوها العالمي الأول أسامة بن لادن ، الذي تنسب له الضربات التي لم تتلق مثلها أية دولة في التاريخ يوم 11 من سبتمبر الماضي. وهي اليوم تخشى أن يتحول من اعتبرتهم جنود الحرية، ومحاربي الشر الأكبر بالأمس إلى العمل بنفس منطق أسلافهم ضدها، ولمَ لا تهددها في العمق بأساليب لم يسبق أن عرفتها من قبل.لذلك فقد أعلنت الحرب عليهم جميعا سميت ضد القاعدة، وأسامة بن لادن، والإرهاب الدولي، والدول المارقة أو حتى تلك المثيرة للقلق، و ضد العرب الأفغان أي حرب ينبغي ألا تتوقف حتى ينتهي آخر من صنعتهم بنفسها وكانت تعتقد أنهم سيبقون جندها. لعلها هذه هي خلفية الحرب المعلنة ضد العرب الأفغان، ولعل ما حدث في أفغانستان في المدة الأخيرة ضد هؤلاء يدخل ضمن هذا المنطق لقد تبنت أمريكا اليوم خيارا جديدا أنه عليها ألا تتعامل ثانية بالمنطق السابق مع المسلمين، ولكي ينجح هذا القرار ينبغي تصفية كل من له سابقة معها وبإمكانه أن يتصرف تبعا لمنطق أسلافه السابقين، فيستغلها كما استغلته ويتحول ضدها قبل أن تتحول ضده. و يبدو أن هذا التبدل إنما كان نتيجة الضربة الكبيرة التي تلقتها الولايات المتحدة في أكبر رموزها والانعكاسات الكبيرة التي أحدثتها وستحدثها على سمعتها ومكانتها في العالم كما أن هذا الموقف الشديد ضد كل ما يرمز إلى القاعدة أوأسامة بن لادن أو الإرهاب الدولي إنما يعمق هذا التفسير. فهل ستتوقف الولايات المتحدة عند هذا الحد ؟ وهل ستكتفي بالقضاء على الأفغان العرب طالبان و أسامة بن لادن أم أنها ستنتقل إلى أهداف أخرى؟ وما هي مسؤولية الدول العربية والمسلمين جميعا؟ وأي موقف ينبغي أن يتخذ؟ لعل كافة المسلمين اليوم يتذكرون أن من نسميهم اليوم بالعرب الأفغان كانوا ذات يوم يستقبلون بالأحضان في بلدانهم ويزورهم الناس بعد مقدمهم من ساحة الوغى،أحيانا يتبركون بإقدامهم وشجاعتهم، ولعلنا جميعا نعرف أنه لا يوجد بلد عربي أو إسلامي كان يرفض منع دخول قادم من الجهاد الأفغاني إلى بلده، ولا يمنع وصول مطبوعات الجهاد والمجاهدين، الجميع كان يبارك نشاط هؤلاء وحبهم للإسلام والتضحية من اجله ، لا أحد إلا القليل ربما هم الذين كانوا يقولون بأن الحرب ضد روسيا ليست جهادا في سبيل الله إنما هي حرب بالنيابة عن أمريكا للإطاحة بخصمها الأول الاتحاد السوفييتي، ولكن لا حياة لمن تنادي لم يكن بالإمكان في تلك الفترة لا تكذيب الشيخ الزنداني في اليمن ولا الشيخ محفوظ نحناح في الجزائر ولا غيرهم من شيوخ البلاد الإسلامية الذين كانوا يدعون جهارا وعلانية ويشجعون على الانتقال إلى نقطة الجهاد الأولى في العالم، الكل كان يبارك انتقال شباب لا يزيد في معظمه على العشرين إلى ساحة الوغى ويدعو له بالنصر أوبالشهادة. كانت هذه هي الصورة التي عاشها كل المسلمين آنذاك، وتدفقت جموع الشباب من كل بلد ذكرت بعض المصادر الغربية أن أحد الشيوخ أرسل وحده نحو 6000 شاب للجهاد،وأن شيوخا آخرين أرسلوا شبابا بالمئات من بلدان عربية متعددة وكانت حركة الذهاب والإياب دائمة من غير أن يتحدث أي كان إن على المستوى الرسمي أو على مستوى الدعاة عما بعد هذه الحركة حتى إذا انهزم السوفييت بدأت الأمورتأخذ منعرجا آخر. بدأ قادة الأفغان العرب يعودون، ولم يبق الأمر متعلقا بهواة الجهاد إنما بقادتهم: عاد إلى الجزائر مراد سيد أحمد المدعو جعفر الأفغاني، وكان يقود كتيبة مشاة ميكانيكية، ومعه مستشارون عسكريون كانوا في أفغانستان منهم قمر الدين خربان ، وعبد الله أنس ، وأحمد بونوة ، وقالت بعض المصادر الغربية ان من عاد منهم إلى الجزائر وحدها يقدر بما بين 1000 و1500 !! ويعرف الجميع ما حدث في الجزائر حيث لا توجد روسيا ولا توجد إسرائيل إنما جزائريون مسلمون، فانقلبوا ضد أبناء جلدتهم تحت ذرائع مختلفة ليس هنا مجال الخوض فيها،وكان أحد أبرز قادة التيار الإسلامي الشيخ بوسليماني زعيم حركة الإرشاد والإصلاح أول الضحايا البارزين لجعفر الأفغاني ويعرف الجميع أيضا أن الشعب الجزائري دفع ومازال إلى اليوم أزيد من 100 ألف قتيل، دون أن تحرك أمريكا ساكنا ولا أن تتحدث عن إرهاب أو عن عرب أفغان!! ومثل الجزائر وبدرجات أخف عاد عرب أفغان إلى مصر، ولم تدنهم الولايات المتحدة الأمريكية، وعادوا إلى الأردن و أسس محمد نزال جيش محمد ، ولو لم تكن إسرائيل في المنطقة وحلفائها لما تمت إدانته وتوجهوا إلى الكشمير وقتل منهم الهند ما لا يقل عن 50، وإلى البوسنة وتم القضاء على معظمهم في حصار سراييفو دون أسف أحد وإلى اليمن ودخلوا في صراع مباشر مع الحكومة وانتهوا إلى التمزق سنة1994. وفي كل البلاد العربية كانت لهم قصة، إلا أنها ليست بدموية ما حدث في الجزائر!! وكأن الأمر فيه تدبير وسبق تخطيط لم يبد واضحا إلا اليوم بالنسبة للكثير ممن ساروا في فلك الإستراتيجية الأمريكية. وكان هناك بلد آمن يستقبلهم لا يجد القادة فيه أي حرج: هو الولايات المتحدة الأمريكية نفسها! ولو لم يحدث ما حدث يوم 11 سبتمبر لما علم أحد بهم ولما تحدثت وسائل الإعلام الأمريكية عن كون منطقة نيويورك ـ نيوجرسي وحدها تضم 200 من العرب الأفغان، تم اعتقالهم بعد الذي حدث ولعل المحاكم العسكرية الخاصة التي أنشئت بأمر رئاسي هي خاصة بهم حيث كما ألقي القبض عليهم في سرية تامة، ستجري محاكمتهم في سرية ولعلهم سيعدمون في سرية تامة إن لم يكونوا قد أعدموا. وهكذا يكشف المنطق الغربي مرة أخرى أن الإسلام بالنسبة له مطية، وسيبقى كذلك،ومعه تنكشف أيضا قيادات المسلمين الفكرية، وقياداتهم السياسية، بأنها هي الأخرى كانت مخدوعة، و بأنها لأول مرة في تاريخنا الحديث تكتشف ذلك بعد فوات الأوان. لقد كان الأوائل أكثر حنكة وذكاء بقلم: د. محمد سليم قلاله ـ أستاذ بكلية العلوم السياسية ـ جامعة الجزائر