خلط اوراق المصالح السياسية الاقليمية والدولية. قيود السياسة العربية على التيارات الاسلامية في بلادها الاصلية.. تردي الاوضاع الاقتصادية وزيادة البطالة، كانت ولا تزال مفاتيح ابواب هروب آلاف الشباب العربي من اوطانهم، فهم مزيج من فرق جمعت شرور التطرف واصحاب العقائد المجاهدين في سلة احدة، اصبح معها من الصعب فرز هؤلاء من هؤلاء، ولقد انتج هذا الواقع وقوع الافغان العرب في مصيدة، الخروج منها اصبح من المستحيل، فالمصير بالنسبة لهم مظلم للغاية، ووجودهم الان موزعين في انفاق مسدودة، وبعضهم مازال يحمل السلاح، لم يعد جهاداً او دفاعاً عن حركة طالبان التي سقطت، بل دفاعاً عن النفس هو هروب من موت الى موت. حول الافغان العرب التقى «الملف السياسي» في هولندا الدكتور «ميرل دروب» خبير الشئون الافغانية في حوار نستطلع فيه بعضاً من جوانب المصير الشائك وملابساته: تالياً نص الحوار: ـ اسباب حدوث مذبحة قلعة جهانجي مشوهة حتى اليوم، فلا توجد معلومات محل ثقة، او تقارير ذات مصداقية تكشف الحقائق.. هل لديكم خلفيات عن عملية قتل الاسرى؟ ـ لقد تباينت روايات اسباب مذبحة قلعة «جهانجي» التي تقع بالقرب من مزار الشريف، بين مقولة فحواها ان محاصرة اسئلة الصحفيين للاسرى هي التي فجرت غضبهم، واصطدموا بحراسهم الافغان من تحالف الشمال، واخرى اشارت الى ان دخول اعداد من المحققين الامريكيين لسجن القلعة، واكتشاف الاسرى انهم من جهازي الاستخبارات الامريكية «سي آي ايه» والبنتاجون، حيث مارس هؤلاء التحقيقات بتوجيه اسئلة استفزازية، دارت معظمها عن تشكيل تنظيم القاعدة داخل وخارج افغانستان، اضافة لممارسة بعضهم ضغوطاً نفسية على الاسرى، بغية معرفة المكان الذي يختبئ فيه «اسامة بن لادن»، وثالثة روجت لمقولة ان بعض الاسرى تمكنوا من تسريب اسلحة معهم داخل القلعة اعتدوا على جنود الحراسة في محاولة فاشلة للهروب خارج القلعة، اما الرواية الاخيرة فتقول ان المذبحة حدثت بعد ان حاول بعض السجناء الاستيلاء على اسلحة الحراس. ـ هل تستند الروايات الاربع التي ذكرتها ووصفتها بالتباين على اسس حقيقية؟ ام هي في اطار التكهنات التي قد تحمل بعضها او ربما كلها اهدافاً سياسية معينة؟ ـ اياً كانت مصداقية الاسباب المذكورة من عدمها، وبغض النظر عن الثقة في مصادرها، فكل المعطيات اكدت حدوث مذبحة بدم بارد لسجناء، وحتى لو صدقنا بالفعل ان عدداً من السجناء قاموا بعملية تمرد، فإن المسئولية القانونية تقع على حراس السجن، الذي يوجد فيه اسرى حركة طالبان، وقد قتل منهم المئات، ولو كان الامر اقتصر على قتل اعداد قليلة، لكانت مصداقية التمرد محلاً للتفكير، او قد تكون قريبة للحقيقة، وهذا على سبيل الافتراض فقط، الا ان تدخل الطائرات الحربية الامريكية والبريطانية، وضرب الاسرى من الجو، يؤكد وجود تنسيق بين القوات الجوية وقوات تحالف الشمال، وهنا توجد شبهة عملية «القتل الجماعي» لاسرى حرب عزل، وهي جريمة حرب تتنافى مع قوانين الحرب، ويعاقب عليها القانون الدولي، خاصة وان عملية الضرب والحرب من طرف واحد، وتأكيد شهود عيان من الصليب الاحمر ومنظمات حقوق الانسان، ان اعداداً من القتلى كانوا مكبلين الايدي والاقدام. ـ لقد كانت مذبحة قلعة «جهانجي» مؤشراً لمصير الافغان العرب في افغانستان.. هل تعتقد تكرار مثل هذه العمليات ضدهم؟ ام انهم ينتظرون مصيراً آخر؟ ـ مذبحة قلعة جهانجي اكدت ان الافغان العرب في مصائد ثلاث فالتحالف الشمالي الافغاني من ناحية بدأ عمليات الانتقام منهم، بسبب وقوفهم الى جانب حركة طالبان في المعركة منذ سنوات، اضافة الى اعتبارهم اجانب تدخلوا في الشئون الداخلية لافغانستان، اما القوات الامريكية فلها مصلحة قومية، وهدف تعمل حكومة واشنطن على تحقيقه امام الشعب الامريكي، لاثبات وقوع اعداد كبيرة من الضحايا داخل اعضاء شبكة القاعدة وانصارهم «خاصة العرب»، الذين هم حتى الان في نظر الشعب الامريكي مرتكبو احداث الهجوم في 11 سبتمبر، والبيت الابيض يريد استرداد جزء من كرامته وعمل نوع من المعادلة السياسية، اما المصيدة الثالثة فهي ان بعض الانظمة العربية، وبعض حكوماتها ترى في القضاء على الافغان العرب في افغانستان، فرصة ذهبية سياسية للتخلص منهم عن بعد، سواء تم ذلك بمعرفة تحالف الشمال، او على ايدي القوات الامريكية والبريطانية. ـ لماذا تريد بعض الانظمة العربية «على حد قولك» التخلص من الافغان العرب؟ ـ عودة الافغان العرب لبلادهم ـ على سبيل المثال ـ تشكل تهديداً للدول العربية، التي تعتبرهم من المتطرفين، ولهم انصار في الداخل، لذلك فالقضاء عليهم في افغانستان، هو حل سياسي افرزته المتغيرات التي حدثت بعد 11 سبتمبر، ولقد اتضح هذا الامر مؤخراً، حيث رأينا ان الحكومات العربية قد التزمت الصمت منذ وقوع مذبحة قلعة «جهانجي»، وهذا التهاون يتضمن ايضاً مجاملة سياسية لامريكا والغرب، خاصة وان مرتكبي المذبحة ليست الانظمة العربية، وهو سبب اخر يقلل من مسئوليتهم امام شعوبهم، اضافة لاعتبار هؤلاء عبرة لامثالهم في الدول العربية، التي تعاني من وجود تيارات اسلامية قوية بداخلها. الامر الثاني هو ان معظم وسائل الاعلام العربي قد اكتفت بنقل اخبار المذبحة، وبعضها يصفهم بالارهابيين، وبعض السلطات الامنية في دول عربية تعتقل كل من يثبت تدريبه او وجود علاقة له بحركة طالبان الافغانية، وذلك دون محاكمة او وجود جريمة واضحة، ومعرفة العرب الافغان بهذه الحقائق، وان ليس امامهم خيارات اخرى، تجعلهم يقاتلون دون الخوف من الموت، حتى هذه اللحظة في قندهار، وهذا يوضح ايضاً المفارقات المدهشة، فاعضاء حركة طالبان يستسلمون اسرع من العرب الافغان. ـ ما هي جذور واسباب مشاركة الافغان العرب لحركة طالبان؟ ـ استطيع تلخيص ذلك في الآتي: 1- الواقع السياسي للدول العربية يؤكد تحجيم ومحاربة دور التيارات الاسلامية في غالبية هذه الدول، وهو الامر الذي افرز ومازال ينتج انواعا مختلفة للتطرف، فغياب التمثيل السياسي لمختلف فئات الشعوب، في ظل نظم ديمقراطية مأمونة، ومكفولة حمايتها بشرعية دستورية، يؤدي لكثير من انواع التطرف سواء للاسلاميين او اصحاب المبادئ السياسية الاخرى، لدينا في اوروبا كثير من الاحزاب السياسية المسيحية، وتوجد بداخلها اجنحة يمينية تصل لحد التطرف في قضايا كثيرة، لكن الديمقراطية الاوروبية تمتص كل ذلك، لذلك لا نسمع عن فرد او جماعة مسيحية هربت من هولندا مثلا او بلجيكا، للتعبير عن الرأي او الحرب الى جانب حركة او دولة اخرى، ونؤكد في هذا الاطار انه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تكاد اوروبا لا تعرف وجود جماعات سياسية او دينية تعمل تحت الارض. 2- تردي الاوضاع الاقتصادية في الدول الاصلية للعرب الافغان، وانتشار البطالة يلعبان ايضاً دوراً لا يستهان به، في عملية الهروب من واقع اقتصادي يفتقر لتوفير مستقبل آمن، لحياة طبيعية لشباب في اخطر مراحل اعمارهم. 3- واخيراً الناحية العقائدية ايماناً من نسبة منهم بضرورة ووجوب الجهاد لاقامة الدولة الاسلامية، وتعود دوافع وجذور هذه المجموعات العقائدية الى زمن حرب الافغان ضد القوات السوفييتية، حيث كانت هناك مباركة وتأييد من الغرب بقيادة امريكا، رغبة في هزيمة السوفييت والعرب الافغان المسلمين رغبة في محاربة الشيوعية والكفر. ـ هل كان الافغان العرب ادوات استخدمها الغرب والدول العربية، لتحقيق اهداف سياسية؟ ـ بالفعل، ولو اقتضت الضرورة لن تغير السياسة لعبتها، فقط تتغير الاساليب حسب الظروف، في ذات الوقت توجد مؤشرات لوجود خطط سياسية جديدة في عدد من الدول العربية، لفتح قنوات ومتنفس جديد للتيارات الاسلامية، وذلك لتطويق ظاهرة التطرف، لكن لم تتضح معالمها بعد، واتصور انها لن تتضح الا بعد انتهاء جراح سبتمبر الامريكية. ـ هل يمكن تلاشي حدوث هذه الظاهرة مستقبلاً؟ ـ لست متفائلاً كثيراً.. هناك شروط لابد من توافرها، بعضها اقليمي واخرى دولية، فمن الضروري جداً ان تبادر الدول العربية والاسلامية بافساح مجالات التعبير عن الرأي بحرية لكل القوى في بلادها، حتى تأمن شرور التطرف والعمل تحت الارض، وان تسعى جاهدة لاقامة مشروعات اقتصادية صغيرة ومتوسطة تستوعب الشباب وتوفر لهم فرص عمل، كما ان المؤسسات الدولية الاقتصادية، والعالم الغربي ايضاً عليه دور يجب الا نغفله، فقد حان الوقت، بل يكاد يكون قد فات معظمه لتضييق الهوة بين الفقراء والاغنياء في العالم، وان تتوجه المساعدات الانمائية ليس مباشرة للدول، بل لمشروعات تستخدم طاقات الشباب، هذا اضافة لامر مهم جداً وهو وجود قوانين دولية تمنع مشاركة الجماعات لحركات سياسية او عسكرية في بلاد اخرى غير بلادها. اجرى الحوار في لاهاي: د. سعيد السبكي