لقد تأكد منذ الوهلة الأولى ان مصالح الحكومات الأوروبية.. خوفها من ـ امريكا ـ اكبر اصدقائها في الغرب.. وشعورها بعقدة الذنب من ايوائها لخلايا إرهابية.. كانت هي المحاور الثلاثة التي ارتكزت عليها قوة الدفع في تحريك قوات عسكرية متنوعة لضرب حكومة طالبان، والقضاء على ما سمى بشبكة الإرهاب هناك في افغانستان، ذلك الهدف الذي وجد علانية قبول ورضاء المؤسسات السياسية الرسمية، لكن هل هذه هي كل الحقيقة؟... وهل كان من الممكن حدوث ذات السيناريو الدائر الآن، فيما لو اعلنت واشنطن وأجهزتها الأمنية، ان شخصاً آخر غير اسامة ابن لادن هو المتهم، وان حكومة دولة اخرى غير طالبان ضالعة في تدبير جريمة، لا توجد ادلة معلنة حتى الآن تدين فاعلها او فاعليها؟.. والسؤال الاكبر هو: هل ستنتهي الحرب بعد ان تسلمت قوات تحالف الشمال الافغانية خيوط اللعبة السياسية؟ بدون شك يتضح من الشكل العام للتحالف الأوروبي «داخل عباءة ما اطلق عليه بالتحالف الدولي» اضافة لدول اخرى غير اوروبية، بجانب قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، انه تحالف مؤثر يبشر بفعالية تحقق أهدافاً مؤقتة فقط، قد تكون بالفعل القضاء على بعض الإرهاب، الا ان الذكرى الشهرية الثانية للعملية الإرهابية، باختراق طائرات مبان امريكية في واشنطن ونيويورك، كانت محطة ودعوة للتفتيش والبحث في ثنايا ملف ساخن، كشفت ان الدعم العسكري الأوروبي يتناقض مع هدف مكافحة الإرهاب، وان ارسال الفرقاطات البحرية مهزلة، وتؤكد ثمة نوايا وأهداف اخرى غير المعلنة، كما ان الأمر يدخل في اطار الممتنع السهل وليس العكس، فلا القضاء على الإرهاب في حاجة لكل هذه القوات العسكرية.. الجوية.. البحرية.. المشاه الارضي والميكانيكي.. الكوماندوز.. وهذه النتيجة يستطيع ان يصل اليها الفرد العادي قبل الخبير المتخصص في الشئون العسكرية والسياسية. تؤكد مصادر المعلومات القريبة من مطبخ السياسة الأمريكية في واشنطن، التي تدعمها غرفة العمليات العسكرية المركزية في Tampa بفلوريدا، ان حكومة الرئيس الجمهوري «جورج دبليو بوش» كانت ترغب في الانتقام بمفردها، دون اللجوء لدول اخرى، الا ان تعقيدات في المناخ السياسي الدولي حالت دون تنفيذ رغبتها، لذلك فقط طلبت المساعدات التي لا تحتاجها..؟ سواء كانت على سبيل الدعم العسكري الرمزي تأكيداً للمواقف السياسية، أو خشية اراقة ماء وجهها وحدها في الصحراء الافغانية، وفي اللحظات الاخيرة تنبهت إدارة واشنطن إلى ضرورة بقاء عصا القيادة في يدها وحدها، خوفاً من انعكاس دعم القوات الأوروبية للشراكة في قيادة العالم، وسقوط اسطورة القطب الواحد من يد امريكا، وتتوزع كعكة التصرف في دول العالم مرة أخرى، وهو الهاجس من عودة وضع اشبه بعصر الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ابان فترة الاتحاد السوفييتي السابق وحلفه العسكري «وارسو»، وتنشيء قوى جديدة بأسلوب عصري. لذلك وأسباب اخرى آثرت حكومة واشنطن، بدعم من رأي جماعي لخبراء وجنرالات في البنتاجون «وزارة الدفاع الامريكية»، ان لا تشارك طائرات حربية اف 16 من خارج امريكا في الضربات الجوية، وذلك بعد ان استشعرت امريكا خطر المطالب الفرنسية في مشاركة حكومة باريس في القيادة، بارسال جنرالات فرنسيين لغرفة العمليات في Tampa بفلوريدا، في ذات الوقت بدأت المعادلة التي ارادتها امريكا تنهار تدريجيا، وتتآكل حساباتها الاستراتيجية نسبياً، حيث ان الواقع الآن من خلال رصد التطورات يوضح الآتي: نموذج هولندا لشريك بلا مطالب علنية جلس «فيم كوك» رئيس وزراء هولندا، وبجانبه «دي خراف» وزير دفاعه، في وضع تفاخر كلاهما بموقف المملكة الهولندية من التحالف العسكري، حيث اعلن «كوك» تقديم: ـ 4 طائرات استطلاع p3c Orion ـ 3 فرقاطات بحرية ـ عدد 2 غواصة باحثة عن الالغام ـ 1 غواصة عسكرية ـ 6 طائرات تصوير ـ اف 16 «امريكية الصنع» ـ عدد 1 ناقلة مون تانكر Kdc - 10 ـ طائرة نقل Hercules C-130 واختتم التقرير القائمة الهولندية بذكر سلسلة من الاسئلة جاءت فيها: هل تقع افغانستان على شاطيء البحر؟ وهل البحرية الامريكية الموجودة في البحر العربي في حاجة لدعم الفرقاطات البحرية الهولندية ضد البحرية في حكومة طالبان؟ وهل تملك طالبان قوات بحرية؟ وهل ستذهب هولندا لمراقبة الحظر على طالبان في قندهار وكابول؟ وهل وضعت طالبان الغاماً في بحر العرب، ومطلوب من الغواصات الهولندية البحث عنها؟. اثناء حرب كوسوفو عام 1999 كانت الغواصات الهولندية المشاركة في تحالف القوات الدولية تقوم بمهام التنصت، لتأمين اداء القوات العسكرية الارضية وحمايتها من هجوم القوات الصربية عليها، وكان هذا العمل هو وقائي بالدرجة الأولى، اما في الحرب على افغانستان فعلي من ستتنصت الغواصات الهولندية؟ على اسامة ابن لادن؟! ام ستضع هولندا قواتها على شاطيء باكستان؟ من المؤكد ان حكومة واشنطن السياسية، والقيادة العسكرية الأمريكية، قد سمحتا لمشاركة القوات الهولندية «لهدف محدد» لم تتضح معالمه الاستراتيجية بعد.. يقول خبراء الحوار حولها، ان قوات هولندا لا تصلح للقضاء على شبكة ابن لادن، فوجودها لا يضر، فرقاطة بحرية أكثر أو أقل في بحر العرب لا يؤثر، لكن أمريكا تريد هذه المشاركة الفعلية، حتى وان كانت بدون فعالية حقيقية في ميدان الحرب. أهداف امريكية لقد احاط الرئيس الأمريكي «جورج دبليو بوش» نفسه ـ غير رسميا ـ مؤخراً بمجموعة من خبراء العمل الدبلوماسي، كمستشارين في السياسة الخارجية، تلك التي اهملت لسنوات طويلة، انطلاقاً من خوض استراتيجية جديدة للولايات المتحدة الأمريكية في العالم، تعتمد عناصر اساسية: 1 ـ بقاء القوة العسكرية قائمة وتطويرها باستمرار لحسم القضايا التي تخفق فيها السياسة. 2 ـ زيادة المساعدات المالية والعينية للدول الفقيرة، خاصة تلك التي يوجد بها رأي عام مؤثر، ووسائل اعلام ذات فعالية. 3 ـ اعادة النظر في توازن السياسة الخارجية تجاه الدول التي توجد بها اصولية دينية، أو لديها مناخ يتمتع بخصوبة لنمو اصولية روحية، قد تدفع لأي نوع من التطرف يؤدي لعداء امريكا، وبصفة خاصة منطقة الشرق الأوسط. 4 ـ عودة تنشيط دور الأجهزة الأمنية في الخارج واهمها استخبارات الـ سي آي إيه. 5 ـ اشراك الدول في المبادرات العسكرية الأمريكية. وفي هذا المجال تهدف أمريكا من وراء مشاركة هولندا أو غيرها لجانبها في الحرب، ضمان وقوف جبهة الرأي العام الداخلي وراء حكومتها، وهو الأمر الذي يتحقق حينما يتأكد مجتمع بعينه ـ هولندا في هذه الحالة ـ ان له ابناء في جبهة قتال، ومن نتيجة ذلك الفوز بتأييد الاعلام، وان لم يتحقق ذلك فعلى اقل تقدير تراجع نغمات النقد لأمريكا. ويضيف التقرير: «قد تنجح سياسة امريكا لفترة معينة، لكن فور نقل اخبار وبث صور لجنود هولندا في جبهة القتال الافغانية، ومع سقوط أول قتيل هولندي، سيتغير الوضع في الرأي العام الهولندي، فهو لم يسقط من ذاكرته تورط بلاده في وحل حرب كوسوفو، ولم يتخلص بعد من السمعة السيئة لقوات هولندا، التي كانت تشارك في القوات الدولية بالبوسنة والهرسك، لاتهامها بالتستر والتقاعس والسلبية تجاه الصرب في عملية اسقاط «سيربينتشا» التي راح ضحيتها عشرات الآلاف المسلمين، وهي القضية التي لم تحسم بعد، واليوم هو مواجهة مع مسلمين أيضاً في أفغانستان، فما هو البعد الاستراتيجي؟ وهل هي حرب تريد امريكا جر أوروبا اليها؟ وهل من الممكن ان تغرق هولندا شأنها مثل دول اوروبية اخرى، في هذا الوحل وتشارك في منعطف تاريخي ضد الانسانية؟ تعددت الأسباب بريطانيا: المملكة المتحدة «بريطانيا» لم تسقط من ذاكرتها السياسية تاريخها الاستعماري القديم، وتريد بقاء بصماتها على الساحة الدولية وفي دائرة الضوء، لذلك فهي تتحالف مع امريكا باعتبارها القطب الاقوى في العالم، كما ان التناغم البريطاني الامريكي يختلف عن الهولندي، فلقد كان أول من سارع بمبادرات نحو واشنطن هو رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير»، بأكثر من زيارة ولقاء «بوش» داخل وخارج أمريكا، وتقديم فروض الطاعة السياسية والعسكرية، ووضعت بريطانيا قواتها العسكرية المتواجدة في «عمان» وقوامه 23 ألف جندي وضابط، تحت طلب واوامر القيادة العسكرية الأمريكية، هذا إلى جانب ارسالها قوات كوماندوز خاصة مكونة من 200 جندي، اما الدعم بالمعدات العسكرية فكان: ـ حاملة بحرية للطائرات الحربية ـ فرقاطة بحرية ـ غواصة ـ سفينة طوربيد ـ 3 غواصات محملة بصواريخ «كروس». فرنسا: أعلنت باريس استعدادها لارسال قوات خاصة لافغانستان، اضافة لما أعلنته مؤخراً من وضع قوات 2000 جندي على أهبة الاستعداد، هذا بجانب فرقاطة، ناقلة بترول بحرية، وعدد من الطائرات الصائدة، هذا وتوجد بين واشنطن وباريس خلافات سياسية حول الحرب الدائرة، الا انها لا تزال في اطار التحفظات والسرية، باتفاق الطرفين، في الوقت الذي خضع فيه الرئيس الفرنسي «جاك شيراك» لضغوط من أمريكا والاتحاد الأوروبي، وذلك لإعلان تأييده علنياً واستخدام علاقاته بحكومات الدول الإسلامية، وهو الأمر الذي تمثل في جولة زيارات بدأها بالقاهرة. المانيا: تتحفظ حكومة برلين على بعض المعلومات التي تضعها في اطار السرية، إلا انها اعلنت عزمها ارسال قوات عسكرية قوامها 3900، وقوات خاصة، وتوفير دعم في عمليات النقل الجوي، وحماية خاصة للقوات البحرية، لكن في الوقت نفسه تخشى السلطات الألمانية من تفجير مظاهرات من الجاليات الإسلامية، واكبرها الجالية التركية، هذا وتواجه الحكومة الألمانية أزمة سياسية. ايطاليا: قدمت روما عدد 2700 جندي وضابط، اضافة لحاملة بحرية لطائرات حربية على متنها عدد 8 طائرات، 2 فرقاطة بحرية، وسفينة مؤن، وعدد 1000 جندي من قوات المشاة، كما اعدت قوات ارضية باستعدادات لمواجهة احتمالات حرب كيماوية وبيولوجية، وخبراء في الأسلحة النووية. استراليا ونيوزلندا: قدمت عدد 2 بارجة بحرية وقوات خاصة، طائرات مراقبة جوية، وعدد 1900 جندي. كندا: 2000 جندي، وبارجة بحرية، وطائرات نقل واستطلاع. اليابان: عدد 2 طوربيد، وسفينة مؤن على متنها عدد 700 من القوات البحرية، ووضع عدد من الطائرات فور طلب أمريكا المساعدة في شن ضربات جوية. تشيكيا: تميز دورها في ارسال قوات خاصة في الحرب الكيماوية. أما تركيا واسبانيا وبولندا والفلبين فقد قامت بالتنسيق فيما بينها لتقديم قوات خاصة عند الطلب. لاهاي ـ سعيد السبكي: