وضعت السرعة والزخم اللذان اتسمت بهما الحملة الحربية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية على الارهاب في افغانستان موضوع المرحلة الثانية من الحملة تحت الانظار والتركيز الشديدين. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كانت محطة المرحلة الأولى من الحملة افغانستان، فأي جهة أو بلد سيكون المحطة الجديدة للمرحلة الثانية؟ هل سيكون هجوما على العراق، أم اليمن، أم الصومال، أم إزاحة الرئيس العراقي صدام حسين؟ الثابت في هذا الشأن هو أن المرحلة الثانية مقبلة لا محالة، لكن ما هو غير مؤكد هو الشكل الذي ستأخذه هذه المرحلة. هل سيكون هناك عمل عسكري، أم ستقيد المرحلة الثانية بالنشاطات والعمل الدبلوماسي، أو الضغوط المالية، أو أي ضغوط من نوع آخر؟ لم تتخذ قرارات في هذا الصدد حتى الآن، لكن الرئيس بوش شرع في تحذير نظيره العراقي من عواقب عدم السماح للمفتشين الدوليين بالدخول إلى العراق، وإلا « سيرى» ما نوع التصرف الذي ستتخذه الولايات المتحدة. لكن بعض حلفاء الولايات المتحدة بدءوا في التعبير عن مخاوفهم وقلقهم، ودعوا واشنطن إلى عدم المبادرة بالهجوم على العراق. فقد أوضح المستشار الألماني جيرهارد شرويدر، في كلمة أمام البرلمان الألماني، إن بلاده «ليست هكذا ببساطة ساعية للتدخل» في أماكن أخرى من العالم. مضيفا أن «علينا أن نتنبه إلى أخذ جانب الحذر في مناقشاتنا حول الاهداف الجديدة في الشرق الأوسط، فهناك الكثير مما قد ينفجر في وجوهنا، وسيكون أكبر مما قد نتصوره». ووجدت تحذيرات المستشار الألماني تأييدا وتطابقا في الجانب الفرنسي، إذ ألقت باريس بظلال شكوكها حول فكرة توسيع الحرب، التي بدأت تكبر في المشهد السياسي الدولي من خلال تصريحات صدر معظمها من الجانب الأمريكي. فقد قال وزير الدفاع الفرنسي آلان ريشار، في تصريحات اثناء زيارة إلى بلغاريا، إنه: «لا توجد دولة أخرى نشط قادتها وسعوا إلى دعم ومساندة الأعمال الارهابية». إلا أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ما زال مترددا، رغم أنه إمتنع عن استبعاد استهداف بلدان أخرى يعتقد أن لها صلات بالارهاب على مستوى العالم. فقد قال بلير امام برلمان بلاده إن المرحلة الثانية من الحرب موجودة، لكنها ستكون «مدروسة جيدا»، مشيرا إلى أنها تلقى دعما من «جميع من هم في التحالف الدولي». وهذا الاختيار الحريص للكلمات يوضح الموقف البريطاني القائل بأن العمل الحربي ضد العراق أو أي بلد آخر سيكون مبررا في حال وجود أدلة واضحة على وجود الصلة بالارهاب، أو في حال إخفاق الأساليب الأخرى في جعل بغداد تذعن لما هو مطلوب. وهكذا يظهر أن الحلفاء الكبار الثلاثة للولايات المتحدة إما معارضون أو متمنعون عن الدخول في منعطف العمل العسكري. أما بالنسبة للحلفاء العرب فإنهم يعارضون بشدة، فقد حذر الاردن من أن العواقب ستكون «وخيمة جدا». ومن الجدير ذكره هنا هو أن الرئيس بوش نفسه كان قد استبعد مهاجمة العراق بعد وقت قصير في الهجمات المدمرة التي تعرضت لها بلاده في الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وصرح بذلك بعد مناشدة من وزير الخارجية كولن باول، الذي رأى أن حربا واحدة تكفي في الوقت الحاضر. ويجادل المطالبون بضرب العراق بأن بغداد ضالعة في الارهاب الدولي، وربما تقوم بتطوير أسلحة تدمير شامل. والتبرير هنا يتمثل في أن قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 687 الصادر عقب حرب الخليج في الثالث من ابريل من عام 1991، ربط وقف النار في تلك الحرب باذعان العراق للإجراءات الخاصة بتدمير أسلحته الكيماوية والبيولوجية. وقد أضاف الرئيس بوش الابن هدفا طموحا آخر هو إقصاء الرئيس العراقي عن السلطة، بعد أن فشل جورج بوش الأب في هذه المهمة قبل نحو 11 عاما.