في الجو العام الذي كان يسود الوطن العربي مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات تبلور اعتقاد جماهيري ان الوحدة العربية ومهما كان شكلها ليست سوى حلم يتناوله الادب دون ان يحمل في طياته اية رؤية علمية او فكر ايديولوجي، رغم ان معظم الاحزاب المتواجدة على الساحة العربية كانت تحتفظ بهذا الحلم في مبادئها ولعل نكسة 1967 كانت المحبط الاكبر للعالم العربي الذي اسودت الصورة امامه وانكسرت الهمم على الجدار الامني الذي كان يعتقد بأنه حصن منيع سيتسع ليضم فلسطين اليه متأثراً بالحالات الثقافية التي اطلقها المفكرون العرب في تلك المرحلة، وبدأ هذا الاحباط يدخل في عمق الوجدان العربي الى ان اتى اعلان دولة الامارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع اخوانه اصحاب السمو اعضاء المجلس الاعلى حكام الامارات وبدأ الامل من جديد يرتسم على وجوه الشعوب العربية، وقد رأى الشيخ زايد ببصيرة متفتحة عميقة اهمية هذا الاتحاد ليس للامارات وحدها بل لكل العرب من المحيط الى الخليج وقد عبر عن ذلك بقول سموه: «ان قيام الاتحاد ضرورة قومية فهو يؤمن الاستقرار والامن.. ثم انه سيكون عونا وسنداً لاشقائنا العرب». لعل الامة العربية عانت وما زالت تعاني من الحدود الاستعمارية المصطنعة التي وقفت حائلاً دون تطورها وجلبت عليها الخلافات الكثيرة ومنها الخلافات العسكرية وقد مرت بعض الدول العربية بأشكال متنوعة من الاتحادات ولكنها ذهبت لاسباب مختلفة لسنا في مجال ذكرها الآن وحتى الاتحادات العالمية الكبرى لم تصمد امام بعض ازماتها بل انهارت ايضا كما حصل في الاتحاد السوفييتي السابق، وبرغم هذه الانهيارات الكبرى فإن الامارات العربية المتحدة قد وقفت وقفة ذات ابعاد مستقبلية ظهرت واضحة منذ اعلان الاتحاد، وكان المبدأ الاول الذي اتخذه صاحب السمو الشيخ زايد هو مبدأ الشورى حيث مازالت معالمه واضحة حتى يومنا هذا وبشكل متميز فهو يندمج مع المؤسسات ويدعمها مما قدم نموذجا جديداً لعلم السياسة واساليبها وبالطبع فإن المعادل الموضوعي هذا نتج عن النهج الوحدوي الذي اتبعته القيادة الحكيمة لدولة الامارات العربية المتحدة وتوضح ذلك بالاعتماد على الاحاطة الكلية لطبيعة الجزئيات سواء داخل الانسان او في الاشياء المحيطة مما جعل مفهوم الوحدة لا يعتمد فقط على رسم الخطوط العامة وحدها بقدر ما ينطلق من الانسان ذاته وضمن ظروفه وحياته وبيئته للوصول الى بنيته الكلية ومن ثم لبنيته العامة لكل ما يحيط بها. لذلك نجد ان الامارات العربية المتحدة تشكل حالة فريدة في العالم كله وتتميز بخصوصية لا يحملها اي اتحاد ومن خلال هذه الخصوصية انطلقت الامارات من مبدأ هام وهو خصوصية الكيان الثقافي العربي، وهذا لا يعني بالطبع الانغلاق بقدر ما يهتم بالتراث الحضاري للخليج العربي والامة العربية اي ان الاتحاد لم يتأثر في النهاية بالنظريات الغربية الكثيرة التي كانت سائدة في مرحلة تأسيسه رغم ان الانفتاح الخارجي الذي تتمتع به الامارات سواء على المستوى الثقافي او الاقتصادي او السياسي يعتبر الآن من ميزات الدولة الحديثة ولكن هذا الانفتاح مرهون بشروط موضوعية اكدها صاحب السمو الشيخ زايد في الرسالة التي وجهها الى ابناء شعبه في عيد الجلوس حين قال: «اعملوا وتفاعلوا مع العالم الذي حولكم، خذوا منه ما يفيدكم واطرحوا جانبا ما يضركم ويسيء الى مجتمعكم وقيمكم وتراثكم العريق». وينسجم مع ذلك مبدأ المرونة والقوة في آن معا الذي تتمتع به الامارات وظهر هذا المبدأ واضحا في جميع الاحداث التي تمر بها وبمحيطها العربي والاسلامي والعالمي، فالامارات تعاملت ومازالت تتعامل بروح الحكمة فيما يتعلق بالجزر الاماراتية التي تحتلها ايران، وقد دعت اكثر من مرة ومازالت الى طرح هذه القضية على طاولة الهيئات الدولية لحلها بالطرق السلمية وفي هذا دلالة على حكمة القيادة السياسية وتفهمها للظروف الموضوعية التي تحيط بهذه القضية مع ايمانها المطلق بحقها المشروع في استعادة الجزر. وفي الاطار العربي كانت الامارات العربية المتحدة اول من دعا الى عودة العراق الى الخارطة العربية واقترنت تلك الدعوة بالعمل على ذلك وتقديم المساعدات للشعب العراقي وبالمقابل المحافظة على العلاقات الاخوية مع دول الجوار، وهذه السياسة المتوازنة جعلت نظرة الاحترام التي ينظر بها العالم الى الامارات تزداد وقاراً واحتراماً لان استراتيجيتها لا تنطلق من مفهوم المصلحة الذاتية فقط بل من خلال مصالح الامة العربية، فالعربي الذي يتألم في اية بقعة من الارض نجد صدى مباشرا لالمه في قلب الشعب الاماراتي وهذا ما رأيناه واضحا في دعم الامارات للفلسطينيين في الانتفاضة المباركة. ان الامارات العربية المتحدة قد استطاعت ان تجعل من استراتيجية الوحدة استراتيجية للعمل ولخدمة القضايا العادلة والدفاع عنها والنظر اليها بوعي شامل وكامل يحيط بأسبابها ونتائجها المستقبلية دون اية قرارات متسارعة بل على العكس من ذلك فإن القرار الاماراتي اتسم دائما بالتروي والحكمة وخير دليل على ذلك موقفها من القضية الحساسة التي شغلت العالم بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الامريكية والتي انتهت بالحرب على طالبان، فهذه الحرب كان يعتقد انها ستؤثر تأثيراً كبيراً ومباشراً على الخليج العربي ولكن حكمة القيادة الاماراتية استطاعت ان تقدم للعالم نمطا متميزاً في التعامل مع القضايا الحساسة وكل ذلك نتيجة للاحاطة الكاملة بالسياسة الخارجية والتفكير العلمي بالقضايا الطارئة واعتماد العقل في حلها لتكون النتيجة الموضوعية بعد ذلك لمصلحة الشعب من محيطه الى خليجه وخدمة الامة الاسلامية اينما وجدت. التزام بالقضايا العربية يمكن ان نقرأ بوضوح الاستراتيجية الملتزمة بالقضايا العربية في الفكر الوحدوي لدولة الامارات، فالوحدة فيها لم تقم من اجل ذاتها فقط وانما سعت ومازالت تسعى في التزامها بالقضايا العربية سواء في جانبها السياسي او في محورها الاقتصادي وهذا يتضح من خلال الاهتمام العلمي بأية قضية عربية تظهر على الساحة السياسية وتهم المواطن العربي وهذا ما اكده صاحب السمو الشيخ زايد بقوله: «ان قيام الاتحاد ضرورة قومية فهو يؤمن الاستقرار والامن.. ثم انه سيكون عونا لاشقائنا العرب». وهنا نرى بشكل مباشر موقف الامارات العربية المتحدة من القضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي الصهيوني، فالامارات اول من ذكر العرب بقدرتهم على المواجهة بما يمتلكون من ثروات ومازال الشعار الذي رفعه صاحب السمو الشيخ زايد في حرب اكتوبر حين قال «النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي» مازال هذا الشعار حتى الآن هو الميزان الاستراتيجي للقوة العربية والذي كان له الدور الهام في تلك الحرب بل انه بدأ يحمل الدلالات الاستشرافية التي حققت هدفها سابقا وستحقق اهدافها مستقبلا، وبالطبع فإن هذا الشعار الذي اطلقه صاحب السمو الشيخ زايد وعمل من اجله يأخذنا الى مفهوم الشعار المنفذ والوصول الى الغاية التي اطلق من أجلها. ان الامارات اكدت دائما حقوق الشعب العربي في استراتيجية واضحة ومن خلال مناداتها المستمرة بالسلام العادل والدائم في الشرق الاوسط وعودة الحقوق لاصحابها ولعل المطالبة الدائمة للامارات من الولايات المتحدة بالاعتدال والضغط على اسرائيل هي خير دليل على القوة التي تتمتع بها وهذا ما نقرأه بشكل واضح في قول سموه: «اننا نطالب الولايات المتحدة بالضغط على اسرائيل لاقرار السلام الدائم والعادل في الشرق الاوسط الذي يعطي للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة بما في ذلك دولته على ارضه.. اننا نطالب بذلك ليس فقط لاحقاق الحق وتأكيد العدل بل لان الاغتصاب الاسرائيلي لفلسطين والاعتداءات الصهيونية على لبنان تشكل تهديدا للامن والاستقرار في العالم كله». وفي هذا القول يتوضح ان النظرة الاستراتيجية للامارات تنبع من الدعوة المستمرة للتضامن العربي من اجل الدفاع عن الكرامة العربية وهي دعوة صادقة لاتشوبها اية مصالح شخصية بقدر الغيرة على مصالح الامة العربية فطريق الخلاص من العدو الصهيوني يراه صاحب السمو الشيخ زايد بالتضامن العربي حين يقول: «نحن العرب نواجه عدواً شرساً لا يعترف بالقيم وعلينا ان نتسلح بالتضامن ونبذل كل الطاقات الكافية لمواجهته» وان الناظر لاقوال سموه يرى ان الهم القومي هو الطابع المميز للسياسة الاماراتية وهو ما يشغل قيادتها باستمرار. ان الامارات وهي تحتفل اليوم بأعيادها ويحتفل الضمير العربي معها لا يستطيع احد ان ينكر المكرمات التي قدمتها لشعوب العالم فعلى المستوى الفلسطيني ذاته تبدو المساعدات التي قدمت لا يمكن حصرها بالمساعدات المالية ومع ذلك فإن ما قدمه صاحب السمو الشيخ زايد للانتفاضة الفلسطينية من اموال الى بناء مدينة الشيخ زايد السكنية في غزة الى مستشفى زايد في رام الله الى المشاريع داخل الحرم القدسي تدلل ان هذا الرجل خلق من اجل المواقف الصعبة ليقف مع شعبه في وجهها. ويبقى اخيرا ان نتمسك بقول سموه ونهتدي به في دعوته الصادقة الى الوحدة حين يقول «ان التفرق ضعف حتى في الاسرة الواحدة التي هي من جد وأب واحد، فاذا ما تفرق افراد البيت وذهب كل في سبيله دون ان تهتم الاسرة ضاعوا واضاعوا، اما عندما يحتويها هذا البيت فسيكون اقوى على حل مشاكلهم ووضع حياتهم الحرة الكريمة، ويصبح لهم ثقل كبير ومكانة محترمة بين اخواتهم وجيرانهم». بقلم: محمد احمد يوسف ـ كاتب فلسطيني مقيم في دمشق