تثير دراسة السياسة الخارجية لدولة الامارات العربية المتحدة العديد من التساؤلات على المستوى العلمي والعملي معا، فوفقا للمنظور العلمي لدراسة وتحليل السياسة الخارجية، فإن هناك العديد من العوامل المعقدة والمتشابكة ذات الوزن النسبي الكبير والمؤثرة على السياسة الخارجية لدولة الامارات والتي لا يمكن لصانع السياسة الخارجية تجاهلها، وهي بحكم طبيعتها حسابات دقيقة ومهارة عالية في ادارة السياسة الخارجية لهذا البلد. واذا مانظرنا الى الواقع العملي سنجد ان هناك نشاطا ملحوظا لسياسة الامارات الخارجية في العديد من الدوائر وعلى كافة المستويات وهو نشاط يحدث في ظل ظروف دولية واقليمية بالغة الصعوبة والتعقيد خاصة وان للبيئة الخارجية بمستوياتها المختلفة وتفاعلاتها ومتغيراتها تأثيرا مهما على دولة الامارات، ومن هذا الاطار فإننا سنبدأ أولا بتحديد أهم العوامل ذات التأثير على السياسة الخارجية الاماراتية، ثم نوضح كيف تعاملت السياسة الخارجية الاماراتية مع هذه العوامل والى أي حد استطاعت أن تتجاوز المحددات الناتجة عنها. أولا ـ العوامل المؤثرة على السياسة الخارجية لدولة الامارات العربية المتحدة: اذا ماستخدمنا معيار الموقع والموضع الذي وضعه جمال حمدان للتعرف على العوامل المؤثرة على السياسة الخارجية لدولة الامارات، سنجد ان كلا من الموقع الجغرافي والموضع الذي يعني الموارد المتاحة على أرض الواقع قد كانا من أهم المصادر التي شكلت العوامل المؤثرة على دولة الامارات وسياستها الخارجية ويمكن ايضاح ذلك على النحو التالي: 1ـ تقع دولة الامارات في موقع بالغ الأهمية والحساسية من الناحية الجيوبولتيكية فهي تمتد على الساحل الشرقي للجزيرة العربية عند الطرف الجنوبي من الخليج العربي، وهي تتوالى من الغرب الى الشرق بداية من أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وام القيوين ورأس الخيمة والفجيرة، يحدها من الشمال الخليج العربي وايران، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية ومن الشرق سلطنة عمان ومن الشمال الغربي قطر، وهي تقع بالتالي على أهم الطرق التجارية الرئيسية، ولعل هذا يفسر السبب في محاولات القوى الكبرى في العالم منذ القرن السادس وحتى الآن السيطرة على هذه المنطقة المهمة بالنسبة لحركة التجارة الدولية. 2ـ من ناحية أخرى تقع الامارات في نطاق منطقة الخليج حيث توجد ثلاث قوى اقليمية رئيسية في المنطقة هي المملكة العربية السعودية، والعراق وايران ومن ثم فلابد وأن تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بطبيعة علاقات القوة بين هذه القوى الاقليمية المهمة بالنسبة لأمن الخليج. 3ـ كذلك سنجد أن المنطقة التي تقع بها دولة الامارات منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للقوى الدولية الكبرى في العالم، ففي فترة الحرب الباردة كانت المنطقة محلا للصراع على النفوذ بين القوتين العظميين انذاك، فالولايات المتحدة والدول الغربية كانت تسعى الى الحفاظ على مصالحها ونفوذها في هذه المنطقة ومنع امتداد النفوذ السوفييتي اليها، في حين ان الاتحاد السوفييتي كان يسعى الى مد نفوذه في المنطقة وبعد انتهاء الحرب الباردة دخلت المنطقة في اطار مناطق المصالح الحيوية للولايات المتحدة، والتي تعنى في القاموس السياسي الأمريكي امكانية التدخل ولو بالقوة العسكرية في حالة الشعور بأي تهديد لمصالحها. 4ـ اذا ما اضفنا الى هذا اعتبارات الموضع سيبرز النفط بوصفه سلعة استراتيجية مهمة فالامارات دولة نفطية مهمة يصل نصيبها الى 3.6% من الانتاج العالمي اليومي للنفط، ويبلغ الاحتياطي المؤكد من النفط 9.5% من الاحتياطي العالمي، وقد أدى ارتفاع اسعار النفط بعد عام 1973 الى توفير موارد مالية ضخمة لدولة الامارات ثم توظيفها في مجالات التنمية المختلفة الا انه على المستوى الاستراتيجي يمكن القول بأن النفط والموارد المالية المتولدة عنه قد زادت من شدة الصراع بين القوى الاقتصادية الكبرى في العالم على موارد هذه المنطقة، كما ان الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل القومي يمثل نقطة ضعف بالنسبة للدول النفطية، اذ جعلها عرضة للتأثر بالتقلبات في أسعاره العالمية. 5ـ وإذا ما نظرنا الى الامارات بوصفها احدى الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط سنجد أنها تقع في منطقة بالغة الخطر والتوتر، حيث الصراع العربي الاسرائيلي وتداعياته السلبية على الامن والاستقرار في المنطقة بأكملها وامتداد هذه التداعيات بصورة مباشرة أو غير مباشرة على دولة الامارات بوصفها احدى الدول العربية، خاصة في ظل الخلل القائم في توازن القوى العربي الاسرائيلي، وتوزان القوى العربي مع باقي دول الجوار الجغرافي الأخرى، وفي ظل الانحياز الامريكي الواضح لاسرائيل ومحاولتها اعادة رسم خريطة المنطقة بما يتواءم مع المصالح الاستراتيجية الاسرائيلية والأمريكية، هذه العوامل تعد مصادر مهمة للضغوط الخارجية على السياسة الخارجية الاماراتية. من خلال هذا العرض يمكن وصف الحالة الاماراتية بأنها دولة صغيرة المساحة قليلة السكان وفيرة الموارد بحكم اعتبارات الموقع والموضع، تقع في نطاق بيئة اقليمية غير مستقرة وفي منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للقوى الدولية الرئيسية في عالم اليوم، ولعل أبلغ وصف للحالة الاماراتية عبارة السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت الرئيس الأسبق للجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي الذي وصف الدول العربية المنتجة للنفط بقوله: انها غزلان في عالم السباع. ثانيا ـ السياسة الخارجية الاماراتية في عالم متغير قامت السياسة الخارجية الاماراتية على عدد من المبادئ والأسس الواضحة واهم هذه المبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، واقامة العلاقات على اساس من المصالح المتبادلة، وتنمية روح التعاون وحل المشكلات والنزاعات بالطرق السلمية، واحترام المواثيق والقانون الدولي واحكام الشرعية الدولية، والسعى الى تحقيق الأمن والسلم الدوليين، والاسهام في تقديم المساعدات والمعونات من أجل توفير البيئة الملائمة لانتظام التفاعلات الدولية. وقد تحركت الدبلوماسية الاماراتية في عدد من الدوائر دائرة الجوار الجغرافي المباشر، حيث انها عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهي ترى أنه من الضروري توثيق أواصر التعاون والتكامل بين دول المجلس في كافة المجالات وصولا الى مرحلة التوحد الكامل بين هذه الدول، وبالرغم من احتلال ايران للجزر الاماراتية، وهي من دول الجوار المباشر فإن الدبلوماسية الاماراتية رأت أن حل هذا النزاع لابد وأن يكون عبر الوسائل السلمية سواء من خلال الحوار المباشر مع ايران أو اللجوء الى التحكيم والقضاء الدولي ممثلا في محكمة العدل الدولية. وعلى المستوى العربي فقد قامت السياسة الخارجية لدولة الامارات على أساس الدعوة الى التضامن العربي وحل الخلافات العربية من خلال الحوار الاخوي، حيث انها ترى ان هذه الخلافات تمثل تهديدا للأمن القومي العربي ككل ولأمن كل دولة عربية، كما ان الامارات تدعم الكفاح العادل للشعب الفلسطيني من أجل حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ويوضح تحليل السياسة الخارجية الاماراتية في الدائرة العربية، ثبات الدعوة الى التوحد العربي ونبذ الخلافات ويؤكد هذا المبادرات العديدة التي طرحها رئيس الدولة لتحقيق المصالحة العربية بعد حرب الخليج الثانية، واعادة بناء التضامن العربي من جديد، بما يساعد على علاج الخلل القائم في توازن القوى العربي الاقليمي وقد تبنت دولة الامارات سياسة واضحة تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط فهي ترى ان السلام هو السلام العادل والشامل الذي يكفل تحقيق الحقوق والمصالح العربية المشروعة، ومن ثم رفضت دولة الامارات أية محاولة للتطبيع مع اسرائيل قبل التوصل الى تسوية سلمية عادلة للصراع العربي الاسرائيلي. وعلى الصعيد الاسلامي أكدت دولة الامارات في أكثر من مناسبة أهمية التعاون والتضامن بين الدول الاسلامية وحل المشكلات فيما بينها بالطرق السلمية كما كانت سباقة في تقديم المساعدات والمعونات لهذه الدول في أوقات الازمات. وعلى الصعيد الدولي سنجد أن السياسة الاماراتية اتجهت الى توظيف الموقع في خدمة حركة التجارة الدولية وتقدم دبي ومنطقة جبل على نموذجا واضحا في هذا المجال، وهذا الأسلوب يقدم نموذجا للتعاون الدولي متعدد الأطراف الذي يقوم على تبادل المنافع وتوازن المصالح، كما انه يساعد على بناء شبكة من المصالح الدولية في المنطقة تساعد على توفير الاستقرار، من ناحية أخرى تبنت الامارات دبلوماسية تعاونية في مجال النفط، حيث رأت ان العلاقات بين الدول المنتجة والدول المستهلكة لابد وان تقوم على توازن المصالح وعلى أساس الحوار والتفاهم وفي ذلك يقول صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة: يجب الا يتحامل الصديق على صديقه بل يجب ان يحاوره ويناقشه في الخلافات حتى تكون العلاقة بين الطرفين متكافئة وعلى أساس الحوار والتفاهم انني أطالب الدول المستهلكة للبترول بالقيام بجهد فعال لاصلاح مسار الاقتصاد العالمي حتى يمكن لبعض دول الأوبيك أن تستمر في دورها المعتدل، ويجب أن تكون العلاقات تبادلية بين الطرفين، بل علاقات متوازنة بين الجميع وليس بها اجحاف لأي طرف. من ناحية أخرى فقد اهتمت دولة الامارات بتقديم المساعدات المختلفة الى الدول النامية، الا ان الملاحظ ان نسبة كبيرة من هذه المساعدات قد تركزت على الدول العربية، والواقع ان هذا التركيز يأتي امتدادا للرؤية الاماراتية حول أهمية التعاون العربي وتوطيد أواصر العلاقات العربية العربية فما يجمع العرب من وجهة النظر الاماراتية يفوق مايفرقهم. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية الاماراتية تجاه الولايات المتحدة فقد اتسمت بالمرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات التي طرأت على موقع الولايات المتحدة في النظام العالمي، فلقد حرصت الدبلوماسية الاماراتية على ايجاد اطار من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المتبادلة مع الولايات المتحدة، وان كان هذا لم يمنع الامارات من اتخاذ مواقف ذات مغزى عندما يتعارض الموقف الأمريكي مع ثوابت السياسة الاماراتية على الصعيد العربي، فعلى سبيل المثال كانت الامارات احدى الدول التي صوتت في 17 ديسمبر عام 1991 ضد الغاء قرار الأمم المتحدة رقم 2279 والقاضي بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، كما رفضت الامارات المشاركة في المؤتمر الاقتصادي لتنمية الشرق الأوسط وشمال افريقيا الذي عقد بالدوحة في عام 1997 بالرغم من الضغوط الأمريكية التي كانت تدفع نحو المشاركة في هذا المؤتمر. وما يمكن أن نصل اليه من خلال هذا العرض هو ان السياسة الخارجية الاماراتية وبالرغم من الضغوط الاقليمية والدولية الشديدة اضافة الى مايشهده العالم من متغيرات سريعة ومتلاحقة تزيد البيئة المحيطة بالسياسة الخارجية تعقيدا وتركيبا الا انها قد استطاعت انتهاج سياسة خارجية تتوافق مع الامكانات والموارد والظروف المحيطة بها وانها حاولت تطبيق الأسس والمبادئ التي وضعتها كاداة حاكمة لهذه السياسة الا ان الوجه العربي للسياسة الخارجية الاماراتية يظل الوجه الأكثر اشراقا، ولعله يبشر بميلاد فجر عربي جديد بعد اشتداد ظلمة الليل! بقلم: د. محمد سعد ابو عامود استاذ العلوم السياسية ـ القاهرة