من حق كل الناطقين بالضاد أن يحلموا بالوحدة من المحيط الى الخليج في الوطن العربي الكبير خاصة وأن كثيرا من الأحلام أضحت حقيقة يمكن أن تكون بالفعل زخما لتحقيق الحلم القومي، ومن بينها بل أهمها انشاء دولة الامارات العربية المتحدة التي أتمت عامها الثلاثين وعليه يمكن النظر الى مسيرة اتحاد الامارات على أنها التجربة النموذج في نهج التوحد العربي من خلال رؤية تقويمية تأخذ في تحليلها مسارين أو منظورين. المنظور الأول: التقويم الداخلي ويتعلق برصد داخلي لحجم الانجاز الذي تحقق على الأصعدة كافة وشعر به كل من يعيش على دولة الاتحاد من مواطنين ومقيمين. وقد كان لكاتب هذه السطور الشرف أن عمل لفترة من الزمن في امارة دبي وتابع عن قرب - نتيجة طبيعة عمله - حركة البناء الإنساني والمادي التي شكلت منظومة متكاملة وعكست فكرا متطورا ورؤية عصرية في أسلوب حياة عبر عن عملية التنمية المجتمعية الشاملة بالدولة. المنظور الآخر: المتابعة عن بعد ويتعلق برصد نتائج التجربة الاتحادية من خارج دولة الامارات عن طريق رسم اطار يبلور قيمة التجربة الفعلية وما يمكن أن تضيفه الى أدبيات الفكر الوحدوي العربي وتوضح حجم التأثير والتأثر في النظرة العامة لنهج التوحد العربي الذي بمقاييس اليوم لا بديل عنه في العالم المعاصر.. عالم الكيانات القوية العملاقة. ولذلك كان لابد من إعمال المنظورين معا لتأمل التجربة الاتحادية لبيان مدى نجاحها ودراسة أدواتها. أولا عوامل النجاح في مسيرة الاتحاد يمكن القول أن نجاح واستمرارية تجربة الوحدة في الامارات يعود في تقديري بالدرجة الأولى الى مجموعة من العوامل البنائية لصرح الاتحاد أذكر منها. (1) البداية الصحيحة منذ اللحظة الأولى أرساها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وأخوه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مع اخوانهما اصحاب السمو حكام الامارات.. هذه البداية كانت الانطلاقة لبناء دولة عصرية بكل مقاييس التقدم الحضاري بشقيه المادي والمعنوي. (2) تميزت التجربة منذ البداية ومازالت بالمحافظة على الجمع بين الاصالة المتمثلة في الموروث التاريخي والمعاصرة المتمثلة في الأخذ بكل اسباب التطور والحداثة وذلك بشكل استطاع أن يكفل حماية الشخصية الاصيلة لشعب الامارات بشقيه العروبي والاسلامي وفي الوقت ذاته تفاعلت دولة الاتحاد مع متغيرات العصر بكل مافيها من تطور علمي في مجالات التنمية بعبارة أخرى ارتأت هذه الدولة ضرورة الانفتاح على العالم موضوعا قبل أن يكون شكلا فقط كما حدث في بعض التجارب التنموية. (3) وخلال الثلاثين عاما نجحت مسيرة الاتحاد في تحقيق اطار من التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الامارات السبع أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وام القيوين والفجيرة ورأس الخيمة ومن ثم كان التنوع والتطور المستمرين أحد الميزات الاساسية للمسيرة الاتحادية. (4) في اطار منهج الانفتاح على الغير كان طبيعيا أن تتفاعل دولة الامارات مع دوائر العمل الخارجية خليجيا وعربيا واسلاميا ودوليا وأخذ هذا التفاعل شكل المشاركة الايجابية في التعاطي مع الأحداث الاقليمية والدولية من خلال سياسة تعتمد على ثوابت مبدئية اتسمت بالحنكة والحكمة انتهجها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة. (5) حرصت دولة الامارات العربية المتحدة طوال ثلاثين عاما على اقامة ومد جسور التعاون مع بقية الدول العربية ولاسيما دول الخليج العربية في اطار مجلس التعاون الخليجي الذي أثبت نجاحا وأرسى قواعد وأسس التعاون الاقليمي العربي. (6) ان نظرة متفحصة للانجازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي حققتها دولة الاتحاد عبر مسيرة الثلاثين عاما سوف تقودنا الى أن هذه الدولة قد طورت آليات التنمية الشاملة فيها بشكل غير مسبوق الامر الذي خطا بالدولة الى الاستقرار الاقتصادي والسياسي وضمن توازنا في الحراك الاجتماعي وصقلا في أسلوب التنشئة السياسة للاجيال الجديدة التي ينطلق فكرها من ثمار الفكر الاتحادي الذي لا يعرف الانعزال أو التشرذم. ثانيا: وحدة الامارات والنماذج المعاصرة في ضوء العوامل السابقة الذكر تبدو على بساط البحث تجربة الاتحاد نموذجا معاصرا ورائدا لكل التجارب العربية الوحدوية في القرن العشرين والتي لم يقدر لمعظمها الاستمرار لفقدانها القدرة على هذا الاستمرار من ناحية وعدم الاستناد الى أسس ثابتة من ناحية أخرى. وأذكر في هذا السياق على سبيل المثال وليس الحصر تجربتين لم يقدر لهما الاستمرار. الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958 حتى 1961 واتحاد الجمهوريات العربية مصر وليبيا وسوريا والسودان في عام 1971 وهو نفس العام الذي انطلقت فيه مسيرة اتحاد الامارات. وبدون الخوض في تفاصيل هاتين التجربتين فإنني اعتقد أن اخفاقهما يعود الى فقدهما الى عوامل النجاح في وحدة الامارات السبع، ويمكن الإشارة هنا إلى أن وجود اتفاق مبدئي بين القائمين بالتجربة الوحدودية على أنها جزء لا يتجزأ من مصير الشعوب الأمر الذي يلعب دورا أساسيا في إنجاح التجربة ، وأرى أن هذا ما حققته الوحدة الاماراتية قولا وفعلا في حين ظل الأمر لا يتعدى نطاق القول في التجارب الأخرى. كما أن تصورا واضحا للأهداف المستقبلية وبرمجتها في شكل خطط قابلة للتنفيذ بحيث يتلائم طموحها مع الامكانات الحقيقية جعل مسيرة الاتحاد تترجم مع الأيام هذه الخطط الى واقع ملموس يمكن مشاهدته في كل انحاء الدولة. وقد استهدف هذا الواقع رفع مستوى المعيشة والارتقاء باقتصاد الدولة الى مصاف الدول المتقدمة بالقياس لمتوسط دخل الفرد مقارنة بنفس المتوسط في دول أخرى. ومن خلال دراسة الواقع عن قرب لم يشمل التقدم النواحي الاقتصادية فقط ولكنه تعدى الجوانب الخدمية وفي مقدمتها التعليم العام والجامعي والصحة والعمل والاعلام والسياحة. وأعتقد أن كل من يزور دولة الامارات يدرك آثار الانجاز على مدار الساعة ويتمثل ذلك على سبيل المثال في شبكات الطرق الحديثة وحركة البناء والعمران، المراكز التجارية والأسواق المتطورة والمستشفيات المتقدمة وكل أشكال التعليم وثماني قنوات تليفزيونية فضائية بالاضافة الى صحافة حرة واسعة الانتشار ومناطق جذب سياحي على مدار العام. ولابد من الاشارة الى فكرة الحكومة الالكترونية التي طرحت في دبي تحت رعاية الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وتمثلت حسبما رأيت في تقديم تسهيلات انجاز المعاملات وقدمت نموذجا رائدا للإدارة المتطورة التي جعلت الكثير من الجهات تحول مقولة ان المتعامل هو المدير الى حقيقة عملية ولمستها في مجالات المرور والهجرة والجنسية والجوازات والرعاية الصحية ومطار دبي وكثير من المصارف والاتصالات. ثالثا: مطلوب دراسة قومية لاتحاد الامارات ان دراسة اتحاد الامارات باعتباره التجربة النموذجية ضرورة حتمية يجب ان تعنى بها جامعة الدول العربية باعتبارها الجهة المنوط بها انجاز حلم الوحدة العربية الذي تتمناه الأمة شعوبا وحكومات. إن هذه الدراسة المطلوبة تفرضها الظروف الاقليمية والدولية التي يعيشها العرب حيث لم تعد الرغبة في التوحد نوعا من الترف الفكري أو السفسطائية تتباهى وتنشغل بها صفوة المثقفين العرب في مجالسهم ولكن بالنظر الى اننا نعيش اليوم في عالم لا مكان فيه للضعفاء الامر الذي يؤكد ضرورة خلق أي شكل حقيقي وقادر من أشكال الوحدة العربية. وكما أسلفت فإنه من الطبيعي أن يأخذ التنظيم الاقليمي العربي المتمثل في الجامعة العربية على عاتقه هذه المسئولية ويضع في اعتباره ان نجاح اتحاد الامارات العربية لم يأت من فراغ وانما جاء بعد معاناة بل كان ثمرة تجنب الاخفاقات في التجارب الوحدوية العربية فهو في الواقع تعبير عن ارادة جماعية قوية يفتقدها العرب هذه الأيام. وإذا كان عامل الانسجام الموضوعي السياسي والاقتصادي هذا انضج تجربة الاتحاد في الامارات فإن لدى الأمة العربية عوامل انسجام وتآلف كثيرة اذا توافرت معها الارادة الجماعية ستساعد على بلورة نهج التوحد العربي المفقود في زحمة المصالح الذاتية والرغبات الانفصالية!! ويمكن القول أن الادعاء باختلاف المصالح والنظم السياسية هو زعم مردود عليه لأن المصالح العربية الحقيقية في ذاتها متكاملة ومن خلال دراسة التجربة الاماراتية بعمق سوف نكتشف أن نجاحها كامن في التكامل المصلحي وفي الوقت نفسه حافظت كل امارة من الامارات السبع على كيانها السياسي الذاتي الذي شكل منظومة متكاملة منسجمة للنظام السياسي الاتحادي للدولة. فهل يمكن أخذ ذلك في الاعتبار وتحقيقه على المستوى العربي؟! رابعا: الاتحاد العربي والعولمة؟ ويبقى القول ان مايسمى بنظام العولمة الذي يعتبر أحد افرازات المتغيرات الدولية في الالفية الثالثة يفرض في الواقع على الأمة العربية الاسراع الى لم الشمل حتى يمكن مواجهة التحديات التي يفرضها هذا النظام الذي يتسم في كثير من جوانبه بالغموض لدرجة أن بعض الاراء حاولت تفسيره على أنه وحش سوف يبتلع الضعفاء والفقراء. وأشار الى أن العولمة مفهوم أقرب مايكون الى معنى الهيمنة. على أي حال مايعنينا هو أن الأمة العربية يمكن أن تكون قوية وغنية وأعتقد أنها بالفعل كذلك اذا احسنت استثمار مواردها ووجهت طاقاتها المادية والبشرية نحو الاستغلال الأمثل وسايرت العصر بكل مافيه من تقدم وفي الوقت نفسه حافظت على موروثاتها واصالتها وقيمها الروحية الدافعة لابنائها نحو الانجاز. وحسبي أن أقرر أن دولة الامارات العربية المتحدة قد أدركت ذلك منذ زمن وحققت التوحد في اطارها. فكم نحن أمة العرب أحوج مانكون الى الأخذ من النموذج الاماراتي المثل للانطلاق الى تجربة اتحادية أخرى ناجحة ولكن هذه المرة نتمنى أن تكون على المستوى القومي!! بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب واعلامي مصري