تميل التحاليل الغربية التي تحاول تفسير ظاهرة تزايد العنف في العالم وارتباط ذلك بالمسلمين إلى تقديم أسباب لها علاقة بارتفاع نسبة النمو الديمجرافي في العالم الإسلامي والعدد المتزايد للشباب الناتجة عن ذلك، وارتفاع معدلات البطالة بين صفوفه والتأطير الأيديولوجي للحركات الأصولية وتوجيهها له نحو معاداة الغرب وممارسة العنف ضده.. وقلما أشارت إلى الدوافع الحقيقية لذلك الناتجة أساسا عن الظلم السياسي والاجتماعي والحضاري للنظام العالمي القائم أثناء تشكله تاريخيا وخلال ممارسته الحاضرة في التعامل مع المسلمين. بالفعل إن أغلب التحاليل الغربية بما في ذلك تلك التي تدعي اتباع المنهج الحضاري، وهي تخوض في ظاهرة الإرهاب الدولي، إنما تربط ذلك بالعالم الإسلامي ،وكأن الإرهاب هو من صنع المسلمين في العالم، أو أنه لا توجد منظمات إرهابية في الغرب بل وحتى دول بل وسياسات إرهابية.. ويكفي أن نذكر أن «هنتنجتون» صاحب فكرة صدام الحضارات لم يكتف في حوار له صادر بمجلة «الاكسبريس»الفرنسية يوم 25 أكتوبرالماضي بالقول ان ما يحدث اليوم في أفغانستان هو نتيجة الظاهرة الإسلامية إنما ذكر أن في العالم توجد على الأقل 60 دولة تؤوي الإرهاب أو تدعمه بطريقة أوبأخرى، ومن غير أن يحددها بالاسم فإنه يبدو من المؤكد أن جميعها إما دول إسلامية أو لها علاقة بالعالم الإسلامي. وعندما نتابع تحاليل أخرى تحاول تفسير ظاهرة الإرهاب الدولي، فإننا نجدها إنما تعود في نهاية المطاف إلى اتهام المسلمين وإن امتدحت الإسلام بطريقة فيها الكثير من الرياء والتستر.. فبالنسبة لها يبقى المسلمون هم ذلك الكم العددي الهائل المستعد «طبيعيا» لممارسة العنف ولمَ لا فالإرهاب في العالم لتجمع الشروط «الموضوعية» لديه الدافع لهذا السلوك. وقلما نجدها تشير إلى الأسباب الموضوعية للثورة على الظلم في بعض البقاع أو رفض الإخضاع السياسي القهري في بقاع أخرى كما يحدث في «فلسطين» أو في «الشيشان» و«طاجكستان» وفي بلدان أفريقية وآسيوية عديدة.. فقد كتب المحلل الفرنسي «جان فرنسوا ديفال» ان التهديد قادم من العالم الإسلامي بسبب انه «يمر بحالة من الحيوية الجديدة المرتبطة بزيادة النمو الديمجرافي لديه، وارتفاع نسبة الشباب والبطالة والتأطير الأصولي» وفسر ذلك بكون الدول الغربية التي كانت وإلى غاية سنة 1920 تسيطر على نصف الكرة الأرضية أصبحت الآن لا تسيطر إلا على 10% منها رغم ازدياد التطور التكنولوجي واتساع قدرتها على التأثير فيها إعلاميا واقتصاديا ، وكأنه يريد أن يقول ان الدول التي كانت بالأمس من غير تكنولوجيات متقدمة تسيطر على كل العالم لم تعد لديها سيادة حقيقية سوى على 10% من هؤلاء في اتهام مباشر لأنصار التكنولوجيا المتقدمة القائلين بقدراتها الخارقة على السيطرة على الإنسان وتوجيهه.. وأسهب «عمانويل تود» ،الأنثروبولوجي والديمجرافي الفرنسي في كتابه «الوهم الاقتصادي»الصادرسنة 1998 في تحليله لما سماه باللامساواة في الصدامات الديمجرافية «الناتجة عن عجز الغرب بعد 500 سنة من الديمقراطية عن مواجهتها الآن بسبب فيضان الكثير من الحضارات ديمجرافيا عليه وعدم تمكنه من الاستمرار في موجته الاستيطانية التي بدأت من سنة 1500 وعرفت الانحسار منذ سنة 1950م. وفي نفس هذا السياق أشار «دي فرجيس» صاحب مؤلف : العولمة .. نحو نهاية الحدود أن الصدامات الحضارية بدأت في الواقع سنة 1940 مع بدء موجة استقلال الشعوب المستعمرة ، وان انفجار التدفقات البشرية في العلاقات الدولية كان له أثر كبير في ذلك. ففي نفس فترة تدفق الخدمات والسلع والأموال والمعلومات حدث تدفق بشري من القارات المهمشة آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حمل معه معاداة للقيم الغربية التي استفزت وحاربت قيمه المحلية لقرون طويلة بل وعملت على طمسها،الأمر الذي أدى إلى اندلاع نزاعات تقليدية في الكثير من بقاع العالم لم تستطع العولمة إلغاءها.. ومن بينها النزاعات في العالم الثالث والعالم الإسلامي. ولعل معظم هذه التحاليل ناتجة عن انطلاق الغربيين من تلك الدراسات الإستشرافية التي أعدتها مراكز بحث عديدة عن مستقبل السكان في العالم وموقع المسلمين من ذلك. وقد أكدت جميع هذه الدراسات اللا توازن الديمجرافي الكبير في النظام العالمي مابين الشعوب والديانات، وأعطت الغلبة إلى الشعوب والديانة الإسلامية، بالرغم من أن «هنتنجتون» في تصريحاته الأخيرة بدأ يبشر بأن توقعات الغرب هذه إنما تقف في حدود سنة 2020، وعندها سيبدأ عدد الشباب في العالم الإسلامي في الانحسار، وستخف من جراء ذلك احتمالات الضغوط الإرهابية، وسيعود من جراء ذلك بعض الأمل!! فهل هذا صحيح؟ يبدو أن التحليل الغربي يريد تفسير مستقبل الصراع في العالم من خلال تاريخه الخاص، فكما كان التدفق البشري الأوروبي بعد الثورة الصناعية من أسباب الاستعمار فإن كل تدفق بشري ستكون له نفس الأهداف.. والواقع أن الزيادة الديمجرافية لم تكن عبر التاريخ سببا رئيسيا في التقدم أو الانتصار، ولا كانت موضوعيا كذلك، وإلا لسجل التاريخ احتلال الهند لإنجلترا وليس العكس واحتلال الكونغو لبلجيكا وليس العكس، بل ولاحتلال العرب لإسرائيل وليس العكس وقس على ذلك.. ومع ذلك فإن للزيادة الديمجرافية دورا إذا ما واكبتها شروط موضوعية للتأثير في الواقع السياسي والاقتصادي كما يمكن أن يحدث بالنسبة للمسلمين إذا ما أحسن توجيه قدراتهم البشرية، ليس باتجاه العنف أو الإرهاب كما تريد أن تصور لنا بعض التحاليل الغربية إنما باتجاه استعادة المكانة الحضارية للأمة في المستقبل وتعزيز قدرة الممانعة لديها واستعادة حقوقها المسلوبة وكرامتها المهانة في أكثر من موقع. صحيح إن كتاب «العلميون يتكلمون» لصاحبه جان بورجوا بيشا يتنبأ أن القرن الواحد والعشرين سيعرف لأول مرة في التاريخ الغَلبة العددية للمسلمين على باقي الديانات الأخرى، حيث سيصبح عدد المسلمين في نهاية هذا القرن في حدود معدل عمر يساوي 75 سنة، أكثر من 4.412 مليارات نسمة، مقابل 2.228 مليار نسمة للمسيحيين و1.481 للصين و2.890 لبقية العالم. و صحيح أن الكتاب يقول انه مع بداية القرن الثاني والعشرين سيبدأ العدد الإجمالي للمسيحيين لأول مرة في التاريخ في الانخفاض ليصبح 1.980 نسمة، في الوقت الذي سيستمر فيه المسلمون في تزايد ليصل عددهم إلى 5.853 مليارات أي إلى43.3% من سكان المعمورة والصين إلى 1.975 مليارات نسمة من سكان المعمورة وبقية العالم إلى 3.47 مليارات نسمة. بما يعني أنه في هذه الفترة سيصبح على الكرة الأرضية بين كل فردين، مسلم واحد على الأقل. إلا أن هذا لا يعني شيئا إذا لم تواكب هذه الزيادة تحولات عميقة في واقع المسلمين. يقول الباحث الاستشرافي المغربي الدكتور المهدي المنجرة في كتابه «ماضي المستقبل ومستقبل الماضي» هذه الأرقام تشير إلى احتمالات عديدة يتوقع أن تحدث في المستقبل خاصة إذا ما أضفنا إلى العدد المجرد عدة عناصر أخرى ذات صلة بمعدل السن والتوزيع الجغرافي والموقع الجيوستراتيجي الذي تحتله هذه الكتلة البشرية الإسلامية عبر العالم. فالنسبة الكبيرة للمسنين في الشمال حيث نسبة النمو المتوسطة لا تزيد الآن على 0.61%، ستضطره في العقد الحالي إلى استقدام عدد معتبر من المهاجرين لمكافحة ظاهرة الشيخوخة، وتبني مزيد من الأجانب خاصة ذوي المهارات العالية والمبدعين حتى يحافظ على نموه الاقتصادي. وهي ظاهرة قلما أشارت إليها التحاليل الغربية التي عادة ما تصف العلماء المسلمين المهاجرين بالفارين من بلدانهم وليس بالمستقطبين بطريقة أو بأخرى، باعتبار أنما يحدث أحيانا في بلدانهم من أسباب تدعو إلى الفرار هو من افتعال الغربيين ذاتهم لتحقيق مثل هذه الأهداف من بين أهداف أخرى.. ويمكننا أن نضيف أن انتشار المسلمين في وسط الكرة الأرضية ستضطر العالم إلى التعامل معهم في أي اتصال بشري بحكم العلاقات التاريخية التي بينهم وبقية شعوب الجنوب، وهو اتصال لا مفر منه حتى في ظل التطور الهائل لوسائل الاتصال، باعتبار أن العامل البشري، والاتصال المباشر يبقى في آخر المطاف هو العامل المحدد في مختلف العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية، وتبقى التكنولوجيا أداة مساعدة للإنسان لا محددة لسلوكياته. ومن غير الإشارة إلى أهميتهم كمنتجين وكسوق واسعة، ولا للثروات المادية التي يتوفرون عليها، ولا للتحول التدريجي نحو محو الأمية وتشجيع تعليم المرأة، ولا لتشكل نخبة عالية التأهيل بين شبابه، وكذلك من غير الخوض في متاهات الحديث عن مظاهر التخلف في العالم .. والتي لا يخلو مقال منها، وقد أدركتها حتى الفئات غير المتعلمة من المسلمين بسبب الكم الهائل من المعلومات التي تتحدث عنها.. فإننا يمكن أن نقول انه إذا ما كانت هناك حقيقة في العالم الإسلامي ينبغي إبرازها والتركيز عليها هي هذه المتعلقة بالإنسان، فإذا كان النمو الطبيعي لمجتمعاتنا وتقاطع عدة عوامل بسيكولوجية واقتصادية واجتماعية وبيئية أدت إلى هذا التزايد المطرد في عدد السكان، فإن النتيجة التي سيسفر عنها ليست هي حتما: جيل من الإرهابيين سيقضون مضاجع العالم ويهزون أركانه، وليس هي حتما التحول نحو قتل الأبرياء أو الانتقام من الحضارة أو حتى الصدام القاتل، إنما يمكن أن تكون على عكس ذلك تماما: جيل يعيد حقوق هذه الأمة المغتصبة أولا، ثم يعيد إلى هذه الإنسانية التي أغرقتها الحضارة الغربية في الجزء المجهول من إنسانيتها، ويلعب دوره الحق كطليعة تنتمي إلى حضارات الشرق التي منذ أن وجدت لم يكن همها إلا الإنسان كمنطلق وكغاية.. وبعد ذلك لا يهم إن كان هذا الإنسان يعد بالمئات أو بالآلاف أو بالملايين.. بقلم: د. محمد سمير قلالة ـ استاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية بجامعة الجزائر