ان الأمة الإسلامية مستهدفة بوجه عام شئنا أو لم نشأ بمحاولات متعددة ومن جهات مختلفة تبدو في نهايتها وكأنها محاولة منظمة للنيل من الإسلام وشريعته السمحاء، بل ويرجع أحد الأسباب في ذلك، إلى أننا كمسلمين في دعم هذه الحملة نقدم لها - صباح مساء - مادة قوية تساعد على طرح الصورة التي يروجون لها والفكر الذي يدعون إليه وبكل صراحة هناك محاولة لربط العالم الإسلامي بكل أشكال التخلف الاجتماعي والقهر السياسي والمشكلات الاقتصادية، على الرغم من ثراء العالم الإسلامي وفيض الطبيعة عليه بثروات لا تخفى علينا جميعا. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تبدو الأمور هكذا اليوم ؟ لابد من عودة سريعة إلى الماضي، ان المواجهة بين الشرق المسلم والغرب لها جذور تاريخية معروفة لدينا جميعا ولسنا من دعاة التعصب أو من هواة تقسيم الناس، وتصنيف أنواعهم .اننا نؤمن كما علمنا الإسلام أن العقيدة حق لمعتنقها وأنه لا إكراه في الدين وأننا جميعا متساوون كبشر ولكن القضية الحقيقية التي تطرح نفسها هي أن الإسلام يبدو أمام العالم ليس كمجرد الدعوى العظيمة التي وجهت إلى الناس كافة منذ قرون عديدة إنما ينظر إليه باعتباره ظاهرة سياسية أثرت على الماضي وتؤثر في الحاضر ويمتد تأثيرها متزايدا في المستقبل لذلك كان لابد أن ندرك حتى ولو كان إدراكنا متأخرا أن دورنا أصبح حتميا في إبراز الصورة الحقيقية للإسلام بمساحته ورحابته، في عمقه وإرتباطه بالحياة ماضيا وحاضرا ومستقبلا ولم يبق في الإمكان أن نمضى في صمت في مواجهة كل المحاولات المستمرة التي توجه إلى العالم الإسلامي وإلى شعوبه ولاشك أن هناك أمورا تساعد على ذلك ربما بدأها غيرنا ولكن انسقنا إليها بوعي أو بغير وعي وأولى هذه الظواهر هو ذلك التمزق الذي حل بالعالم الإسلامي وجعل صورتنا في أعين غير المسلمين صورة ترتبط بالصراع والصدام والإنقسام المذهبي أحيانا والإختلاف السياسي أحيانا أخرى. اننا نعيش فترة حرجة وحاسمة في تاريخ العالم إذ أن التغيرات متلاحقة والأخطار محدقة والتطورات متتابعة على نحو يغري بالتأمل ويثير كل نوازع التفكير ويدفع إلى التساؤل حول مستقبل العالم الإسلامي، وأين نحن من هذه التطورات التي توحي بأن حربا قد بدأت ولكن أحدا لا يعرف نتائجها وهل يا ترى نحن في مواجهة حصار جديد يطبق على أطراف العالم الإسلامي ويعيد إلى الأذهان ذكريات المواجهة التي جرت في العصور الوسطى بين الشرق المسلم والغرب المسيحي وكأن الإنسانية تكرر عذاباتها من جديد، وتقدم على الساحة صورة الماضي بكل مآسيه وآلامه؟ نرجو ألا يكون هذا التصور صحيحا وان كانت هناك شواهد قد لا توحي بإنعدام هذا التصور إذ أننا نرى اليوم أن الخلفية التاريخية للصراع الطويل والمواجهة الحادة التي عرفها الإسلام مع خصومه تكاد تعود مرة أخرى بشكل مختلف وألا فكيف يا ترى نفسر أن النسبة الكبرى من صراعات العالم اليوم تقع على الأرض الإسلامية، وكيف نفسر ما يجري من صراعات تمتد على خريطة الدنيا وأركانها الأربعة بحيث تستأثر الأرض الإسلامية بأكبر قدر من هذه الصراعات والمواجهات فهل هذه مجرد مصادفة لأحداث التاريخ مردها يعود إلى طبيعة الشعوب الإسلامية ومعاناتها أم أن الأمر تحكمي وموجه من جانب القوى المسيطرة على عالم اليوم في ظل شكله المستحدث الذي يسمح بالحديث عن نظام عالمي جديد. فالإسلام أرحب الرسالات السماوية وأكثرها إتساعا وأوفرها ثراء بكل معاني تنظيم الحياة وتحديد أشكال التطور البشري في مراحله المختلفة، بحيث أصبحت للإسلام نظرة في كل ما يجري على الأرض من حياة يومية أو نظره مستقبلية، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف نفسر هذا الذي نحن فيه، هذا الإرتباط الواضح في أذهان غير المسلمين،بين الإسلام والتخلف، بين الإسلام وغياب الحريات، بين الإسلام والتدهور الاقتصادي، بين الإسلام وتبديد الثروات، بين الإسلام وخسران المعارك. لابد أن شيئا ما يقع في جانب معين وتتمركز فيه الحقيقة بجوهرها الخفي، لأن الإسلام بشريعته السمحاء وجوهره الحنيف، يبدو أبعد ما يكون عن هذه الممارسات التي أدت نتائجها إلى ما يعاني منه المسلمون اليوم، الإسلام بكل مشكلات المسلمين المعاصرة وأفاق المستقبل المغلق أمامهم، والتي تؤدي إلى نتيجة واحدة يجب أن تكون لدينا الشجاعة للمواجهة، ولا يجب أبدا أن نمضي في ترديد مقولات طالما رددناها لقرون عديدة سمحنا فيها لأنفسنا بأن نسبح ضد التيار لا تيار العصر وحده ولكن تيار روح الشريعة ذاتها. إن الإسلام أكثر الشرائع تقدما ورغبة في التطور وتأكيدا لقيمه العمل ورغبة في التفوق وحثا على الإنتاج، ودعوة إلى التميز والامتياز، الإسلام بكل ما جمعت لديه من صفات وما ترك لدينا من ميراث ثقافي وروحي، يبدو اليوم في مواجهة حادة مع خصومه، أكثر من أي لحظة مضت في التاريخ على إمتداد أربعة عشر قرنا، أنه يبدو اليوم على أعتاب مواجهة حقيقية نتيجة للصورة التى بدأت تتبلور عن المسلمين في أعين المسلمين، تغذيها أحيانا دعايات مسمومة أو آراء مرجفة أو محاولات للمبالغة وتصوير الأمور على غير ما تكون عليه. فالربط بين الإسلام والعنف السياسي والربط بين الإسلام والإرهاب والاغتيالات وخطف الرهائن وسفك الدماء والخروج من روح الإسلام التي يعرفها غير المسلمين ممن أطلعوا على ثقافة المسلمين وآدابهم وحضارتهم، غدا اليوم أكثر تواترا وشيوعا، إذ أن هناك تباعدا حقيقيا بين روح الإسلام بكل ما تحمله من معانٍ وما تدل عليه من آراء وأفكار وإتجاهات، وبين الممارسات الحقيقية للشعوب الإسلامية. وكأن عبارة الأمام المستنير محمد عبده تطل علينا صباح مساء، حين ذهب إلى الغرب ورأى فيهم من خصائص الإلتزام بالنظام والنظافة والحرص على صدق الكلمة والوفاء بالوعد، ما جعله يقول: لقد وجدت هنا مسلمين بلا إسلام وتركت هناك إسلاما بلا مسلمين: أن جوهر هذه العبارة لايزال حتى اليوم يعطي الصورة الحقيقية لمواجهات العالم الإسلامي مع غيره ويصور بحق طبيعة المعاناة التي نواجهها اليوم على أرض المسلمين في مختلف بقاع الدنيا. ان صورة الإسلام نحن كلنا مسئولون عنها بالدرجة الأولى، ولا نعفي أحدا من المسئولية. وإذا أردنا أن نخرج من دائرة الظلام وأن نتجاوز عنق الزجاجة فلابد أن نواجه الحقائق في صراحة وفي وضوح، وأن نتخلى عن إزدواج الشخصية التي جعلتنا في قرون طويلة عبارات في العلن تختلف عن ممارساتنا الحقيقية وعن تصرفاتنا اليومية. دعونا نعترف بأن الصراعات وأشكال العدوان التي تجري اليوم على أرض المسلمين إنما هي نتاج لممارسات خاطئة في سنوات طويلة ندفع اليوم الفاتورة أو الحساب لها بشكل لم يحدث من قبل. ولكن هل هذه النظرة إلى الإسلام هي وليدة هذه الممارسات الخاطئة والتجاوزات لروح هذا الدين الحنيف فحسب أم أن هناك شعورا يمثل ميراثا تاريخيا طويل المدى لأصداء المواجهات القديمة بين الإسلام وبين خصومه الأمر عندي هو الإثنان معا، ولكن نحن مسئولون بالدرجة الأولى عن الجزء الذي يمثل الأبلغ الاعم من أسباب هذه المواجهة بكل وضوح ودون مواربة. ان فضل العرب المسلمين الذي ترك آثاره على أوروبا في عصورها المظلمة السحيقة ودور العرب المسلمين بل ودور المسلمين بوجه عام في الدراسات الإنسانية والتطبيقية، كان لكل ذلك آثاره في تقديم الإسلام الحقيقي للغرب بشكل قد يؤدي إلى نوع من الحساسية ولكنه يقبل في النهاية درجة من درجات التعايش التي كان يجب لها أن تستمر وأن تطول ولكن الذي حدث في نصف القرن الأخير على الأقل أن نغمة الأصولية الإسلامية في العالم الإسلامي لم تمض على النحو الذي يتواكب مع روح العصر ومتطلباته. نعم هناك بحث في الجذور وهناك عودة إلى الأصول في كل حضارات الدنيا، وفي مقدمتها بالطبيعة الحضارة الإسلامية العربية، ولكن هذه العودة بدت عودة إلى الماضي تمتدح الأصول وتتباكى على الجذور، دون أن تدرك أن السباحة ضد التيار أمر غير مجد، فإذا أردنا التقدم فعلينا أن نأخذ من الأصول والجذور ما يدفعنا إلى الأمام لمواجهة حياة العصر وتطوراته. ان المسلمين مطالبون بالأخذ بنسبية الأمور ومواجهة الحقائق على النحو الذي يسير عليه العالم، فإننا لسنا وحدنا في عالم اليوم، ولسنا وحدنا صانعي سياسات وواضعي أسس ومحركي أمور، وإنما نحن جزء هام وحيوي من العالم الذي يعيش فيه مئات الملايين غيرنا. والجهاد الذي يستهوي النفوس ويشحذ العزائم ويدفع المسلمين بكل الحماس إلى ساحات المواجهة، هذا الجهاد له مفهوم نسبي أيضا، أن الجهاد لم يعد سيفا أو سلاحا ، لم يعد معركة عسكرية أو مواجهة عنيفة الجهاد في ظني بالنسبة للمسلمين الآن هو التفوق العلمي في جميع المجالات والتوجه لاقامة الدولة العصرية القوية سياسيا وثقافيا واقتصاديا، والتي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية أن الإسلام دعا إلى التحرر والحرية بكل معانيها الروحية والمادية وهذه الدعوة لم تكن دعوة حديثة لظروف زمان ومكان معين ولكنها تركت للأمة الإسلامية القيام بأساليب هذا الجهاد وبكيفية لزومه وفقا لظروف كل زمان ومكان. فالجهاد الإسلامي اليوم هو جهاد من نوع مختلف جهاد يدرك طبيعة المتغيرات من حولنا ويلم بالظروف في عالمنا ويتحرك بوعي وواقعية، فيفكر اليوم ويؤجل إلى الغد، ويقدم ويؤخر ويعطي أولويات ويسمح ببعض التجاوزات من أجل تقدم المسيرة الإسلامية في عالم اليوم أما أن نصور الجهاد على حسب الأحداث الفردية للعنف السياسي هنا وهناك فتلك ضربة قاصمة لروح الإسلام الحنيف وسماحته العظيمة ان الإسلام دعوة إلى المنعة وإلى القوة وإلى الأخذ بأسبابها، الإسلام جعل للعلم مكانه عالية واعتبر التفكير فريضة اسلامية. ولذلك فإنه يجب علينا أن ندرك طبيعة التحدي الذي نعيشه، ولا يخفى علينا، وهذا أمر لا يجب أن نتجاهله، أننا نعيش عصر الحضارة الغربية المسيحية، وهي صاحبة التفوق الفني والتكنولوجي في عالم اليوم بينما كانت لنا وللمسلمين الأوائل إرهاصات التقدم العلمي والكتابات المبكرة في كل فروع المعرفة ودراستها. ان الإسلام لم يقل أبدا بالمطلق فلم يدفع الناس دفعا إلى أن يناطحوا العالم أو أن يبدأوا أمرا قبل أوانه أو أن يقفزوا على الحقائق ان الإسلام دعوة صريحة للممارسة السياسية الهادئة التي تعتمد على الحكمة الرفيعة المستمدة من الشريعة السمحاء. ان المؤامرة - إذا صح التعبير - التي تواجه الإسلام منذ قرون عديدة، تبدو اليوم وقد أخذت من دعوات العنف والمواجهة بالقوة في بعض الأقطار الإسلامية، وبعض أفكار الغلاة من دعاة الحركة الأصولية الاسلامية، مادة للنيل من الإسلام والكيد له ولذلك فإن علينا أن نقطع هذه الدائرة بضرورة الأخذ بكل ما هو نسبي في الحياة، وربط كل الأمور بظروف الزمان والمكان، والبعد عن التفكير المطلق المجرد، الذي لايمكن أبدا الا أن يكون نوعا من الترف الدوجماتي غير القادر على معالجة وقائع الحياة وحقائقها، علينا أن ندفع بكل الإيجابيات من حولنا لتقديم الإسلام المتقدم على عصره القادر على تفهم أساليب الحياة المواكب لروح الحاضر بل والمستقبل حتى نكون قادرين على أن نعطي الصورة الحقيقية للإسلام، كما جاءت بها دعوته منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. إننا أشد ما نكون حاجة إلى الاقتراب من جوهر العقيدة الدينية للإسلام والإحساس العميق بروح الرسالات السماوية حتى يتحول الإيمان إلى سلوك في حياتنا ويصبح التدين حقيقة موضوعية وليس مظاهر شكلية فالإسلام دين يدعو إلى التفكير والتدبر، ويؤكد سيادة العقل، ويرفض التعصب، وينبذ العنف، ويواجه كل محاولات الحقيقة أو تعتيم الرؤية. بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب سياسي مصري