مما لاشك فيه ان العالم ومنذ نشأة الامم المتحدة تفاءل خيراً بقوانينها الجديدة التي تدعو بشكل مباشر الى الحفاظ على الامن والسلام ولا تميز بين الغني والفقير ولا الضعيف والقوي على مستوى الدول والافراد والجماعات، ورغم كل ما يقال عن تجديد بروتوكولات الامم المتحدة والدعوة الى تحديث مؤسساتها وقوانينها إلا ان الواقع يفرض علينا نظريا ان نعترف بأن قوانين الامم المتحدة التي صيغت قبل اكثر من خمسين عاما مازالت «وعلى الاقل» في اكثريتها صالحة لهذا الزمان بشرطها الداخلي القائم ودون المؤثرات التي تفرض عليها عدم المصداقية وتحد من شرعيتها بشكل كبير، مما دعا بعض المهتمين بالشأن الدولي الى المناداة والصراخ المحق بتعديل قوانينها كي تتلاءم مع عصرنا الحديث وخاصة فيما يتعلق بالدول دائمة العضوية في مجلس الامن التي استطاعت من خلال قدرتها العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية ان تنصب نفسها على مصير الشعوب والدول باستخدامها حق النقض «الفيتو». تتداخل مع الشرعية الدولية التي تمثلها الامم المتحدة مع الظروف الدولية بشكلها السياسي والجغرافي، ففي الحقيقة الواضحة نرى تاريخياً ان الانتصار الذي حققه الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية قد اعطاها قوة اضافية بل لعلها استثنائية ضمن تلك الدول التي تعتبر نظامها السياسي نظاماً عريقاً رغم حداثة النشأة في بعضها كالولايات المتحدة، ولكن هذا الوضع وتلك القوة التي ظهرت في الاتحاد السوفييتي جعلت العالم يعيش ثنائية قطبية تختلف احداها عن الاخرى في توجهها الايديولوجي فنتجت عن هذه الثنائية ما سمي بالحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية. وبقى الوضع كذلك حتى انهار الاتحاد السوفييتي ليغير خارطة العالم الجوسياسية بظهور البروسترويكا «الروسية» التي لم تخفق فقط بل قدمت تجسيداً عملياً لانهيار الاتحاد السوفييتي وظهور روسيا الاتحادية التي لم تستطع الصمود اقتصاديا وعسكريا امام القوة الامريكية المدعومة بالاقتصاد وبنظرية السيطرة، ولكن العالم تفاءل بتعددية قطبية بعد ان تسللت النمور الآسيوية الى حلبة الصراع الاقتصادي وتكتلت اوروبا في اتحادها واثبتت اليابان قدرتها على الوقوف امام هزات الرياح الاقتصادية العالمية، وبالرغم من ذلك الدفع الذي احسته تلك الدول إلا ان النظام العالمي الجديد تحول بشكل سريع الى النظام الاحادي «العولمي» الذي جير هذه التغيرات لمصلحته ضاربا بعرض الحائط كل القوانين الاخلاقية اولا والدولية ثانيا، وطرح بشكل علني مفهوم قوة السيطرة العسكرية وبدأت ألسنة زعامته تطلق التصريحات النارية المتحدية التي تعدد تعبيريا لكنها صبت في بحر السيطرة الامريكية مما دعا وارين كريستوفر وزير الخارجية الامريكي الاسبق الى القول: ان الولايات المتحدة ستواصل قيادتها للعالم وهي مستعدة لحماية مصالحها في اي مكان وفي اية لحظة.. وفي حالة الضرورة سوف نتصرف بمفردنا». ولعل هذا القول يوضح بشكل مبدئي مفهومين: الاول انها مستعدة لحماية مصالحها في اي مكان وزمان وليس مصلحتها وامنها في ارضها والثاني ان الولايات المتحدة لا يمكن لها ان تنظر للشرعية الدولية بأي عين فهي ستتصرف بمفردها مما يعني انها بقيادتها للعالم تلغي دور الشرعية الدولية وما وقعت عليه من قوانين وقرارات وهي بذلك تتحدى العالم فكيف بها لا تتحدى المادة 25 من ميثاق الامم المتحدة التي تقول «يتعهد اعضاء الامم المتحدة بقبول قرارات مجلس الامن وتنفيذها وفق الميثاق» وهل هي لا تخالف المادة 21 التي تنص على مبدأ المساواة والسيادة بين الدول الاعضاء!! قوانين خاصة ما من شك ان الولايات المتحدة كانت تريد ان تظهر للعالم امرين متناقضين الاول القوة والثاني الانسانية، فقد وقعت ـ متطفلة ـ على مجمل قوانين الامم المتحدة وبالطبع ليس على كل قراراتها حتى الصادرة منها، والاطرف من ذلك انها تساعد وتساند وتساهم في بعض المواثيق الدولية ذات الشكل الانساني فقد وقعت بالاضافة الى كندا ومع 33 دولة اوروبية ميثاق باريس الذي يتضمن مما يتضمنه احترام السيادة الدولية وعدم اللجوء الى استخدام القوة او التهديد بها، وبالمقابل ينادي بحل القضايا والنزاعات الدولية بالطرق السلمية ولعل هذا الميثاق هو صورة غير معدلة كثيرا عن ميثاق الامم المتحدة، ولكن واقع الحال يؤكد عدم مصداقية الولايات المتحدة في كل ما توقع عليه، فهي على سبيل المثال همشت الامم الامتحدة وشرعيتها الدولية بقوانين خاصة وللاسف استطاعت ان تنشر بعضها عالميا وتؤثر على دول كثيرة كي تؤيدها في هذه القوانين وهي في الواقع قوانين خاصة بالسياسة الامريكية ضد الدول التي تدعوها ادارة الولايات المتحدة بـ «المارقة» المشاكسة، الارهابية»!! ونذكر من هذه القوانين: قانون «هيلمز» ضد كوبا، وقانون «ميرلرن» ضد كوريا الشمالية، وقوانين «داماتو» ضد ليبيا وايران. عولمة الشرعية لم تقتصر الولايات المتحدة على هذه القوانين بل تحولت القوانين اولا وعولمت الشرعية الدولية ثانيا، بفرضها هذه القوانين على مجلس الامن وفي الواقع فهي مرسومة ومعدة في الكونجرس الامريكي، الذي اعتمد شكلا آخر من مناداته في السيطرة الاحادية وهو شكل العقوبات. فالرئيس الامريكي بيل كلينتون وحده وفي زمن ولايتيه فرض العقوبات حوالي اربعين مرة وعلى اكثر من ثلاثين دولة في العالم ولكنه في المقابل لم يفرض مرة واحدة ايا من القوانين الدولية «الشرعية» الخاصة بالصراع العربي الاسرائيلي والتي بلغت حوالي 145 قراراَ!! ولكن جاء الكونجرس الامريكي ليعد لمجلس الامن وللشرعية الدولية مجموعة من قرارات العقوبات التي نفذتها الولايات المتحدة، ونصيبنا العربي من هذه العقوبات اصبح معروفا فهو ضد العراق، ليبيا، السودان، الصومال، اضافة الى العقوبات ضد الدول الضعيفة نسبياً وهي زيمبابوي، ليبيريا، هاييتي رواندا، سيراليون، انجولا وايضا ضد جنوب افريقيا سابقا ويوغسلافيا. الواضح ان تلك العقوبات التي ترضي الامبراطورية الامريكية قد نفذت بحجة الشرعية الدولية ولكن ألم تستطع الشرعية الدولية ان تمتلك القوة لفض النزاعات في الصومال وبوروندي ورواندا والكونغو وكل طلبات الصراع والتوتر في القارة الافريقية وهل عجزت الولايات المتحدة عن التدخل او ترك الامم المتحدة تتدخل لإطفاء بعض الحرائق، وليس كلها ـ في بؤر التوتر العالمية وخاصة في القارة الافريقية؟! لعل الاجابة عن هذا السؤال تكمن في عبارة واضحة وهي «العولمة الامريكية»، فالعولمة هنا تتمثل في الشركات المتعددة الجنسيات والاستثمارات الامريكية المتنوعة التي تمنع الامم المتحدة من ممارسة دورها وشرعيتها وما هو مطلوب منها اصلا لتتوج المصلحة الامريكية. والقادم قريب امام العالم منطق واضح واصبح ساطعا هو العولمة التي تدخلت حتى في قرارات الشرعية الدولية وتداخلت معها، وهنا هل سيقف العالم باتجاهاته المختلفة امام الوحش الذي بدأ ينشر رعبه على الشعوب والامم ام انه سيقف مكتوفي الايدي؟! نستطيع الاجابة عن هذا السؤال من جانب اخر وهو الطريق التي تمارس فيها الولايات المتحدة دورها في العولمة فهي وقبل كل شيء تنتهك اسس ومباديء وقرارات وقوانين الشرعية الدولية، فهل ستفكر الامم المتحدة يوما بمعاقبة هذه الدول المتمردة والمارقة؟ إن الاجابة هنا تكمن في سخرية السؤال ولكن الواقع اذا ما أريد له ان يكون واقعا يبدو أكثر تفاؤلا باعتماد صيغ جديدة مقاومة للولايات المتحدة، خاصة ان بعض الدول والتكتلات الكبيرة في العالم بدأت تشعر بالخطر يدق صدرها وبدأت تدرك ان الشرعية الدولية مرتبطة بالكونجرس الامريكي وحتى بالبنتاجون والمخابرات المركزية الامريكية ومراكز البحث في الولايات المتحدة، وهذه الصورة التي ادركها العالم باتت المسيطر الرئيسي حتى على زعماء العالم الذين حضروا قمة الالفية الجديدة ودعوا الى تفعيل دور الامم المتحدة واستقلالية قراراتها والحفاظ على شرعيتها ولكن نتساءل أيضا هل ستبقى تلك الكلمات في موضع التنفيذ؟! الاعتقاد المر والمتشائم يقول عكس ذلك، فالضغط الامريكي على الشرعية الدولية سيستمر ما دامت الولايات المتحدة تسير حتى الآن بخطوات واثقة نحو العولمة التي بدأت تفرضها حتى على الأقوياء ولكن لا يستطيع العالم أن يعيد ويبني هيئات الامم المتحدة ويفرض شرعيتها اذا لم يقف بتكتلاته في وجه المد العولمي الامريكي، فالدولة بصغرها وكبرها مطالبة الآن ان تقدم كل ما لديها من قوة ومهما كان شكل هذه القوة لتدافع عن نفسها أولا، وفي هذا الدفاع المتعدد الجوانب هجوم حقيقي على السيطرة الامريكية واعادة صريحة لدور الشرعية الدولية العاجزة عن تنفيذ قراراتها التي لا ترضي ولا تتماشى مع التوجه الامريكي بصورته الواضحة، فهل سيستيقظ العالم لنرى يوما جديدا تعلن فيه الدول عقوباتها على الولايات المتحدة كاسرة حق الفيتو الامريكي ومحطمة موج العولمة؟! علنا نرى موجة الأمل؟! دمشق ـ يوسف البجيرمي: