خسر شعبنا وحركته الوطنية، وكذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قائداً وطنياً وشعبيا كبيرا متمرساً في النضال الوطني، اتسم بدماثة خلقه، وبسعة أفقه كسعة مرج إبن عامر، وكان مقداما وصلباً كصلابة صخور عرابة. كان دوماً يغلب المصالح الوطنية العليا على أية مصالح فئوية أو شخصية، وكان مخلصاً لأفكاره ويتفانى في الدفاع عنها والعمل من أجل تحقيقها، وكان معطاءً مخلصاً لأصدقائه ورفاقه يمتاز بنكران الذات ويحارب الامتيازات والوساطة ويكره النفاق، متواضعاً وبسيطاً؛ كغالبية أبناء شعبه، حيث كان ملتصقاً بهم يحبهم ويتفانى في خدمتهم. كان لقائي الأخير مع «أبو علي مصطفى» مساء يوم السبت الموافق 25/8 في الاجتماع الأسبوعي للقوى الديمقراطية الفلسطينية الذي عقد بمدينة رام الله قبل أقل من 48 ساعة على استشهاده صباح يوم الاثنين الموافق 27/8/2001. وكالعادة، في نهاية الاجتماع، تداولنا في تحديد مكان الاجتماع التالي واقترحت مازحا على «أبو علي مصطفى » عقده في مكتبه؛ فكان رده الفوري «الله يخليكم اعقدوه في مكان آخر أكثر أمناً من مكتبي حتى لا نتعرض جميعاً للقتل لأنه معرض للقصف من قبل العدو الإسرائيلي» . ولكنه، كعادته، بقي مصراً على تقدم الصفوف يرفض الاختفاء في وقت الحروب والشدائد، كما كان حريصاً كأمين عام للجبهة الشعبية على متابعة مهامه اليومية في إدارة الشئون السياسية والتنظيمية والجماهيرية للجبهة في داخل الوطن وخارجه، وبحكم موقعه القيادي المتقدم في صفوف الشعب والثورة والمنظمة كان يحرص على المشاركة الشخصية في جنازات الشهداء وفي المسيرات الشعبية. هكذا كان سلوك «أبو علي مصطفى» طيلة العام الأول للانتفاضة:يتقدم الصفوف إلى جانب رفاقه وإخوانه من قادة القوى والمؤسسات الوطنية والديمقراطية والإسلامية برغم كل المخاطر وتهديدات العدو له وللقيادات الأخرى.وهذا السلوك الثوري والمقدام اتسم به الشهيد طيلة حياته: منذ بداية انخراطه في صفوف العمل الوطني بمنتصف الخمسينات في حركة القوميين العرب، ومن ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولدنا ونشأنا في بلدتنا عرابة في محافظة جنين في بيئة نضالية واحدة، حيث كان والده (الحاج علي الزبري) يعمل في سكة الحديد في حيفا، ووالدي (الحاج رأفت حمدان) يعمل في مصفاة البترول في حيفا، وكانا، رحمهما الله، يسكنان في حيفا، ومن تلامذة الشيخ عز الدين القسام :قائد الثورة الفلسطينية في عام 1936، ومن رواد « مسجد الاستقلال » :مركز دعوة القسام وأتباعه. وكانا عضوين بارزين في نقابة العمال العرب في حيفا التي كان يترأسها زميلهما الشهيد النقابي البارز وابن عرابه البار « الشهيد المرحوم سامي طه » .وبعد نكبة عام 48 عادا إلى عرابة بعد أن خسرا كل شيء في حيفا؛لبناء حياتهما من جديد، وليكدا في العمل والزراعة من أجل تدبير لقمة العيش لأسرتهما . عندما انتقل أبو علي عام 1950 مع بعض أفراد أسرته إلى عمان، ليتابع تعليمه ويبدأ حياته العملية هناك، لم أكن أتذكره جيداً لأنه كان أكبر مني بسبع سنوات وما زلت طفلاً صغيراً ولكن بحكم علاقة وصداقة الوالدين اللذين لم يكونا يلتقيان إلا يوم الجمعة في المسجد، وزمالة الدراسة التي باتت تربطني مع شقيقه « تيسير» كنت أتابع أخباره، وخاصة دوره البارز في المظاهرات التي اجتاحت عمان إبان العدوان الثلاثي على مصر، وكذلك في المواجهات التي خاضتها حركة القوميين العرب والحركة الوطنية الأردنية ضد حلف بغداد، ومن أجل إلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية، وتعريب قيادة الجيش وطرد الضباط الإنجليز من قيادته وعلى رأسهم كلوب . وتابعنا في عرابه بقلق كبير اعتقاله في عام 1957 إثر إعلان الأحكام العرفية في الأردن وحل البرلمان واقالة حكومة سليمان النابلسي، وكنا بكل فخر واعتزاز نتابع صموده البطولي طيلة فترة اعتقاله في سجن الجفر الصحراوي الذي أمضى فيه خمس سنوات . وفي نهاية عام 1961 أطلق سراح أبي علي وعاد إلى عرابة وكانت فرحتنا كبيره بعودته حيث احتضنته البلدة وأصبح المسئول الأول عن حركة القوميين العرب في شمال الضفة :جنين وقضائها، وفي البداية افتتح مكتبة لبيع الكتب والمواد القرطاسية في وسط البلدة واتخذها مقراً لمتابعة عمله السري في قيادة وبناء الحركة في المنطقة . وفي هذه الفترة بدأت أتعرف على أبي علي عن قرب، وأعمل تحت قيادته وبناء على تعليماته، كما بدأت مع طلبة آخرين في بناء التنظيم الطلابي لحركة القوميين العرب في منطقة جنين . وبعد أن نجح أبو علي في بناء خلايا للحركة في عدد من القطاعات الجماهيرية، وفي مدينة جنين وعدد من البلدات والقرى في المنطقة إضطر للانتقال للعمل في مدينة جنين حيث افتتح محلاً لبيع المواد الزراعية: من بذور وسماد ومواد كيماوية، واتخذه كمركز سري لادارة العمل القيادي للحركة .وفي هذه الفترة انتقلت في العام الدراسي 62/63 للدراسة في الصف الثاني ثانوي في (مدرسة جنين الثانوية )وسكنت في مدينة جنين، واستطعنا أن نبني منظمة طلابية في مدرسة جنين وعدد من مدارس البلدات والقرى في المنطقة، وتم إسناد مسئولية متابعة المنظمة الطلابية لي تحت إشراف وقيادة أبي علي مصطفى. وفي هذه الفترة نظمنا، بناء على توجيهات أبي علي، مسيرات وفعاليات جماهيرية في مدينة جنين ترحيباً بانقلاب السلال ضد الإمام أحمد في اليمن، وباستقلال الجزائر في نوفمبر عام 1962 . وكان لانتصار الثورة في الجزائر أثر كبير على توجهات أبي علي اللاحقة وتركيزه على بناء التنظيم العسكري واستعجال العمليات ضد إسرائيل . وفي العام الدراسي 63/64 انتقلت للدراسة في (كلية النجاح)الوطنية في نابلس، ولكن، بناء على طلبه، بقيت أتابع مسئولية المنظمة الطلابية في منطقة جنين.وبعد انعقاد المؤتمر الأول لإقليم فلسطين في حركه القوميين العرب في بيروت بنهاية عام 1963 بدأ أبو علي، منذ مطلع عام 1964، يولي الاهتمام الرئيسي لبناء التنظيم العسكري (منظمه شباب الثأر) في الضفة الغربية، وكان دائم التنقل إلى عمان، وفي عموم أنحاء الضفة الغربية لإنجاز هذه المهمة المركزية استعداداً للبدء في ممارسة العمل المسلح ضد إسرائيل.واستطاع أبو علي أن يستقطب عدداً كبيراً للتنظيم العسكري في منطقة جنين من كبار السن وممن لهم خبرة في هذا المجال، ومعرفة في المناطق داخل إسرائيل، ولديهم علاقات تاريخية مع الأهل في مدن وقرى الجليل، وأذكر من بينهم المرحوم (سليمان ارشيد) والد (النائب أحمد ارشيد) والمرحوم (الحاج أحمد أبو الصيصان ) والد الشهيد (خالد نزال ) والمرحوم (صالح دراغمة) والد النائب (هاشم الصالح) وعمي المرحوم (أنور مفلح حمدان ) وآخرين كثر من الذين ما زالوا أحياء حتى الآن وموجودين في المنطقة . وفي النصف الأول من عام 1964 لم أعد أراه كثيراً بحكم تنقلاته الدائمة ما بين عمان والقدس ونابلس ورام الله وجنين، وبحكم دراستي في نابلس؛لكنني أذكر عندما بدأ المرحوم (أحمد الشقيري) بزياراته إلى الضفة (بعد قرار مؤتمر القمة العربي الأول الذي انعقد في القاهرة في يناير 1964 بضرورة إنشاء الكيان الفلسطيني ) من أجل التحضير لعقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس- انهمك أبو علي مع أعضاء القيادة الأولى للحركة من عمان والضفة بالعمل من أجل التأثير على تركيبة المجلس الأول الذي عقد في القدس يوم 28/5/ 64 حيث تم تسمية عدد من قيادة وكوادر الحركة للشقيري، وشاركوا كأعضاء عاملين ومراقبين في الدورة الأولى للمجلس، وتم انتخاب الدكتور (وليد القمحاوي) ممثلاً للحركة في اللجنة التنفيذية الأولى للمنظمة. وعندما سافرت بصيف عام 1964 للدراسة المسجدية في مصر زودني أبو علي برسالة وبعنوان للاتصال بمسئول حركة القوميين العرب في الساحة المصرية في تلك الفترة (فرج )، وكذلك للاتصال ب ين (تيسير قبعة ) و(سعيد كمال )في اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين في القاهرة. وبناء على طلب من الرئيس جمال عبد الناصر واقتصار نشاط المنظمة على العمليات الاستطلاعية وقال لي « ها هي فتح قد أقلعت قبلنا » .وبعد عودته من مصر تولى مسئولية تشكيل المجموعات المسلحة في الضفة الغربية والأغوار وأصبح عضواً رئيسياً في قيادة العمل الخاص ( منظمة شباب الثأر)، وكذلك في قيادة الإقليم الفلسطيني -الأردني. وفي هذه الفترة بدأت العلاقات بالتدهور بين منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، وكذلك ما بين الحكم في الأردن والأحزاب والقوى السياسية العاملة فيه. وبعد أحداث السموع قامت أجهزة الأمن الأردنية بحملة اعتقالات واسعة في الأردن طالت القوى السياسية بما فيها حركة القوميين العرب وكذلك حركة فتح ومنظمة شباب الثأر لتشمل أبا علي مصطفى وعدداً من العاملين معه في الجهاز الخاص في الحركة (منظمة شباب الثأر) ، وقضى في الاعتقال عدة شهور إلى أن أطلق سراحه مع رفاقه الآخرين بدون محاكمة بعد هزيمة حرب 1967 . وتركت هذه الفترة في نفسه مرارة كبيرة، حيث انهار عدد من زملائه في قيادة حركة القوميين العرب وفي قيادات الحركة الوطنية، أثناء التحقيق، سواء في سجن الزرقاء العسكري أو في المخابرات العامة في عمان. وأدت الضربة الأمنية في عام 1966 إلى شبه انهيار للحركه الوطنية في الأردن بما فيها لحركه القوميين العرب، وبسبب الانهيارات التي وقعت في الإطار القيادي الأول للحركة أثناء الاعتقال قرر أبو علي مصطفى وعدد من رفاقه بعد خروجهم من السجن التوقف عن العمل القيادي واشترطوا على قيادة الحركة في بيروت إعادة النظر في كل الوضع القيادي للحركه في الأردن ومحاسبة واستبعاد كل من انهار أثناء الاعتقال. ولكن بعد هزيمة يونيو 1967، وبرغم الدمار والإنفلاش الذي أصاب حركه القوميين العرب في الأردن بعد الضربة الأمنية في عام 1966، قرر أبو علي مصطفى مع عدد من رفاقه العودة إلى العمل القيادي وبادروا للاتصال مع اللجنة التنفيذية للحركة بقيادة الدكتور جورج حبش في بيروت، وتم الاتفاق معها أن يتولى «أبو علي مصطفى» ورفاقه مسئولية إعادة بناء الحركة وتنظيمها العسكري « منظمة شباب الثأر »، والتحضير للمباشرة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة ومن الساحة الأردنية. وتشكلت قيادة عسكرية بقيادة «أبو علي مصطفى» وتولت إعادة تنظيم الصفوف واستقبال الكوادر والسلاح من سوريا وتأسيس قواعد في المخيمات والأغوار للتدريب والانطلاق إلى الضفة الغربية. وفي تلك الأيام تركت الجامعة وغادرت الجزائر وعدت إلى المنطقة والتقيت بالدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد في بيروت ودمشق، وطلبا مني الاتصال فوراً بـ «أبو علي مصطفى » في عمان لترتيب العودة إلى الضفة الغربية وللاتفاق على كل قضايا العمل القيادي والميداني في خضم التحضيرات لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقام الدكتور وديع بترتيب دخولي سرا إلى الأردن وفي نفس اليوم الذي وصلت فيه عمان، التقيت مع أبي علي و المرحوم أحمد محمود (أبو عيسى) و حمدي مطر. وتحدث «أبو علي مصطفى» معي حول الأولوية لإعادة بناء الأوضاع في الضفة الغربية استعداداً للانطلاق في مقاومة الاحتلال وضرورة تأمين الكادر والسلاح اللازم بأسرع ما يمكن إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وتم تزويدنا بالسلاح والعتاد والمتفجرات وبدليل، وعبرنا النهر وتوجهنا إلى منطقة جنين، ومن هناك تم توزيع الكادر إلى باقي مناطق الشمال، في نابلس وطولكرم وقلقيلية، وتم الاحتفاظ بالسلاح والعتاد في المنطقة. وبعد فترة وجيزة وصل أبو علي مصطفى على رأس مجموعة إلى الضفة وباشر بالإشراف على عملية البناء والتحضير لانطلاق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومكث عدة شهور وزار مختلف مناطق الضفة. وبعد عودته لعمان استكملت قيادة الحركة في دمشق وعمان المحادثات والاتصالات مع كل من «جبهة تحرير فلسطين» بقيادة الأخ أحمد جبريل، ومع مجموعة الضباط الأحرار في الأردن بقيادة الأخ أحمد زعرور، وتم الاتفاق معهما على تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع التنظيم العسكري لحركة القوميين العرب «منظمة شباب الثأر» و «منظمة أبطال العودة» ( وهي منظمة تم تشكيلها عام 1964 بالاتفاق ما بين الحركة وقيادة جيش التحرير الفلسطيني). وبعد تأسيس وانطلاقة الجبهة الشعبية في ديسمبر 1967 بقي «أبو علي مصطفى» العنصر القيادي الأول الممسك بكل الخيوط والمهام الرئيسية في الساحة الأردنية والداخل وكان شعاره « الداخل هو الأساس والخارج رديف ». لم يعمر الائتلاف طويلاً بين حركة القوميين وجبهة تحرير فلسطين والضباط الأحرار حيث انسحبت جبهة تحرير فلسطين بقيادة الأخ أحمد جبريل وشكلت الجبهة الشعبية « القيادة العامة » وكذلك انسحب الضباط الأحرار وبقيت الحركة وحدها بتنظيمها السياسي والعسكري تشكل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وبعد هزيمة يونيو 1967، وبحكم العلاقات الوثيقة التي ربطت حركة القوميين العرب بالنظام الناصري، بدأت تداعيات الهزيمة تلقي بظلالها على الحركة. بعد الانقسام الذي وقع في الجبهة ذهب كل منا باتجاه « أبو علي مصطفى » بقي في قيادة الجبهة الشعبية، وأنا ساهمت في تأسيس الجبهة الشعبية الديمقراطية وفي قيادتها، ووقع جفاء فيما بيننا لفترة وجيزة لا تتعدى أشهر قليلة. وبعد أحداث فبراير 1970 في عمان، التي شهدت اشتباكات مفتعلة من قبل القوات الخاصة في الجيش الأردني مع قوات المقاومة الفلسطينية، ازدادت المخاطر في الأردن على وجود حركة المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وتداعت فصائل المقاومة الفلسطينية وعقدت اجتماعاً في عمان يوم 11/2/1970 وقررت تشكيل القيادة الموحدة للعمل الفدائي، ومن ثم عقدت اجتماعاً هاماً في عمان يوم 6/5/1970، وشارك ممثلو جميع الفصائل في هذا الاجتماع، وكان من بين الحاضرين « أبو علي مصطفى » وقال في الاجتماع « برغم كل الخلافات القائمة فيما بيننا في مسائل عديدة ومواقفنا السابقة كجبهة شعبية في مقاطعة الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني في فبراير 69، والدورة السادسة للمجلس في سبتمبر 69، وتحفظاتنا على صيغة قيادة الكفاح المسلح والقيادة الموحدة للمقاومة في الفترة الماضية. وكان هذا الاجتماع من أنجح الاجتماعات التي عقدتها فصائل المقاومة في عمان حيث تم الاتفاق على عقد الدورة السابعة للمجلس الوطني في القاهرة في 30/5/1970، وتم كذلك تشكيل اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتم عقد الدورة السابعة للمجلس ما بين 30/4 ـ 5 /6/1970 وشاركت الشعبية بها رمزياً، من ثم شاركت في الدورة الاستثنائية للمجلس التي عقدت في عمان ما بين 27-28- أغسطس 1970، وبحكم موقعه كقائد عسكري أول للجبهة الشعبية، ودوره في إطار اللجنة المركزية للمنظمة لعب « أبو علي مصطفى » إلى جانب إخوانه في قيادات الفصائل الأخرى دوراً قيادياً بارزاً في قيادة قوات ومليشيات الجبهة الشعبية وحركة المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن المخيمات والمواقع الفلسطينية في مواجهة الحرب التي شنها الجيش الأردني في سبتمبر عام 1970 . وبعد توقف حرب سبتمبر وخروج القوات العسكرية الفلسطينية إلى أحراش جرش وعجلون عملنا معاً في إعادة تنظيم هذه القوات واتخذنا من أحراش جرش مركزاً لنا، واضطرت هذه القوات ان تخوض معركة الدفاع عن مواقعها على امتداد أسبوع كامل من 13 -20/7/1971 ومن ثم سقطت واضطر «أبو علي مصطفى» الانسحاب والمغادرة إلى سوريا . وبعد سقوط أحراش جرش وعجلون تم اعتقالي من قبل الجيش الأردني في جبال منطقة السلط، وقضيت ما يزيد عن سنتين في الاعتقال في مبنى المخابرات العامة في عمان ومعتقل الجفر الصحراوي وانقطعت عن العلاقة مع أبي علي مصطفى ولكن كنا نتابع أخباره من المعتقلين الجدد القادمين من سوريا ولبنان بين فترة وأخرى، حيث استقر في لبنان وتابع مهامه القيادية في الجبهة الشعبية وفي بناء قواتها في لبنان ومن ثم انتخبه مؤتمرها الوطني الثالث العام الذي عقد في عام 1972 نائباً للأمين العام. وبعد ذلك عمل « أبو علي مصطفى» من موقعه الجديد كنائب للأمين العام للجبهة الشعبية على تعزيز الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، فتابعت الجبهة المشاركة في الدورة الحادية عشرة للمجلس الوطني ما بين 6-12/1/1973 وفي اللجنة التنفيذية التي انبثقت عنها. وبعد خروجي من سجن الجفر الصحراوي حرب تشرين أول أكتوبر/73 التقيت أبي علي مصطفى عندما زرت بيروت لمست لديه إصراراً على ضرورة عدم تكرار تجربة المقاومة في الأردن سواء بالعلاقة مع الحركة الوطنية الأردنية أو حالة الانقسام في منظمة التحرير الفلسطينية حيث أكد أكثر من مرة على ضرورة تجاوز الماضي والعمل المشترك من أجل تعزيز وحدة منظمة التحرير وتحالفها مع الحركة الوطنية اللبنانية واحترام استقلالية ورأي هذه الحركة. وبعد حرب تشرين أول أكتوبر 1973 دار جدل واسع في الساحة الفلسطينية حول البرنامج السياسي المرحلي ووقعت حتى اشتباكات مسلحة بين بعض الفصائل الفلسطينية؛وكان موقفه الثابت أن علينا حل كل هذه الخلافات بالحوار والمحافظة على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية. وعشية التحضير للدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني دفع « أبو علي مصطفى » بكل ثقله في داخل الجبهة الشعبية للموافقة على البرنامج السياسي المرحلي الذي تم التوافق عليه في اجتماعات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وعندما انعقدت الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني ما بين 1-9/6/1974 في القاهرة وكان « أبو علي مصطفى» يرأس وفد الجبهة الشعبية في المجلس أعطى موافقته على إقرار البرنامج السياسي المرحلي الذي عرف ببرنامج «النقاط العشر». وبعد انتهاء المجلس وعودة وفد الشعبية إلى بيروت قررت قيادة الجبهة الشعبية نقد موقف أبي علي مصطفى ورفض البرنامج وانسحبت من اللجنة التنفيذية للمنظمة وعملت على تشكيل جبهة الرفض مع كل من جبهة التحرير العربية وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني والجبهة الشعبية « القيادة العامة» . وعلى ضوء ذلك اعتكف أبو علي عن متابعة مهامه القيادية لبعض الوقت احتجاجاً على هذه السياسة والتي اعتبرها تلحق الضرر بالجبهة الشعبية وبمجمل الوضع الفلسطيني. وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 1982 وخروج قوات وقيادة المقاومة إلى عدد من البلدان العربية استقر «أبو علي مصطفى» في دمشق وكنا على تواصل شبه يومي.وعندما عصفت الخلافات مجدداً بين الفصائل الفلسطينية، وفي إطار حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» بعد الخروج من بيروت، ونتيجة تدخل بعض الأطراف العربية ومحاولاتها فرض الهيمنة والوصاية على المنظمة وحركة المقاومة الفلسطينية، كان موقف «أبو علي مصطفى» ضد التدخل العربي في الشئون الداخلية الفلسطينية ومع المحافظة على وحدة حركة فتح واستقلالية المنظمة والقرار الوطني الفلسطيني المستقل. وفي نهاية جلسات عدن تم التوصل إلى اتفاق في 27/7/1984 عرف باسم «اتفاق عدن - الجزائر بين التحالف الديمقراطي واللجنة المركزية لحركة فتح». وبعد انعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991 وعقد اتفاق أوسلو في عام 1993 والموقف المعارض الذي اتخذته الجبهة الشعبية بما فيه تجميد عضويتها في اللجنة التنفيذية لـ منظمة التحرير الفلسطينية دافع أبو علي بكل صلابة عن هذه الموقف. وانخرطت الجبهة الشعبية في إطار القوى العشر المعارضة لمدريد وأوسلو، والتي اتخذت من دمشق مقراً لها، إلا أن الجبهة الشعبية بقيادتها وكادرها وبما فيهم «أبو علي مصطفى» رفضوا بشكل مطلق تشكيل قيادة بديلة لـ منظمة التحرير الفلسطينية. وقبل عودته إلى الوطن ترأس وفد الجبهة الشعبية في المباحثات التي عقدت ما بين الجبهة الشعبية وحركة فتح في كل من القاهرة وعمان. في يوم عودته إلى الوطن كنت في استقباله في أريحا ورافقته في السيارة إلى عرابة وكانت فرحته عظيمة وصادقة بالعودة إلى أرض الآباء والأجداد. وعقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها الوطني السادس في تموز 2000بنجاح كبير، وأقر المؤتمر مجمل الوثائق الجديدة التي أحدثت تطويراً جدياً على فكر وسياسة الجبهة الشعبية وترك أبو علي مصطفى بصماته على جميع هذه الوثائق سواء التقرير العام أو البرنامج والنظام الداخلي.وقامت اللجنة المركزية المنبثقة عن المؤتمر السادس بانتخاب «أبو علي مصطفى» أمينا عاماً للجبهة خلفاً للحكيم جورج حبش الذي أصر على عدم ترشيح نفسه وقام بترشيح خلفه «أبو علي مصطفى» للأمانة العامة. تضع في مقدمة أولوياتها تعبئة كل طاقات وإمكانيات شعبنا لمواصلة الانتفاضة والمقاومة ومعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة وإصلاح مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وإرساء الأسس الكفيلة لاقامة وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة. بقلم: صالح رأفت