معان كثيرة اندرجت تحت سماء الردع، فعرفت هذه الاستراتيجية باسماء مثل «الاذعان التطويعي» وقد عرفها مورتيزن بانها: «الموقف الذي ترد فيه حكومة ما على الضغوط الخارجية بأن تتحمل باستمرار انتهاكات قيم النظام المعلنة مقابل احتمال متزايد بان تحافظ على الاقل على جوهر قيم النظام، وهذا هو هدف الاذعان التطويعي». ويدي وولت: «عندما تواجه تهديدا خارجيا كبيرا فان الدول اما ان توازن موقفها او تركب الموجة» ويعني بركوب الموجة، الانحياز الى مصدر الخطر. فهناك اذن فرصتان مميزتان هنا حول كيفية اختيار الدول لشركائها في التحالف يمكن تعريفهما بناء على موقفها ضد التهديد الخارجي والرئيسي او معه وهما: ـ الموقف المتوازن (التحالف مع الاخرين في مواجهة التهديد الماثل). ـ وركوب الموجة. وهناك مصطلح اخر يندرج تحت مفهوم الردع هو «الاكراه»، ويعرفه بول هاث وبروس راسيت بأنه: «محاولة من صانعي القرار في دولة ما لاجبار صانعي القرار في دولة اخرى على التجاوب مع مطالب الدولة الاولى بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، المطالب المتعلقة باجراء تم اتخاذه عن طريق استخدام التهديد او تطبيق العقوبات». ويعرف جال ليفي الاكراه بانه استخدام التهديدات لحث الخصم على فعل شيء او التوقف عن فعل شيء وليس الامتناع عن فعل شيء لم يقم به بعد. واستنتجت احدى الدراسات التجريبية استنادا الى 135 صراعا بين عامي 1823 و1973 ان الاعتقاد السائد خاطئ «فمن المحتمل ان تصمد الجبهة المستهدفة بقوة في وجه تهديدات الردع بالدرجة ذاتها التي تقاوم فيها تهديدات الاكراه». وخير مثال على ذلك فيتنام الشمالية التي اعتقد الامريكيون انها يمكن ان تستجيب لتهديد او حقيقة القصف الاستراتيجي «عملية الرعد المدوي» لأن هوتشي منه «HOCHI MINH» كان يريد حماية المجمع الصناعي في بلاده ولم يعد يخوض حرب عصابات دون ان يخشى خسارة شيء، وفي نهاية الامر طبعا فاقت قدرة فيتنام على تحمل التكلفة قدرة الولايات المتحدة بمراحل. وللردع استراتيجيات مختلفة لعل اخطرها وأهمها هو الجمع بينها جميعا، ولعل من نافل القول تكرار وجوب تعزيز الردع عن طريق الحرمان من استخدام القوة المتاحة عبر التهديد بانزال العقاب، ومن المحتمل ان ينجح الردع عن طريق العقاب او الحرمان ويلقى نجاحا باهرا ضد الاعداء، ولكن اذا كان هناك مزيج من الدوافع المعادية، فقد يكون التطمين اكثر فعالية كمكمل للردع ومثال ذلك، الضربات الأمريكية على القوات العراقية بعد سريان وقف اطلاق النار ومسلسل تجريد القوة العسكرية المعروف. ويرى المحللون ان هناك سبلا عديدة تؤدي الى فشل الردع فقد فشل الردع ضد كوريا الشمالية عام 1950 وضد العراق عام 1990 لانهما كانتا خارج الاطار الدفاعي الأمريكي في شرق آسيا والشرق الاوسط. ومن اسباب فشل الردع: ـ زيادة الانفاق العسكري. ـ توجيه التهديدات. ـ السماح بتمركز قوات الحلفاء او ارسال معدات عسكرية مسبقا لتخفيض قيم الاستعداد للرد. ويصعب تحديد انسب استراتيجية للردع لكن جوزيف ناي خلص الى ان الردع الناجح يستند الى القدرات الاستخباراتية والعسكرية والدبلوماسية والسياسية المحلية، وعلى صانعي القرار ان يحددوا بدقة امكانيات دولتهم اضافة الى امكانيات اعدائهم المحتملين ونظرتهم الى العالم حتى يتسنى لهم الاختيار بين استراتيجيات الردع بالعقاب أو الحرمان او التطمين او المهادنة. ويرى خبراء اخرون ان الردع هو حرب وهو محاط بضباب مشابه لغبار الحرب وقد يصعب عليك تقييم قدراتك الذاتية رغم ان هذا لا يعني ان الردع عقيم بل يقتضي الكثير من الجهد لتحقيق النجاح. رؤساء الردع ونجد ان الرؤساء الأمريكيين الذين تلوا ريجان رفضوا اية خطط لخفض الرؤوس النووية وتحجيم قدرات الردع قبل تقييم هذه القدرات، فبوش الاب استخدم استراتيجية الردع بكاملها (الدمار الكامل) ضد العراق في حرب الخليج الثانية، وكلينتون رفض خفض الرؤوس النووية وقال انه ينبغي تقييم الحد الادنى اللازم من القدرات الدفاعية غير التقليدية قبل الموافقة على أية خطة تدعو الى خفض كبير في الاسلحة النووية وفقا للمقترحات الروسية. كلينتون دعا الى وضع خطة مستهدفة كفيلة بحماية الولايات المتحدة وهنا ظهر مفهوم جديد للخصم الذي يسكن الطرف الاخر من معادلة «توازن الرعب» وبدأت ملامحه تتجلى في صور الارهاب الجماعي فالدولي. وخير دليل على ذلك ما أكده كلينتون نفسه عندما قال: «يجب ان تقنع روسيا والصين ودول اخرى بالتعاون في مجال تطوير عدد كاف من الصواريخ الدفاعية بهدف منع الدول المارقة والارهابيين من اختراق حدود دولهم الى حدود دولنا. استمرت السياسة الامريكية في عهد بوش الابن بالحفاظ على مفهوم الردع دون ان تحدده بالنووي، وبدت دعوة بوش الابن لاقامة الدرع الدفاعي الصاروخي احد عناوينها. ورغم ان بوش تراجع عن فكرة الدمار المشترك لكن وزير خارجيته كولن باول خالفه الرأي عندما شدد على ضرورة ذلك كأساس للردع النووي رغم مشروع الدرع الدفاعي الصاروخي المقترح وطالب دولا مثل كوبا على سحب جيوشها من اراضي اصدقاء لامريكا او اراضي مصالح لامريكا. باول شدد على ان الدمار المؤكد المشترك الذي اعتبر اساسا للردع النووي اثناء الحرب الباردة لا يمكن الاستغناء عنه حتى اذا اقامت واشنطن درعها الدفاعي، ونجده يخاطب الكونجرس بالقول: «لا يمكنكم الاستغناء تماما كما يعرف بالدمار المؤكد المشترك وهذا يعني الاحتفاظ بأسلحة كافية حتى يمكن دائما ردع أياً من يخطط لضربنا». استراتيجية الردع الأمريكي لم تغفل في بنائها ركنا مهما وهو اسرائيل باعتبارها أحد أطراف هذه الاستراتيجية، لذا ارتبط أمنها دائما بأمن أمريكا، وطالما روجت الاثنتان لمخاوف من أسلحة الدمار الشامل التي باتت هدف استراتيجية الردع. نوعت الولايات المتحدة من أساليبها في تأمين الردع الكافي لاسرائيل التي تعد جبهتها القتالية فمضت تحد من احتمالات وقوع أعمال معادية لاسرائيل في اطار تنازلات اقليمية حصلت عليها الولايات المتحدة بالضغط بمختلف الاشكال على المنطقة العربية. وكان لعملية «السلام» أثر كبير فتحولت استراتيجية الردع النووي من حال «الردع بالشك» القائمة آنذاك إلى حالة «الردع النووي العلني» المقرون بشروط استخدام السلاح النووي مع تبني مفهوم الحرب الاختيارية التي يمكن أن تخوضها بهدف فرض ارادتها دفاعا عن مصالحها القومية إذا ما شعرت بتهديدها نموذج ذلك ضرب اسرائيل للأهداف الاستراتيجية في لبنان مثل محطات القوى. ومن ضمن استراتيجية الردع التي ضمنت بها أمريكا أمن اسرائيل هو احتفاظ اسرائيل بـ 40-60% من أراضي الضفة الغربية وفرض الارادة الأمنية عليها، كما ضمنت مراقبة التسلح والعلاقات الاستراتيجية والاقتصادية ناهيك عن بناء الجيش الاسرائيلي لسنوات الألفين على أساس قواعد الانذار المبكر في وقت حقيقي وعلى الردع الاستراتيجي للدفاع عن وجود اسرائيلي وعلى ذراع استراتيجية بعيدة المدى بواسطة طائرات هجومية وقوات برية وجوية وبحرية. وكذلك بواسطة سلاح للابادة الجماعية رهن بحجم المعونات العسكرية الأمريكية. عصر الردع يعتبر شالي فيلدمان الخبير الاستراتيجي ان المنطقة (الشرق الأوسط وآسيا) تنزلق بطبيعتها إلى العصر النووي وبالتالي فانه يرى ان من الأفضل لاسرائيل وأمريكا أن تتحولا إلى استراتيجية الردع النووي المفروض بشروط استخدام السلاح النووي. ويرى فيلدمان ضرورة ان تندمج القوة النووية مع القوة العسكرية التقليدية في استراتيجية استخدام قتالي واحد للجيوش الأمريكية والاسرائيلية، والميزة التي يحققها هذا البديل هو انه بجانب تقوية عامل الردع فانه سيوفر امكانية لتقليص حجم الجيش الاسرائيلي والأمريكي معا حيث سيكونان أصغر حجما وأقل كلفة. الا ان هناك معارضة لهذه النظرية لعدة أسباب منها انها ستفقد قيمتها في حالة حصول دولة ما (عربية أو آسيوية) على سلاح نووي بطريقة أو بأخرى كما سيعطي المبرر للدول العربية التي ليس لديها أسلحة نووية لكنها من المؤكد تمتلك أسلحة دمار شامل (بيولوجية أو كيماوية) ان تستخدم هذه الأسلحة ضد اسرائيل وضد الوجود الأمريكي. ومع ان الهند، باكستان، وايران، يمتلكون أسلحة نووية أو صناعة نووية الا اننا نجد ان ذلك لم يؤمن الردع الكافي المقابل للضربة الأمريكية التي قادت بها الحرب ضد أفغانستان مما يعطي لنظرية فيلدمان أهمية مرة أخرى. ونجد في دراسات الخبراء أو الحكماء الأمريكيين التي قدمت للرئيس الجديد جورج ولكر بوش مضمونا جديدا لاستراتيجية الردع، فيقول السيناتور جوزيف بايدن: «ان الخطر الأول الذي يتهدد أمن الولايات المتحدة يتعلق بانتشار أسلحة الدمار الشامل، علينا وضع استراتيجية ردع جديدة لاحتواء الخطر، تركز على خطر احتمال استعمال ارهابيين، أو دول مارقة، أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية، وصواريخ لازمة لاطلاقها. ويضيف السيناتور بايدن: «يتطلب هذا الخطر ردا متعدد الاتجاهات، لقد قللنا من خطر انتشار أسلحة الردع في القرن الماضي لكن لا يزال هناك مما يتوجب علينا فعله فنحن بحاجة إلى مساعدة اضافية لمنع تكنولوجيا ومهارات صنع هذه الأسلحة عن الوقوع في أيد لا يجوز أن تقع فيها، وان نحافظ على اجماع دولي لاستخدامنا الردع ضد ما يكون عكس ذلك. والسيناتور بايدن طالب الرئيس الأمريكي بالتركيز على المراجعة القادمة لنظام الردع النووي وهي المراجعة الأولى لهذا النظام منذ فترة كلينتون. جيسي هيلمز المعروف بتشدده اعتبر ان الردع هو الأولويات للسياسة الخارجية لعهد الجمهوريين الجديد وقال: «لا تستطيع أن تتجاهل خطر الدمار الشامل الذي تؤكده أسلحته المنتشرة لدى الارهاربيين، ان عهدا جديدا من الردع ينبغي أن يبدأ، ينبغي وضع برنامج عمل سياسي أو أجندة جديدة لا سيما في مجال الشئون الخارجية، الأمن القومي، والسياسة العسكرية». ويريد هيلمز نشر الجيوش الأمريكية على انها «جيوش الرحمة» عبر دول العالم لتقوم بالدفاع عن مصالحها ومصالح فرقائها وتضرب على الارهاب واعداء أمريكا الاستراتيجيين الذين ينبغي اعادة توصيفهم وفقا لأجندة القرن الحادي والعشرين. أما رامسفيلد فقد أكد على ضرورة استمرار مفهوم الردع بثوبه الجديد فقال: «علينا الاعتراف بأن الردع الذي كان معتمدا أيام الحرب الباردة المتمثل بالتدمير الشامل المتبادل الأكيد وبمفهوم الهجوم المرتد الساحق كان ناجحا خلال تلك الحقبة، ومشاكل اليوم تعقدت عما كانت عليه ولذا على عاتقنا يقع التخطيط لاستراتيجية ردع جديدة». هكذا نجد ان استراتيجية الردع كانت ولا تزال جزءا من العقيدة الاستراتيجية الأمريكية، ومهما تبدلت الظروف واختلفت التوازنات فان استراتيجية التفوق وتأمين توازن الرعب أو التفوق الرادع، تبقى جوهر الاستراتيجية الأمريكية، والتي تتجسد بشكل علني اليوم عبر مفهوم جديد يصاغ بثياب ملونة وضجة كبرى، وجعجعة اعلام. ورغم ان العديد من دول العالم يمتلك أسلحة للردع الا انها تجد نفسها في جانب المعادل الأمريكي الذي بات يثقل حتى انكسر الميزان وبات العالم كله عرضة لمفهوم العدو الذي قد يخلقه تصور مباغت لمتطرف أمريكي.