أعد الدكتور محمد ماجد خشبة الخبير في وزارة التخطيط الكويتية بحثاً حول دور الدولة في ظل التحولات الاقليمية والعالمية الجارية، تناول فيه العديد من محاور الجدل الدائر حول الدولة في العالم الحديث، حيث أكد ان التحولات العالمية تخلق لغتها وتطرح مفرداتها مثل التنمية البشرية والاستدامة التي كان الحديث عنها متردداً وخجولاً منذ سنوات فاصبح لها اليوم حضور طاغ في أدبيات التنمية في العالم. ويشير الباحث إلى ان اللغة في هذا الموضع مثلها مثل الكثير من التحولات والشئون والمصالح والأفكار التي تجري عولمتها، ولدى البعض أمركتها، عبر العالم في اتجاه خلق أو تنميط (مفاهيمية كونية) وفهم مشترك للكثير من المتغيرات والأحوال (حالة التنمية البشرية، حالة العلم والتكنولوجيا، حالة حقوق الانسان حالة الاستدامة، حالة الفقر، حالة المعلوماتية، حالة الخصخصة) وغيرها. وبغض النظر عن مدى الاختلاف والاتفاق حول ماهو مطروح، إلا انه موجود ويمضي بقوة ويتجذر في بعض الأحوال، بل ويصنف العالم كله في اطاره، ويبقى المجال مفتوحاً للاضافات، الاثراء، النقد وحتى الرفض لما هو مطروح دون ان يعني ذلك انه غير موجود ويتمدد، وقد طرح الكثير من النقد والتطوير والاضافة والمراجعة عربياً لمفهوم التنمية البشرية وقياساتها على سبيل المثال. وقد طالت التطورات أيضاً مفاهيم ادارة الدولة والمجتمع والتي يهتم بها تقليدياً علم الادارة العامة، حيث تطرح الأمم المتحدة مفهوماً أوسع ليعبر عن كفاءة تنظيم وادارة شئون المجتمع والدولة بالكامل أو ما يمكن تسميته بالتنظيم المجتمعي ليتضمن الحديث عن الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كما يحظى البعد المستقبلي للتنمية وصون الطبيعة بالمزيد من الاهتمام من خلال تأصيل لمفهوم الاستدامة. ويطرح الباحث اضاءات حول مفاهيم الدولة، الحكومة، الادارة العامة والخدمة العامة، تنظيم شئون المجتمع والدولة، التنمية المستدامة، التنمية البشرية. يقول الباحث ان مصطلح الدولة أو الحكومة كثيراً ما يستخدم للتعبير عن أو الاشارة إلى شيء واحد، وتتضح ملامح الحد الفاصل بين الاثنين من استعراض مجموعة من السلطات التي تتكون منها الدولة، وهي: سلطة تشريعية (سن القوانين والتشريعات)، سلطة تنفيذية، وتسمى الحكومة (تنفيذ القوانين والسياسات)، سلطة قضائية (متابعة تطبيق القوانين والتشريعات). وكان البعض يضيف إلى هذه السلطات سلطة رابعة وهي سلطة الصحافة والإعلام، كما ان البعض يضيف إليها حالياً سلطة الحوسبة والتشبيك، وسلطة المجتمع المدني، والسلطات المعنوية الثلاث السابقة أصبحت حقائق فاعلة في عالمنا المفتوح الذي نعيش فيه. وفي ظل العولمة والاتجاه المحموم إلى التكتل الاقتصادي والسياسي، فإن مفهوم السيادة الوطنية للدولة يخضع للمراجعة، حيث ان التكتل المذكور قد يتطلب في بعض جوانبه تنازل الدولة عن جزء من سيادتها لهيئات أخرى عالمية او اقليمية الطابع. وقد كان وما زال الكثير من الجدل المتعلق بالدولة يدور حول حدود دور (الحكومة) أو السلطة التنفيذية في ادارة وتسيير الدولة، وظهرت الأصوات التي تنادي بضرورة الانتقال بهذا الدور من دور (اللاعب /المجدف الرئيسي)، وأحياناً الوحيد، إلى أدوار أخرى لا تقل أهمية، وخاصة أدوارها في خلق بيئات يمكن ان تجعل الناس أكثر ايجابية وانتاجية اجتماعياً واقتصادياً، مع التركيز على خلق مناخ عام يشجع على التغيير الايجابي وخلق الاجماع حول القضايا العامة. ويقول الباحث ان الحديث عن الادارة العامة هو حديث عن الحكومة وهي تعمل أو حديث عن أعمال الحكومة وتعرف الادارة العامة على انها مباشرة الجهاز الاداري للدولة مجموعة من العمليات الادارية التي تستهدف تحقيق الأهداف المنوطة بها. وقد أفضت التحولات العالمية وخاصة في المعرفة، الاتصالات، المعلوماتية، التجارة الدولية بالاضافة إلى التجارب العديدة السيئة للأداء والانجاز في منظمات الادارة العامة عبر العالم إلى اعادة النظر في مفهوم وآليات عمل الادارة العامة. وكان التحول الأساسي في المفهوم والآليات هو في اتجاه تقريب الادارة العامة من ادارة الأعمال، وتجديد فاعلية الادارة العامة عن طريق حقنها بالعديد من الأساليب المستخدمة في منظمات الأعمال، ومن هذه الأساليب: الميزانية الصفرية، الادارة بالاهداف، اعادة هندسة الحكومة، وادارة الجودة الشاملة وغيرها. وهو الأمر الذي حدا بالبعض إلى اعادة تسمية الادارة العامة نفسها بمفهوم الادارة العامة على اعتبار ان منظماتها مثلها مثل منظمات الاعمال، قابلة لتطبيق الكثير من المفاهيم والأساليب العلمية لعلم الادارة. ويركز المفهوم الجديد على ادارة عامة موجهة بالأداء، وتركز على التوجيه لا التجديف، النتائج وليس العمليات، الأرباح وليس المواءمات السياسية، التمكين للمشاركة والابداع وليس السلطة والقوة، التعاون وليس الصراع. أما الخدمة العامة فهو تعبير يستخدم للتعبير عن العمل بأجهزة الدولة المختلفة وهي تنقسم إلى فرعين هما: الخدمة العسكرية والخدمة المدنية. أما الخدمة المدنية فهي مهنة العاملين بأجهزة الدولة المختلفة وتطلق صفة «الموظف العام» على كافة موظفي الدولة في كل من سلطاتها الثلاث، وموظفي الهيئات اللامركزية أو الاقليمية أو ذات الطابع الخاص. ويضيف الباحث ان تنظيم وادارة المجتمع والدولة هو مفهوم حديث في أدبيات برنامج الأمم المتحدة الانمائى والذي يعرفه على انه: «ممارسة السلطة السياسية، والاقتصادية والادارية لادارة شئون المجتمع على كافة المستويات»، وهو «يتضمن الآليات المعقدة، العمليات والمؤسسات التي يمكن من خلاها للمواطنين والمجموعات تجلية مصالحهم، توفيق خلافاتهم وممارسة حقوقهم القانونية والوفاء بالتزاماتهم». ويرى «البرنامج الانمائي» ان تفعيل المفهوم هو السبيل لتحقيق «التنمية البشرية المستدامة» في المجتمع والتي يجري ادراكها عبر تفهم وأداء الأطراف الرئيسية في المجتمع لأدوارهم كالتالي: ـ الدولة: خلق البيئات المواتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية. ـ القطاع الخاص: خلق الوظائف وتوليد الدخول. ـ المجتمع المدني: تسهيل التفاعل والمشاركة المجتمعية، وتحريك الجماعات للاسهام في الأنشطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. والملاحظة الجديرة بالاشارة هي تجاوز المفهوم المطروح لمعنى ومفهوم «الحكومة» حيث يهتم في آن واحد بالهياكل المؤسسية، عمليات صنع السياسات العامة واتخاذ القرار القواعد الرسمية وغير الرسمية ذات العلاقة بالشئون العامة والتي تحدد كيفية ممارسة القوة والسلطة، وكيفية اتخاذ القرارات، كيفية مشاركة المواطن ويسمع صوته ويدافع عن مصلحته. وعربياً أصبح يؤخذ بهذا المفهوم في العديد من المشروعات البحثية، ومنها المستقبلية، باعتباره يعبر عن كافة القضايا التي كانت تدرس في السابق على انها قضايا في الادارة العامة، ليضاف إليها شئون القطاع الخاص والمجتمع المدني ومتابعة وتقييم الأداء العام للمجتمع. كما ان للمفهوم بعداً عالمياً حيث يستخدم للحديث عما يمكن ان نسميه «تنظيم وإدارة شئون العالم»، والذي يشمل الحديث عن دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، والمنظمات والتجمعات الاقليمية والمجتمع المدني العالمي، لعبة القوة وممارستها على المستوى العالمي وغيرها. التنمية المستدامة يعرف الباحث التنمية المستدامة بأنها «مقابلة احتياجات الاجيال الحالية دون الاخلال باحتياجات الاجيال المستقبلية، ويشير إلى أبرز ملامحها بما يلي: ـ ان مفهوم الاستدامة، أو التنمية المستدامة، ليست حالة سكون، أو موقفا استاتيكيا جامدا، لكنها عملية تغيير مستمرة يتم فيها تنمية الموارد، توجيه الاستثمار، تطويع التطور التكنولوجي، ادارة التغيير المؤسسي بما يتوافق مع الحاجات المستقبلية جنباً إلى جنب مع الاحتياجات الحالية. ـ ان الاستدامة ليست وصفات نمطية جاهزة يمكن ان ينقلها مجتمع ما حرفياً عن مجتمع آخر، ولكنها عملية تغيير وتحول مجتمعية طويلة الأجل تختلف في رسالتها، تحدياتها وفرصها من مجتمع إلى آخر، ومرحلة زمنية لأخرى. ويتطلب التحول في اتجاه الاستدامة غرس قيم وأهداف جديدة اجتماعية وثقافية وسياسية وأنواع مختلفة من المؤسسات والأداء والتطوير لقيادة عملية التحول المذكورة ومراجعتها وتقويمها بصورة مستمرة. هذه المؤسسات المختلفة مطالبة في المقام الأول بتوسيع الخيارات الانسانية ودعم الرضا والاشباع الانساني وصياغة مقاييس ومؤشرات جديدة للرفاه والتقدم الانساني وجودة الحياة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية المجردة. ـ الاستدامة هي مشروع إلى المستقبل وهي تبلور رؤية لهذا المستقبل استناداً على خمسة أنواع من رأس المال: ـ رأس المال الطبيعي: وهو المخزون الذي لا يضخ الموارد الطبيعية وغير المتجددة. ـ رأس المال البشري: ويمثله الأفراد وهياكل المعرفة التي تساهم في تنمية الافراد وفي عملية الانتاج. ـ رأس المال الذي أبدعه البشر ويمثله المنتجات والتكنولوجيا التي أبدعها الانسان لتحسين جودة الحياة. ـ رأس المال الاجتماعي: ويمثله المشاركة السياسية والتجمع في تنظيمات (مجتمع مدني، الصحافة والاعلام وغيرهما) ـ رأس المال الثقافي ويمثله العوامل والقيم والخبرات والموروثات التي تزود الأفراد بقيم وسائل للتعامل مع البيئة الطبيعية سواء بتطويرها إلى الأفضل أو انتهاكها وتدميرها. ـ من بين شروط التخطيط للتنمية المستدامة: وضوح الخيار المجتمعي، تبني سياسات طويلة الأجل، تعبئة الهدر والادخار الضائع، تكامل استخدام النماذج الاقتصادية والاجتماعية، تطوير العمل، التخطيط، تطوير نظم فعالة للمتابعة وتقييم الأداء التنموي. التنمية البشرية يشير الباحث إلى ان برنامج الأمم المتحدة الانمائي يعرف التنمية البشرية على انها «توسيع لخيارات الناس ويتحقق هذا التوسيع بزيادة القدرات البشرية، والقدرات الأساسية الثلاث للتنمية البشرية على جميع مستويات التنمية هي ان يعيش الناس حياة طويلة وصحية، وان يكونوا مزودين بالمعرفة، وان يكون بامكانهم الحصول على الموارد اللازمة لمستوى معيشة لائق». وقد عرف تقرير 1993 ابعاد هذه التنمية الثلاثة بأنها: تنمية البشر، التنمية للبشر والتنمية بالبشر، ثم تطور المفهوم إلى «مفهوم للتنمية البشرية المستدامة» في تقرير عام 1996 ليتضمن الابعاد التالية: ـ التمكين: بمعنى توسيع قدرات الأفراد ومن ثم حريتهم وخياراتهم. ـ التعاون: ويتركز على الطرق التي يعمل بها الأفراد معاً ويتفاعلون قطرياً وعالمياً. ـ الانصاف: ليس في توزيع الثروة والدخل فقط، ولكن القدرات الأساسية والفرص المجتمعية أيضاً. ـ الاستدامة: تلبية حاجات الجيل الحاضر دون مصادرة أو الاجحاف بحق الاجيال القادمة. ـ الأمن: بمعناه الشامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وضد الفقر والحاجة. وتركز التنمية البشرية المستدامة على مفهوم رأس المال الاجتماعي الذي يتجاوز محوريه الانسان الفرد إلى الاهتمام بالعلاقات بين الأفراد باعتبارها الأساس الذي تتأسس عليه المجتمعات، كما يوجه الاهتمام لدور الجماعات الانسانية في تنمية وصنع هذا الرأسمال. (جماعية اتخاذ القرار، العمل العام، المشاركة السياسية، التنظيم المجتمعي وبناء الطاقات المؤسسية). اثر التحولات العالمية على الدول يقسم الباحث هذا الأثر إلى ثلاث مراحل أوموجات تاريخية: ـ المرحلة الأولى فقد تلت الكساد الكبير في الثلاثينيات حيث ترتب على الآثار الاقتصادية والاجتماعية الفادحة حينذاك الحاجة إلى دولة بمفهوم جديد، وأدوار مختلفة، حيث الحاجة إلى تضميد الجراح المفتوحة من جهة، ومراجعة ما حدث ودراسته ومحاولة تفادي تكرار وقوعه أو استباقه من جهة أخرى. ـ المرحلة الثانية: هي تلك التالية للحرب العالمية الثانية، فقد دفعت المجتمعات ثانية ثمناً باهظاً اقتصادياً واجتماعياً، وخرج كلا المعسكرين المنتصر والمهزوم في آن واحد يبحث كل منهما عن «دولة قوية» تقود اعادة البناء والتعافي من جهة والاعداد للانطلاق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من جهة أخرى. كذلك التعاون الدولي واعادة ترتيب الأوضاع الدولية بعد الحرب. وقد شهدت هذه الحقبة أيضاً استقلال وتحرر العديد من الدول النامية والتي تبنت بدورها نهجاً تنموياً يرخص دوراً قائداً ومسيطراً للدولة بغض النظر عن الأسباب الموضوعية والأيديولوجية لهذا المنهج. ـ المرحلة الثالثة من التحولات هي الأكثر خصوصية والأعمق أثراً، هذه المرحلة التي تشهد تحولات كونية لا اعتبار فيها للجغرافيا في ميادين: العلم والعلوم، المعلوماتية والاتصال، البيئة وغيرها. والجديد في التحولات الاخيرة انها متجددة ومتلاحقة وتترك آثاراً مباشرة على كافة أوجه الحياة والنشاط عبر العالم وهي تحولات متداخلة واعتمادية وهي أسباب ونتائج لبعضها البعض، وتتكامل وتتقاطع تأثيراتها لتنتج تغيرات غير مسبوقة في الحياة الانسانية. من هنا يبدو التفكير في آثارها المستقبلية والتخطيط لمواجهتها نوعاً آخر من التحدي الوعر للدولة يضاف إلى تحدي مواجهة آثارها الجارية. الهواجس حول دور الدولة في المرحلة الثالثة هي هواجس من نوع مختلف، فالحاجة تلح إلى دولة أقل تدخلاً لكن أكثر كفاءة، دولة لا تسود ولكن تشارك، دولة لديها برنامج عمل وأولويات واضحة ومشروع للمستقبل. التطورات العلمية أما عن التطورات العلمية والتكنولوجية فيرى الباحث ان أبرز المجالات التي تشهد هذه التطورات هي: المواد، الطاقة، الروبوت، الذكاء الاصطناعي، النقل، التكنولوجيا الحيوية، تكنولوجيا الدواء، الاسكان البشري، الاتصالات وتضخيم قدرات الذكاء الانساني. وتتحدد بعض المجالات غير المسبوقة للتقنية المرتفعة في: ـ الثورة الجزيئية والمواد: وتعني تخليق المواد على المستوى الجزيئي لتصنيع مواد جديدة بمواصفات غير مسبوقة. ـ الثورة البيولوجية: ولها تأثيرات في كافة المجالات بما فيها الحاسوب، حيث ستوفر «الذاكرة البيولوجية» لحاسوب الغد امكانيات تتحدى الخيال الانساني، ويبدو التقدم في مشروع الخريطة الوراثية وما يمكن ان ينتج عنه كابوساً انسانياً مخيفاً. ـ ثورة التكنولوجيا الرقمية: بما في ذلك تأثيراتها في كافة المجالات، وقدراتها التكاملية مع المعلوماتية والصوت والصورة. ـ تكامل الاتصالات ـ أشباه الموصلات ـ المعلوماتية: وهو التكامل الذي سيخلق اقتصاداً الكترونياً عالمياً بالكامل، يتم عبره أنشطة البيع، والتوزيع، الانتاج والشراء، التصميم، التمويل، من خلال شبكات تبادل المعلومات. ـ تطوير الالكترونيات الصناعية خاصة باستخدام الأنظمة الذكية المبرمجة والروبوت. ـ التطور في مجالات الطاقة الاندماجية من جهة والموصلات فائقة التوصيل من جهة أخرى. ـ التطور في تكنولوجيا النقل والبث والرصد الكوكبي والأقمار الصناعية الصغرى. ـ التطورات في تكنولوجيا البيئة في كافة المجالات والتطبيقات. وتضع التحولات السابقة الكثير من التحديات أمام الدور المعاصر للدولة في ضوء الحقائق التالية: ـ ان المعرفة والتكنولوجيا ليست عنصراً محايداً بقدر ما هي وليدة نظرة كل مجتمع إلى قضاياه، والنقل الحرفي لها قد يؤدي إلى تناقضات اجتماعية غير مأمونة العواقب. ـ لا يمكن عزل (الخطاب العلمي) عن الواقع الاجتماعي الذي افرزه، والعلم لم يعد ابداع فرد جسور أو محظوظ، بل أصبح عملاً مؤسسياً تابعاً لمنظومة وغالباً ما يتم في اطار قيود وتعليمات وتوجيه من سلطة يمكن ان تستغل نتائجه للتوجيه والتأثير السياسي والثقافي والاقتصادي والعسكري. ـ التكنولوجيا هي أداة للتغيير ودافعة إليه، ولكن اتجاه التغيير وقوته ليس في كل الأحوال محكوماً بالتكنولوجيا بقدر ما يكون مدفوعاً بالفرص التي يخلقها أو يستغلها الأفراد، والمنظمات والحكومات التي توفر الظروف المواتية لخلق واستغلال التكنولوجيا في المجتمع. وبالتالي فإن التحدي المطروح أمام الدولة هو في وضع أساس بنية تحتية علمية وطنية وخلق ظروف مواتية ل: الاستشراف، المتابعة، الاكتساب والتطويع وتكامل العلوم، تكامل الجهود، الابداع وخلق معرفة جديدة وتطبيق المعرفة في كافة المجالات، والأكثر أهمية دفع الآخرين (القطاع الخاص والمجتمع المدني) إلى المشاركة في مواجهة هذا التحدي.