اصبح هاجس الحرب البيولوجية سلاحا فتاكا تستله امريكا وحلفاؤها كلما فشلت في العثور على مَنْ وراء اطلاق الحرب البيولوجية، حتى باتت دراسة علم الجراثيم بحد ذاتها تهمة خاصة ان كانت لطالب عربي الاصل او آسيوي اسلامي. ولعل في حادثة الطالب العربي الذي يدرس علم الجراثيم «الميكروبيولوجي» في جامعة كراتشي كطالب دراسات عليا، مثل، بعد ان اتهمته سلطات باكستان باحتمالات ضلوعه في الحرب البيولوجية ضد امريكا وسلمتها اياه. التقارير الامريكية سواء اعلامية ام استخبارية ام سياسية اشارت الى ان هناك ثلاث دول في العالم يمكنها ان تنتج الجمرة الخبيثة وحددتها بـ «امريكا، روسيا، والعراق» والحقيقة ان هناك سبعة عشر بلدا يمكنها ان تنتج اسلحة جرثومية الا ان ثلاثا فقط غير مدرجة ضمنها يمكنها ان تنتج الجمرة الخبيثة بالذات وهي «امريكا، بريطانيا، واسرائيل». والدول التي عدت منتجة لهذه الاسلحة او قادرة على انتاجها هي: الصين، مصر، ايران، العراق، ليبيا، كوريا الشمالية، سوريا، وتايوان، ونجد ان هناك تعمدا واضحا في كل التقارير الدولية في عدم الاشارة لاسرائيل وباعتبارها اكبر منتج لهذا السلاح بعد امريكا، وكذلك نجد اهمال ذكر دول اوروبا الغربية التي عملت على برامج مشابهة للبرامج الامريكية في حرب الاسلحة البيولوجية السرية. وقبل الدخول في بعض التفاصيل عن البرنامج الاسرائيلي لانتاج الاسلحة البيولوجية نشير الى ان الولايات المتحدة ووفق تقرير البنتاجون تنفق مليارات الدولارات من ميزانيتها للبحث العلمي سواء فيما يخص الاسلحة البيولوجية ام الكيميائية ام تقنيات اخرى منها الاسلحة الكهرومغناطيسية بهدف «كسب حروب القرن الواحد والعشرين» وحسمها بسرعة اكثر من ذي قبل. بمعنى ان فكرة قيام حرب القرن الحادي والعشرين كانت موجودة فعلا ضمن الاستراتيجية الامريكية قبل مقدم هذا القرن وقد تهيأت لها الادارة المناسبة التي رسمت تماما لهذا الدور مثلما تهيأت لقيامها الاسباب الكافية واصبحت الساحات جميعها مختبرا لها. وقد كان متوقعا ان تزيد ميزانية الرئيس الامريكي جورج بوش الابن وفقا لخطة مؤقتة بنسبة 8.1% لتصل الى 48.6 مليار دولار من اجل هذه البحوث والتجارب. ونجد وكيل وزارة الدفاع للمشتريات والتكنولوجيا والامداد ادوارد الدريج يشير الى انه يعمل في البنتاجون 28500 عالم ومهندس موزعين على 84 مختبرا ومركزا للابحاث والتطوير وهم نتيجة تخفيض بنسبة 42% من عدد الباحثين الذين كانوا يعملون في البنتاجون نهاية عام 1990 حيث بلغ عددهم آنذاك 43800 عالم وباحث، ويرى محللون ان التخفيض هذا وحده سبب كاف لان يهدد مجموعة العلماء الذين تم الاستغناء عن خدماتهم بخبرتهم في عالم الجراثيم الامن الداخلي الامريكي. ورغم ان الولايات المتحدة استمرت بعد توقيعها الاتفاقيات الدولية بحظر هذه الاسلحة، بتطويرها، الا اننا نجدها، تشك بعدم تخلص روسيا من ترسانتها النووية، في محاولة لتوزيع التهم وايجاد عدو محتمل، دون ان يصل هذا الشك او الاتهام حدود اسرائيل، فما هي حدود ترسانة اسرائيل البيولوجية وما هي حدود ترسانة روسيا البيولوجية؟ اسرائيل وعقدة التفوق عقدة التفوق العسكري لدى اسرائيل وعقدة الامن الاسرائيلي جعلتاها تحصل على مكاسب كبيرة في مجالات تطوير الاسلحة البيولوجية والكيمياوية وكذلك اسلحة التفجير الحجمي ووسائل ايصالها، مثلما حصلت على الاسلحة النووية والدعم الامريكي لاستراتيجية الدفاع من اجل أمنها، ومبرر اسرائيل هو كي تكون امامها خيارات استراتيجية وتكتيكية متنوعة في التعامل مع الاهداف المعادية لها، ورغم انها انشأت مصانع لانتاج الاسلحة الكيمياوية بنفس حجم مصانع السلاح النووي والبيولوجي الا اننا نهتم بقدراتها في الاسلحة البيولوجية. وقد اشارت دراسات كثيرة الى قدرات اسرائيل البيولوجية، فقد ادركت اسرائيل امكانية هذا السلاح الخطير على المستوى الاستراتيجي ضد الشعوب، مثلما ادركت صعوبة استخدامه على المستوى التعبوي، فالخطر الرئيسي يكمن في صعوبة ايقاف تأثيراته ومنع انتشارها وامتدادها الى اعماق كبيرة في دولة الخصم. ركزت اسرائيل على استخدام الهباء او الضباب البيولوجي والذي يسمى بـ «الآيروسول البيولوجي» لتلويث الهواء والارض بواسطة مستودعات الطائرات والصواريخ والبالونات الموجهة تلفزيونيا. وانشأت لذلك معملا للامصال واللقاحات في منطقة (نيس زيونا) جنوبي تل ابيب تجري فيه ابحاثا على الفيروسات وعلى استخدام العبوات ذاتية الدفع وقذائف راجمات الصواريخ المحملة بالمواد البيولوجية والاعتماد على استنشاق الكائنات الدقيقة كوسيلة رئيسية للتلوث البيولوجي. ويذكر اللواء الركن د. حسام سويلم في احدى دراساته ان اسرائيل تحفظت عند توقيعها بروتوكول جنيف في ما يتعلق بحظر استخدام الاسلحة البيولوجية باصرارها على عدم اعتبار السموم ومسقطات الاوراق من الاسلحة البيولوجية. ويؤكد اللواء د. سويلم ان اسرائيل تتمتع بالتفوق في المجالات النووية والكيميائية مثلما تتفوق في المجال البيولوجي ويرجع ذلك الى الاهتمام الكبير الذي توليه لتطوير معملها الحكومي المتخصص في هذا المجال وحرصها على ان يعمل به عدد كبير من العلماء الذين يتابعون احدث التطورات العالمية في ميدان الحرب البيولوجية. لقد استقبلت اسرائيل وفق جميع الدراسات والمصادر العلماء المهاجرين المتميزين منهم، ويذكر ان العلماء الروس في مجال الاسلحة البيولوجية وجدوا مصانع اسرائيل تحتضنهم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، وهم الذين نقلوا اليها معظم علوم المختبرات الروسية في هذا المجال. وتؤكد المصادر وجود تعاون كبير بين الولايات المتحدة واسرائيل في مجال اجراء التجارب على استنباط التوكسينات والفطريات لاستخدامها كسلاح بيولوجي، وتهتم اسرائيل ايضا وفق المصادر بتدريب عناصر الخدمة السرية والخاصة لنقل الميكروبات الى المناطق الخلفية عند الخصم واستخدامها في المناطق السكانية خصوصا اثناء العمليات الحربية وفترات التوتر المسلح. تنتج اسرائيل عناصر الامراض الفطرية والتوكسينات مثل «كوكو سيدولمسي» وعناصر الامراض البكتيرية مثل (الجمرة الخبيثة المعروفة بالانراكس، والكوليرا، والطاعون) وعناصر الامراض الفيروسية مثل (الحمى الصفراء، وحمى الذبح، والجدري، وشلل الاطفال)، وعناصر امراض الراكتسيا مثل التيفوس. وتسعى في الوقت ذاته الى تطوير ميكروبات ذات درجة عالية في الظروف الجوية غير المواتية خاصة في الجفاف وارتفاع درجة الحرارة مع امكان استخدامها ميدانيا كأيروسولات تؤثر على الجهاز التنفسي، عدا عن انتاج ميكروبات مقاومة للامصال واللقاحات المعروفة ولكن تؤدي الى اعراض فسيولوجية متشابهة مع امراض اخرى لارباك الاجراءات الصحية والوقاية للخصم، وتطور ايضا اللقاحات المضادة لتقليل احتمالات العدوى في العمليات البرية عند الاختلاط في المناطق الملوثة بيولوجياً. اما الاتحاد السوفييتي فقد كان في مقدمة الدول التي امتلكت ترسانة هائلة من الاسلحة البيولوجية رغم انه كان احد البلدان الموقعة على معاهدة جنيف عام 1972 حول خطر امتلاك هذه الاسلحة. لقد اشارت تقارير كثيرة الى ان الاتحاد السوفييتي قد طور برامج عسكرية كانت تعتمد على استخدام عناصر بيولوجية لاهداف غير سلمية، ولم تكن البكتيريا المسئولة عن مرض الجمرة الخبيثة سوى الاكثر شهرة من بين هذه العناصر. بقي ان نذكر هنا ان الولايات المتحدة واسرائيل تبنتا ما عرف باسم القنبلة العنصرية، وهي سلاح بيولوجي يعتمد على الهندسة الوراثية والبيولوجية الجزئية يكون متخصصا في قتل البشر من جنس معين ولون معين دون غيرهم معتمدا في ذلك على جغرافية الجينات. وقد اشارت وكالة الانباء البريطانية مطلع الالفية الثالثة لتقرير اكثر خطورة يفيد ان اسرائيل دولة عنصرية تعمل جاهدة على انتاج اسلحة بيولوجية متخصصة في الحاق الضرر بالسكان العرب الذين يحملون جينات وراثية خاصة بهم، وهكذا اصبح التطهير العرقي هدفا من اهداف الاسلحة البيولوجية. محطات لابد منها لابد في النهاية ان ندرج سجل السلاح البيولوجي التاريخي، وقد اختلفت المصادر في نسبة اول اقوام استخدمته، ففي تقارير امريكية صادرة عن مؤسسات عكسرية للدراسات اشرت ظهوره في القرن السادس قبل الميلاد مستخدما من قبل الاشوريين الذين سمموا آبار اعدائهم بفطريات الجاودار السامة وهي نوع من فصيلة الارزيات، كما استخدم حكماء اليونان قديماً جداً في حصارهم لـ «كريسا» العشب الملين. وهناك مصادر اخرى ذكرتها شبكة تلفزيون سي إن إن اشارت الى ان الانتراكس بالذات يتسبب في ابادة البشر والماشية في عصر الفراعنة مشيرة الى انه في 1500 ق.م تعرضت مصر الفرعونية لوباء جرثومي ادى الى اهلاك الحرث والنسل. بعدها استخدم الاسلحة البيولوجية اليونانيون في تسميم ابار اعدائهم ثم الروم بنفس الاسلوب، تلاهم الفرس، رغم ان بعض المصادر تعطي للفرس الاسبقية، واخرى تذكر الهند والصين المعروفتين بتطويرهما لهذا النوع من الاسلحة منذ عصور قديمة موازية لظهور هذه الشعوب الارية والسامية. وفي عام 1155 كانت هناك معركة تورتونا بايطاليا استخدم فيها بارباروسا جثث الضحايا من الجنود والحيوانات في تلويث ابار المياه التي كان يشرب منها اعداؤه. في عام 1346 انتشر الطاعون بين المقاتلين الذين كانوا يحاصرون مدينة كافا (فيدوسا اليوم في اوكرانيا) ويروي بعض المؤرخين ان تلك الحادثة كانت نقطة الانطلاق الاساسية في الانتشار الكبير لوباء الطاعون في اوروبا عام 1348 والذي ادى لوفاة اكثر من 25 مليوناً من سكان القارة القديمة. وتذكر المصادر ان الحالة الاولى المثبتة في استخدام الاسلحة البيولوجية لغايات عسكرية تعود الى عام 1763 عندما استخدمت القوات البريطانية اغطية بشرية بعناصر جرثومية تسبب مرض الجدري بقصد اثارة وباء قاتل بين صفوف السكان الهنود، فهذا يمكن اعتباره ارادة مخططة وفعل صريح عن سابق عمد وتصميم يرميان لنوع من التنقية الاثنية كان ضحيتها الهنود الحمر، سكان امريكا الاصليون. توالت بعدها البحوث وفي عام 1876 اكد العالم البيولوجي روبرت كوخ الاصل الجرثومي للانتراكس وقد سبقه بقرن انتشار الوباء الاسود في 1600 ميلادية الذي حصد 60 الف رأس من الماشية في اوروبا وظن انه الانتراكس. في 1880 تحقق اول نجاح ضد الانتراكس وفي عام 1915 قام عملاء المان في الولايات المتحدة بحقن الخيول والماشية بجرثوم الانتراكس ابان الحرب العالمية الاولى. في 1937 بدأت اليابان برنامجاً بيولوجياً في منشوريا تضمن اجراء اختبارات على الانتراكس، ويذكر ان برنامج الولايات المتحدة في هذا المجال بدأ عام 1941. ففي خريف ذلك العام بدأ الجيش الامريكي جهوده في البحث عن جدوى الحرب البيولوجية من خلال ما تقدمه الحرب الكيمياوية وانشئ الفيلق الكيميائي للجيش، وطلب وزير الحرب انذاك هنري ستيمنسون تقريراً من الاكاديمية القومية للعلوم تقيم فيه وتقترح خطوات مستقبلية لبرنامج الاسلحة البيولوجية للولايات المتحدة، وكرد على هذا الطلب اسست الاكاديمية مكتب الحرب التابع للجنة المستشارين. في ديسمبر 1941 التقى عالم كندي مع هذا المكتب ووعد بالتعاون والمشاركة في المعلومات والجهود، وفي فبراير 1942 خلص المكتب المشار اليه الى ان البشر والحيوانات والنباتات التي تسكن وتتواجد في الولايات المتحدة عرضة لهجوم بالاسلحة البيولوجية، واوصى بتطوير قدرات دفاعية وامكانيات من الامصال وحماية مناطق تجهيز المياه، وايد التعجيل بوضع برنامج اسلحة بيولوجي هجومي. في فبراير ـ مارس 1942 انشأت لجنة الحرب للدراسات البيوكيمياوية مع شركة بورتون داون (منظمة البحوث البريطانية للحرب البيوكيمياوية) شراكة، واتفاقاً بالتعاون، وفي ابريل لنفس العام جادل روزفلت في مذكرات مع ستيمنسون حول هذا البرنامج حيث انتهيا الى ضرورة التحكم الفردي به. في صيف 1942 اجرت بريطانيا اختبارات في جزيرة جرينارد على الشاطئ الاسكوتلندي مستخدمة الانتراكس، واثبتت التجربة ان معدله الصاعد في الهواء معد وخطير بدرجة كبيرة، وبقيت هذه الجزيرة ملوثة بعد ذلك لاكثر من 40 عاماً بفيروس الانتراكس. في 1943 بدأت الولايات المتحدة بحوثاً حول الاسلحة البيولوجية وتطوير الامكانيات لمعسكر ديتريك في فريدريك ـ ماريلاند الذي اصبح في ما بعد جاهزاً لذلك العام بحوالي 4000 شخص واعيدت تسميته فسمي ب«فورت ديتريك» عام 1956. ثم قامت وكالة تطوير الاسلحة البيولوجية في نفس العام بادارة برامج لتطوير الامكانية الشاملة لسم البوتلينم والانتراكس وابقت هذه الوكالة التركيز على البرنامج الشامل لهاتين الجرثومتين خلال سنوات الحرب العالمية الاولى. توالت بعدها تواريخ هذا السلاح، ففي 1945 اباد وباء الانتراكس مليون رأس من الماشية في ايران. وفي عام 1969 انهى الرئيس الامريكي ريتشار نيكسون برنامج السلاح البيولوجي الهجومي وابقى عليه كسلاح دفاعي. 1970: اقرت هيئة الاغذية والعقاقير الامريكية العقاقير المضادة للانتراكس. 1972: ادانة دولية في الامم المتحدة لتخزين او تخليق السلاح البيولوجي الجرثومي. 1978 ـ 1980: ضرب وباء الانتراكس من النوع الذي يصيب البشر زيمبابوي، واصاب اكثر من 6 آلاف شخص وقتل نحو 68 اخرين. 1979: انتشرت جرثومة الانتراكس المتسربة من منشأة عسكرية سوفييتية لتقتل 68 شخصاً. 1991: تطعيم جنود امريكيين ضد الانتراكس اثناء التحضير لحرب الخليج الثانية. 1990 ـ 1993: قامت جماعة ارهابية يابانية «اوم شيرنيكو» بنشر الانتراكس في طوكيو، دون اصابة احد. 1995: اعترف العراق بانتاج ثمانية آلاف و 500 لتر من محلول الانتراكس ضمن برنامج الحرب البيولوجية. 1998: اقر وزير الدفاع الامريكي ويليام كوهين خطة للتطعيم ضد الانتراكس لجميع العسكريين. 2001: ارسلت رسالة ملوثة بالانتراكس الى شبكة ان بي سي التلفزيونية يعد اسبوع واحد من هجمات 11 سبتمبر الارهابية، ليبدأ هستيريا الجمرة الخبيثة التي ادت الى وفاة مصور صحفي في فلوريدا وعامل بريد في واشنطن واصابة اكثر من 11 اخرين، وتعرض نحو 50 للانتراكس، واخضاع اكثر من 10 آلاف للتطعيم والعلاج.