بقدر المرارة التي تصيب الكثيرين لمعاناة الشعب الافغاني، بقدر الحيرة التي تنتاب المحللين السياسيين حول مستقبل افغانستان، وماذا بعد الضربات الأمريكية للأراضي الافغانية، وهل سينجح التحالف الشمالي ومن ورائه الولايات المتحدة وروسيا وعدد من الدول الأخرى في الاطاحة بطالبان وتولي السلطة في البلاد؟ واذا حدث ذلك فهل سيكفل هذا الاستقرار؟ الواقع أن الاجابة عن مثل هذه التساؤلات ليست باليسيرة، وهناك عدد من البدائل والسيناريوهات المستقبلية المطروحة: أولها، الاطاحة بطالبان وتولى التحالف الشمالي الحكم وعودة الرئيس الافغاني المخلوع برهان الدين رباني وهو طاجيكي الى السلطة، وهو بديل إن تحقق فمن الصعوبة بمكان أن يكفل الاستقرار في البلاد وذلك بالنظر الى التكوين الاثني والعرقي لأفغانستان والذي يتميز بالتعدد والانقسام الواضح فالمجتمع الافغاني يتكون من عدة جماعات عرقية لعل أكبرها وأهمها البشتون الذين تتراوح التقديرات لنسبتهم مابين 45 ـ 60% من مجموع الشعب الافغاني، ويسيطرون على السلطة منذ تأسيس أفغانستان، وهناك الطاجيك الذين يمثلون من 25% ـ 31% من السكان، وهم ينحدرون من أصول ايرانية ويتحدثون الفارسية. أما الأوزبك فتقدر نسبتهم بحوالي 4% في حين يمثل الهزارة، ذوي الأصل التتري المغولي والمذهب الشيعي، حوالي 3% من السكان، وتوجد جماعات اثنية أخرى صغيرة وأقل وزنا وأهمية حيث لا تتجاوز نسبتها مجتمعة 2% من السكان ومنها: النورستانيون، والبالوش، والقرغيز، والتركمان. يزيد من عمق هذه الانقسامات كونها تأتي متوازية ومتسقة مع التقسيم الجغرافي والمذهبي حيث يقطن البشتون الولايات الشرقية والجنوبية، ويوجد الطاجيك في الشمال الغربي، والأوزبك في الشمال وجميعهم من السنة، هذا في حين يقيم الهزارة الشيعة في قلب أفغانستان على امتداد هضاب افغانستان الوسطى. ومعنى هذا أن سيطرة التحالف الشمالي الذي تهيمن عليه جماعات عرقية تنتمي للأوزبك والطاجيك لا يمكن أن يؤدي الى استقرار الأوضاع في افغانستان باعتباره يمثل حكم الأقلية الذي يصعب على الأغلبية من البشتون قبولة والاستسلام له خاصة وأنهم ذوي قوة ونفوذ لا يستهان بهما. اما السيناريو الثاني المطروح فيتمثل في عودة الملك السابق ظاهر شاه، وقد طرح هذا الخيار من قبل عندما احتدم الصراع قبل سيطرة طالبان على السلطة وكان يؤيده عناصر قبلية بشتونية وافغان مقيمون في الخارج انطلاقا من كون الملك لديه خبرة سياسية حيث حكم البلاد مدة أربعين عاما 1933 ـ 1973حتى أطاح به الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال محمد داوود عام 1973، وعلى الرغم مما عرف به بمواقفه المتزنه التي اكسبته قدرا كبيرا من التأييد والشعبية الا أن هذا الخيار لاقى معارضة في حينها من جانب عناصر بشتونية وغير بشتونية، فقد اعتبر البشتون أن الملك هو المسئول الأول عن تصاعد المشكلة الافغانية لأنه اتاح الفرصة لنمو الاتجاهات الشيوعية في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، أما غير البشتون فقد رأوا في عودة الملك عودة مرة أخرى لحكم البشتون وهو ما كانوا يرغبون في تغييره، ولم يتغير الوضع كثيرا الآن، ومازالت عودة الملك تلقى معارضة من جانب عدد من القوى لاسيما طالبان والتي وان انهكتها الضربات الامريكية فإنها ستظل طرفا فاعلا يمتد به في تقرير المصير الأفغاني. السيناريو الثالث يتمثل في صمود طالبان في مواجهة الضربات الأمريكية واستمرارها في السلطة. وهو أمر ليس مستبعد رغم أن كثيرا من المحللين السياسيين يعتبرونه مستحيلا خاصة في ظل توقف الدعم الذي كانت تتلقاه من جانب عدد من الدول ومنها باكستان ، ومن قبله دعم الولايات المتحدة ذاتها لطالبان وذلك بعد رفضها تسليم أسامة بن لادن لمحاكمته بتهمة تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998 مما أدى الى قيام الولايات المتحدة بتوقيع عقوبات على طالبان، كان من أهمها تجميد أرصدة الحركة في العالم ومنع الطيران من أفغانستان واليها. ولكن اذا كان الدعم الرسمي والحكومي قد توقف لطالبان نتيجة الضغوط الأمريكية فإن من الوارد أن تتلقى دعما شعبيا وماديا من هيئات أهلية ولعل ما أعلن عن قيام نحو 10 آلاف باكستاني مسلح بالتوجه الى الحدود مع افغانستان للقتال الى جانب قوات طالبان ضد القوات الأمريكية، هو أحد مظاهر هذا الدعم. يضاف الى هذا الدعم الداخلي الذي كانت تتلقاه طالبان من بعض القبائل البشتونية وعدد من التجار الافغان الاثرياء نظرا لدورها في اقرار الأمن والقضاء على العصابات المسلحة، والذي ـ على الأرجح ـ لم يتوقف. أما السيناريو الرابع فهو قيام شكل ما من أشكال الائتلاف الحاكم الذي يضم ممثلين عن كل القوى السياسية بما فيها ـ ربما ـ الملك ظاهر شاه، الا ان قيام مثل هذا الائتلاف رهن بعدة اعتبارات، من أهمها قبول طالبان الدخول في التحالف الشمالي، وهو أمر لن يتأتى الا مع وصول طالبان الى مرحلة من الضعف تدفعها لقبول هذا الخيار، كذلك مدى استعداد قادة التحالف الشمالي الدخول في ائتلاف حاكم قد لا يكون لهم بالضرورة اليد الطولى فيه حيث من المتوقع أن تعد القوى البشتونية على الاستئثار بالمناصب العليا. الا ان التحدي الأكبر الذي يواجه مثل هذا الائتلاف هو مدى قدرته على الاستمرار، والحفاظ على استقرار البلاد. فالخبرة الافغانية تؤكد سرعة تغيير التحالفات السياسية وكثرة الانشقاقات والانقسامات داخل القوى والتنظيمات السياسية. كما أن المحاولات السابقة لاقتسام السلطة بين جماعات المجاهدين الكبرى والتي تمت في أعقاب انهيار نظام نجيب الله في ابريل 1992 باءت بالفشل، فالمجالس الانتقالية ثم المؤقتة التي تم تشكيلها عام 1992 لم تستمر طويلا، كما أن تولى رباني رئاسة الدولة أثار حفيظة بعض فصائل المجاهدين الأخرى، وكان للقوى الاقليمية والدولية المعنية بافغانستان وذات المصالح بها دور فاعل في تغذية الصراع والانقسام خاصة مع تناقض مصالح هذه الدول ورغبتها في وصول أحد الفصائل دون الأخرى الى السلطة. الا أن مواقف القوى الدولية والاقليمية المختلفة وان كانت محددا لمستقبل افغانستان، الا أن المحك الأساسي في تقرير النظام الافغاني القادم يظل رهنا بمواقف الأطراف الافغانية ذاتها، ومدى التوافق و التنافر اللذين ستشهدها هذه المواقف. بقلم: د. نورهان الشيخ ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية