لاتزال احداث 11 سبتمبر التي هزت امريكا وما تبعها من تداعيات خطرة، تمثلت في توجيه ضربات عسكرية متلاحقة لافغانستان، لايوائها اسامة بن لادن المتهم امريكياً بالوقوف وراء تلك الاعتداءات، تحتاج إلى اجتهادات كثيرة من قبل المحللين والخبراء لشرح دلالات تلك الأحداث، والكشف عن جوانب عديدة لاتزال خافية على الجميع.«البيان» التقت الدكتور حسن نافعة استاذ العلوم السياسية، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في محاولة لرصد دلالات 11 سبتمبر، وكان اهم ما قاله في حديثه الطويل، انه يمكن بافكار بسيطة ان تهز امبراطوريات كبيرة كان من الصعب تخيل ان تهتز.ورأى نافعة أيضاً انه عندما تهتز اعظم دولة في التاريخ الانساني بهذا الحجم من الدمار من جانب منظمة صغيرة، فإن تساؤلات عديدة يجب ان تطرح حول مفهوم القوة وعناصرها. وفيما يلي الدلالات الخمسة التي رصدها نافعة. الدلالة الأولى هي خطورة الإرهاب الدولي، فمن الممكن لمنظمة سرية صغيرة لا يتعدى عدد أفرادها عشرة أو مئه أو حتى الف عنصر أن تحدث كل هذا الدمار الذي حدث في دولة لم تتعرض لمثله من قبل في تاريخها كله.. ومنظمات الإرهاب عديدة ومتنوعة ومنها العديد من المنظمات العنصرية والنازية وغيرها في أوروبا وأمريكا، فماذا يمكن أن يحدث لو أن واحدة من هذه المنظمات امتلكت قنبلة بيولوجية مثلا واطلقت هذه القنبلة في حي من أحياء العرب بدعوى أنهم من (السلاسلات المنحطة) وغيرها من الصفات التي نسمعها يوميا؟.. من الناحية النظرية، هناك إمكانية أن يحدث مثل ذلك، وبالتالي نحن أمام علامة استفهام كبيرة وأمام مشكلة خطيرة تهدد المجتمع الدولي كله، ولا يمكن أن نقصر النظر فقط على أن الولايات المتحدة قد تعرضت لهذا الحدث لأنها تمارس سياسات لا يرضى عنها العالم، فهذه مسألة أخرى، ولذا يجب أن ننظر إلى ما حدث في إطاره الأعم والأشمل، وهو إننا أمام ظاهرة خطيرة للإرهاب الدولي، وعلى المجتمع الدولي أن يتكاتف لكي يبحث في كيفية استئصال هذا الخطر.. لكن هذا موضوع، وما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية موضوع آخر. الدلالة الثانية أنه عندما تصاب أعظم دولة في التاريخ الإنساني بهذا الحجم من الدمار من جانب منظمة صغيرة، فهذا يطرح تساؤلات عديدة حول القوة ومفهومها وعناصرها، بل وتعيد النظر فيما تعلمناه جميعا في إطار عناصر القوة ومعناها.. هل هي القوة العسكرية، أم الاقتصادية، أو المعنوية، أو الإرادة إلى أخره من هذه العناصر والمكونات؟! الدلالة الثالثة هي رد الفعل الأمريكي لما حدث في 11 سبتمبر وسوف نلاحظ الآتي: 1 ـ أن الإدارة الأمريكية أصيبت بالشلل التام خلال ساعات طويلة، وهذا يلقي الضوء على أنه حتى أعتى النظم الدولية يمكن أن تصاب بالإرتباك والشلل أمام حدث غير تقليدي وغير عادي.. وهذا يعني كذلك أن العبقرية الإنسانية - بصرف النظر عن استخدامها في الخير أو الشر - لا حدود لها، فهي توصلت إلى تحويل طائرة مدنية تستخدم في نقل الركاب إلى قنبلة شديدة الدمار. وبالتالي فإنه بأفكار بسيطة جدا يمكن أن تهتز دول وإمبراطوريات تبدو وكأنها غير قابلة للإهتزاز. 2 ـ أن الولايات المتحدة كانت أكثر دول العالم تمتعا بالحرية والأمن معا.. الآن وبعد 11 سبتمبر اهتز واختل التوازن بين الحرية والأمن في الولايات المتحدة لأنها بدأت تحاول تحقيق الأمن على حساب الحرية ولا نستطيع أن نقول حاليا إلى أي مدى يمكن أن يصل ذلك، لأن الأمر مازال في بداياته. 3 ـ السلوك الأمريكي في إدارة الأزمة باستخدام السلاح هو في تقديره عدوان على دولة أخرى ـ أفغانستان ـ وليس له ما يبرره على الإطلاق من الناحية القانونية.. وهو ليس دفاعا مشروعا عن النفس، ولا هو بتصريح من الأمم المتحدة، وفي محاولة فهم السلوك الأمريكي يجب أن نميز بين الرغبة الأمريكية في الإنتقام لما حدث، وبين الهدف المعلن في مكافحة الإرهاب واستئصال جذوره، فما يحدث الآن لا يدخل مطلقا في محاولة التصدي للإرهاب الدولي واستئصاله، وإنما هي مجرد رغبة في الإنتقام ولذا أعتقد أن للولايات المتحدة أجندة معلنة وأخرى خفية. الدلالة الرابعة ان الرغبة الأمريكية الجامحة في الإنتقام تعرضها لارتكاب أخطاء كبيرة وكثيرة جدا.. وأريد أن أتوقف عند مشهد رأيناه جميعا مؤخرا عندما عرضت قناة الجزيرة الفضائية خطاب أسامة بن لادن عند بداية العمليات العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان، والتي حرصت باقي القنوات الفضائية العالمية وخاصة الأمريكية على نقله من قناة الجزيرة، وبدأ المشهد وكأن قناة الـ (سي. ان.ان) التي كانت رائدة في حرب الخليج الثانية قد تخلت عن تلك الريادة لتصبح (الجزيرة) هي صاحبة الدور الرائد.. وعندما شاهدت ابن لادن وهو يواجه الولايات المتحدة بهذه الطريقة قلت ان ابن لادن استطاع أن يوجه ضربة سياسية للولايات المتحدة لا تقل من حيث تأثيرها واحتمالاتها المستقبلية عن الضربة المادية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي، لأنه أصبح في موقف يستطيع من خلاله أن يسخر كل أجهزة الاعلام في الدنيا كلها لاستقبال خطابه السياسي وعرض قضيته.. الجميع تلقى خطاب ابن لادن باهتمام شديد بما فيهم المسلمين الذين استهدفهم بن لادن في خطابه وحاول أن يقول لهم ان المواجهة بين عالمين، عالم الكفر وعالم الإيمان، وهو نفس موقف الرئيس الأمريكي بوش الذي يقول أن المواجهة بين الحرية والإرهاب وأصبح الأمر وكأن على العالم كله أن يحدد في أي طريق يسير.. طريق بوش أم ابن لادن، وليس هناك خيار بين هذا أو ذاك.. والمهم في الأمر أن اسامة بن لادن استطاع أن يسخر كل وسائل الاعلام العالمي في مصلحته بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه أو مع خطابه وما فيه، وهذه في ادارة المعركة السياسية مسألة غاية في الأهمية، وهي أنه ليس فقط قادرا على توجيه ضربة مادية باستخدام وسائل بدائية - مبتكرة - ويلحق خسائر هائلة بالولايات المتحدة، وإنما أيضا أصبح في مقدوره أن يستقطب ويسخر كل طاقة الاعلام العالمي بما فيها الأمريكية لايصال رسالته إلى العالم كله. الدلالة الخامسة إلى أين يمضى السيناريو الأمريكي؟ أتصور أن السيناريو الأمريكي يسير كالآتي، ضربات جوية مكثفة لأفغانستان هدفها شل قدرات الدفاع الجوي الأفغاني من أجل أن تبقى السماء مفتوحة وآمنة أمام الطائرات الأمريكية ثم دفع قوات تحالف الشمال الأفغاني إلى احتلال بعض المدن ومن ثم اعلان أن حكومة طالبان سقطت، ثم تبدأ مرحلة تمشيط للقبض على بعض عناصر تنظيم القاعدة أو ربما أسامة بن لادن وعرضهم في شوارع أمريكا لتأكيد الانتصار.. هذه هي المرحلة الأولى لكن ما هي المراحل التالية؟! الخطاب الرسمي الأمريكي يحدد أن الهدف هو استئصال الإرهاب من جذوره. وهنا مربط الفرس.. فما هو الإرهاب، وما هو الفارق بين العمل الإرهابي والعمل المقاوم؟ ما هو إرهاب الأفراد وإرهاب الدول؟! هذه وغيرها قضايا غير محسومة، وبالتالي مطلوب أن يتفق المجتمع الدولي على تعريف الإرهاب وأن يميز بين العمل المقاوم المشروع وبين إرهاب الدول والأفراد.