منذ أواسط مايو الماضي والصراع السياسي يتصاعد ويستعر في اريتريا استباقا للانتخابات المقبلة في آخر هذا العام. والمعارضة ظلت تستعرض قواها منذ ذلك الحين في دعاية انتخابية سافرة، ومحاولات تحد غير معهودة لسلطة اسياسي أفورقي التي ظلت قوية مستقرة منذ استقلال القطر في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ولكنها بدأت تهتز الآن وتستجيب بعنف لمحاولات التحدي والنقد التي يمارسها المتطلعون لخلافة أفورقي. سيكولوجية الصراع لا يمكن فهم ما يجري من اضطراب في اريتيريا اذا لم نستصحب ظروف الخلاف العنيف بين النظامين الحاكمين في اريتريا وأثيوبيا، فلولا وجود ذلك الخلاف لما تجرأ ناقدو أفورقي على نقده الآن بعد ان ظلوا يعملون تحت سيطرته المطلقة لنحو ثلاثين عاما في أيام الثورة والنضال ضد السيطرة الاثيوبية القديمة، وقد شارك أكثر هؤلاء المنشقين عن أفورقي الآن في انشقاقه القديم عن جبهة التحرير الاريترية بقيادة المرحوم عثمان صالح سبي وهو الانشقاق الذي أتى على قواعد الجبهة القديمة وصفّى قياداتها إما بالاغتيالات، واما بالمعارك الضارية التي خاضها التياران ضد بعضهما البعض في أواسط السبعينيات ومنذ ذلك الحين خرج أفورقي زعيما فذا لا ينافسه أحد في قيادة الثورة ولا في تقدير مسائل الدولة بعد ذلك. وكما أفلح أفورقي في تصفية الجسم المترهل لجبهة التحرير الاريترية، فقد رنا بعد الاستقلال الى ان يصفّي الجسم المترهل للثورة الاثيوبية ليستخلص منه قيادة موالية له في أديس ابابا، ولعله خطط لذلك من قديم، إذ ان قواته هي التي انشأت ودربت قيادات الثورة الاثيوبية، ونسقت معها خوض المعارك ضد نظام منجستو هيلي مريم الى ان سقط، ونسقت معها خطط استقلال اريتريا، وحينها تهيأ المجال لأفورقي ليباشر تحقيق طموحاته الكبرى بالتغلغل في السياسة والاقتصاد في اثيوبيا، وبالفعل فقد حقق نجاحات كبيرة كان بامكانه ان يستغلها لتدعيم المصالح الاريترية على المدى الطويل، مثلما تفعل سائر الدول في النظر الى المصالح الآجلة باعتبارها هدفا استراتيجيا قوميا، ولكن أفورقي بانفعاله الدائم بالمعارك والصراع، اتجه الى ان يصفي الوضع سراعا، ليتخذ من شيعته من عناصر القيادة الاثيوبية صنائع له، يحكمون تحت أمرته وبتوجيهه المباشر سائر التراب الاثيوبي. هنا كان لابد للحرب ان تندلع، خصوصا ان اريتريا كانت قد رفضت الجلاء عن بعض المواقع الحدودية الاثيوبية، وقد اسفرت الحرب عن نتائجها المعروفة بهزيمة اريتريا. ولكن أفورقي لم ينهزم، إذ لم يتحقق شرط القيادة الاثيوبية لاعادة تطبيق علاقاتها مع اريتريا، وهذا الشرط الذي تحدد في ان يتخلى أفورقي عن السلطة، وهنا كان لابد ان تحققه بأية وسيلة اخرى، طالما ظلت على يقينها الراسخ المتولد من معرفتها العملية الوثيقة بأساليب أفورقي التصفوية. الكيد المتبادل هذه هي الرابطة التي انبثقت عنها تحركات المعارضة الاريترية أخيرا، وهي ذات الرابطة التي انبثقت عنها تحركات المعارضة الاثيوبية التي كتبنا عنها في حينها، عندما تكللت بالمظاهرات الجامعية العارمة، واختطاف الطائرة الاثيوبية الى الخرطوم، وفي بيان قيادة حزب الجبهة الشعبية الحاكم في اريتريا الذي صدر أخيرا تأكيدا لتلك الرابطة، فقد أشار البيان الى ان الخلاف في قيادة الحزب كان قد بدأ وتصاعد اثناء اشتعال الحرب الاريترية الاثيوبية، الا ان قيادة الحزب عملت على حجبه عن الانظار وحفظه في طي الكتمان وذلك ريثما تعود القوات الاريترية من المعارك. ولم يتوقف الخلاف وإنما اتسع كثيرا، لأن السلطة لم تعالجه الا بأسلوب واحد هو اسلوب القمع، إذ تم النظر اليه، لا على انه خلاف حول أساليب ادارة الحزب والدولة، وإنما باعتباره خروجا عن الشرعية ومحاولة لبث الفوضى وتهديد الأمن العام، وتمكين القوى الاجنبية من اختراق الوطن حديث الاستقلال. وبالنظر الى أساليب تصفية الخلاف وسط الثوريين الذين لم يعيشوا في اجواء تجارب حزبية برلمانية من قبل، فليس منتظرا الا ان يتواصل اسلوب الاحتجاج والتمرد، ويقابله من الطرف الآخر اسلوب العنف والقمع، وقد يستمر ذلك طويلا بأمل ان يؤدي عنف السلطة الى ارهاب المتمردين. وقد مورس ذلك العنف بأجلى صوره ضد طلاب جامعة اسمرة حيث اقتيد ثلاثة آلاف ممن اشتركوا في المظاهرات الى معسكرات العمل الشاق في صحراء مصوع، حيث تزيد درجة الحرارة على 40 درجة مئوية، وهذا أمر غير معهود على الاطلاق لمن يعيشون في أسمرة بطقسها البارد أو المعتدل، ولذلك فلم يكن مستغربا ان يلاقي بعض الطلاب حتفهم في تلك الصحراء، وقد أدت تلك المعاملة القاسية للطلاب الى اندلاع أعمال احتجاج أخرى في أوساطهم فخطب رئيس اتحاد طلاب اريتريا في احدى التظاهرات متناولا أمر ذلك المعسكر بالنقد اللاذع، وزاد من حدة خطابه فانتقد الحكومة نفسها، ومع ان الحكومة سارعت الى اغلاق ذلك المعسكر واعادة الطلاب الى أسمرة، الا انها ارتكبت حماقة اخرى باعتقالها لرئيس اتحاد الطلاب وايداعه السجن. واتسعت حملة القمع لتشمل الصحف المستقلة التي أبدت بعض التعاطف مع الطلاب والمتمردين أعضاء الحزب، وفي هذا السياق تم اغلاق ثماني صحف في خلال أقل من اسبوعين واعتقال تسعة صحفيين ارسلوا الى معسكرات العمل الشاق وفر صحفيان الى السودان هما مكلياس ميهريتان وسميري بتزبار والأول رئيس تحرير مجلة «Kete Debera» الاسبوعية والآخر محرر بها وقد فرا لأنهما توقعا ان يتم اعتقالهما اذا سبق لهما ان اعتقلا عدة مرات خلال الأشهر الماضية. وترافق مع اعتقال الصحفيين وقرار اعتقال وفرار أعداد كبيرة من المعارضين، حيث اعتقل ستة وزراء سابقون في نفس يوم اعتقال الصحفيين، وكان أولئك الوزراء ضمن مجموعة أعضاء القيادة المركزية الذين فصلوا من الحزب في مايو الماضي، وضمن هؤلاء المعتقلين بعض أبرز ابناء النخبة التيجريتية أمثال بطرس سولومون وزير الخارجية السابق وهو ينحدر من أسرة تدين لها سائر النخبة التيجريتية الاريترية بالولاء، إذ كان عميدها يشغل منصب مدير البروتوكولات في قصر الامبراطور هيلا سلاسي، وقد استغل منصبه ذاك ليدفع بهم الى الواجهة في كل المجالات، لاسيما مجالات التعليم والاقتصاد والقيادة السياسية، ولذلك يشكل اعتقال سولومون ضربة حساسة لنظام أفورقي إذ ربما يسحب عنه ولاء الكثيرين من قيادة الاثنية التيجريتية، وهي الاثنية الحاكمة حاليا في اريتريا. كما سجلت الاسابيع القليلة الماضية قرار عدد من الدبلوماسيين الاريتريين شأن د. تسفاي جرماسيون سفير اريتريا لدى الاتحاد الاوروبي الذي فرّ الى واشنطن حاليا طالبا حق اللجوء السياسي هناك، وقبله كانت حيرت برهي سفيرة اريتريا لدى الدول الاسكندنافية قد فرت الى امريكا، وكذا هرب أدحانوم قبري سفير اريتريا الى نيجريا تاركا منصبه ومتبرئا من علاقته بالنظام الاريتري، واستمرأ سفير اريتريا السابق لدى الأمم المتحدة هيلي منقريوس معارضة أفورقي، رغم انه يمثل حاليا منصب مبعوث الامين العام للأمم المتحدة لدى افغانستان، وفشلت كل محاولات أفورقي في طرده من العمل بالأمم المتحدة. الدعم الخارجي للمعارضة إن السفراء في العادة لا يفرون الا اذا ضمنوا وجود دعم خارجي قوي للمعارضة، فهم أقرب الناس الى تحسس ذلك الدعم ومعرفة حجمه وذلك بحكم عملهم في الاتصالات، وقد برز ذلك الدعم الخفي الى العلن في صورة الاحتجاجات القوية التي قدمها سفراء الاتحاد الاوروبي على الاعتقالات وهي الخطوة التي أدت الى طرد انتونيو بانديتي ممثل الاتحاد الاوروبي وسفير ايطاليا لدى أسمرة، ثم أسفر الاتحاد الاوروبي عن وجهة نظره عندما شرع في تنفيذ عقوبات اقتصادية على اريتريا فحجب المساعدات التي ظلت الدول الاوروبية تغدقها على اريتريا، وكانت تلك ضربة خطيرة سيتأثر بها الاقتصاد الاريتري المعتمد كلية على الدعم الاقتصادي الاجنبي، وربما أضرت بنظام افورقي أكثر مما أضرت به تحركات المعارضة الأخيرة. ان الدعم الغربي للمعارضة هو الذي سيضعف موقف أفورقي حقيقة ويرجح موقف المعارضة عليه، والا فبدون ذلك الدعم الغربي للمعارضة، سيتمكن أفورقي من تهميش المعارضة والاتيان بعناصر جديدة تقوي موقفه، وهنا يصعب على المراقب ان يراهن على مدى جدية دعم الغرب للمعارضة الاريترية، وما اذا كان مقصودا به اقتلاع أفورقي والاتيان ببديل له، أم مجرد الضغط عليه واضعاف موقفه وتطويعه ومنعه من ممارسات غزواته المتصلة للبلدان المجاورة. اذا كان الاحتمال الأول هو الراجح فإن الاطاحة بأفورقي ربما تمخضت عن أوضاع جديدة متسقة بالقرن الافريقي، وأوضاع انفتاح سياسي أوسع بداخل اريتريا، أما اذا رجح الاحتمال الثاني فستكون النتائج محدودة المدى، وهنا سيحني أسياسي رأسه للعاصفة وسيستجيب لبعض مطالب الاتحاد الاوروبي في اجراء انتخابات نزيهة نوعا ما تمكنه من البقاء في السلطة في غير ما انفراد بها، وهنا تكون أوساط المعارضة الاريترية قد تم استخدامها والتغرير بها من أجل تحقيق هدف محسوب للاتحاد الأوروبي، وهو هدف يقضي كثيرا على آمال الاريتريين المعارضين. د. محمد وقيع الله