على الأراضي الأفغانية تدور حاليا رحى حرب طاحنة تقوم بها القوات الأمريكية والبريطانية ضد حركة طالبان التي تسيطر على الأمور في أفغانستان، هذه القوات تستخدم في حربها أحدث الصواريخ والأسلحة بهدف دك قواعد قوات طالبان وتنظيم القاعدة، الذي يتزعمه اسامة بن لادن المطلوب رقم واحد الآن من الولايات المتحدة بحجة انه وراء الهجمات التي تعرضت لها في الحادي عشر من الشهر الماضي، واذا كانت الولايات المتحدة تقول أن حربها هذه التي حشدت لها تأييدا دوليا واضحا تستهدف مكافحة الارهاب واجتثاث جذوره وخاصة تنظيم القاعدة، فإن هناك الكثير من المراقبين يرون ان موضوع مكافحة ومحاربة الارهاب الذي تروج له أمريكا ماهو الا واجهة تتخفى وراءها من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها الحقيقية من وراء هذه الحرب وهي البحث عن موطيء قدم في هذه المنطقة الحيوية من العالم والتي تتميز بوجود أربع دول نووية هي باكستان والهند وروسيا والصين، فضلا عن وجود بترول بحر قزوين ثاني اكبر مخزون نفطي في العالم. «الملف» التقى بالخبير الاستراتيجي لواء طلعت مسلم وضياء رشوان الخبير الاستراتيجي بمركز الاهرام للدراسات في محاولة لالقاء الضوء على الضربات العسكرية الأمريكية البريطانية على افغانستان وهل حققت أهدافها عسكريا وسياسيا وهل نجحت أمريكا في حشد التحالف الدولي ضد الارهاب؟ ومدى اكتساب هذه الحرب ضد طالبان الشرعية الدولية وفقا لميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية، وهل اسقاط نظام طالبان وايجاد نظام بديل في كابول يحقق الاستقرار في افغانستان؟ وحقيقة مصالح الولايات المتحدة الظاهرة والخفية من وراء شن الهجمات العسكرية على افغانستان، وطبيعة مواقف حلف الناتو والدول العربية والاسلامية ازاء التطورات الجارية. أعداد كبيرة بداية يقول الخبير الاستراتيجي لواء طلعت مسلم: لقد بات واضحا الآن أن الولايات المتحدة لم تحقق من وراء الضربات والقصف الصاروخي المستمر لقواعد طالبان في افغانستان التأثير الذي كانت تريده، فحتى الآن لم نسمع عن سقوط اعداد كبيرة من قوات طالبان وكل ماسمعنا عنه هو تدمير بعض القواعد التي هي في الأصل لا توجد بها أية معدات عسكرية هامة، ولذلك فقوات طالبان حتى الآن لم تتأثر بهذه الضربات والتصريحات التي تخرج عن مسئوليها كلها تشير في هذا الاتجاه رغم كل التصريحات التي وردت على لسان المسئولين الأمريكيين التي تؤكد عكس هذا الكلام. وفيما يتعلق بالمصالح والأهداف الأمريكية الخفية والظاهرة من وراء هذه الحرب يرى لواء طلعت مسلم أن كل ماقيل من بعض المحللين عن قيام الولايات المتحدة بشن هذه الحرب من أجل البحث عن موطيء قدم في هذه المنطقة وبحيث تكون قريبة من بترول بحر قزوين، لا يعد كلاما دقيقا، كما أن الولايات المتحدة لا تهدف من وراء هذه الحرب اسقاط حكومة حركة طالبان في افغانستان فقط، ولكن أمريكا تشعر انها تلقت لطمة قوية في الحادي عشر من الشهر الماضي، هذه اللطمة اصابت الهيبة الأمريكية في مقتل ومن هنا كان لابد من هذه العمليات للقضاء على التمرد الافغاني الطالباني وحتى يكون ذلك درسا لأي دول أخرى قد تفكر في يوم من الأيام في التمرد على الولايات المتحدة، أي أن هذه العمليات تهدف بالاساس استعادة الهيبة التي ضاعت تحت انقاض برجي مبني التجارة العالمي، واستعادة ثقة الرأى العام الأمريكي الذي شعر بالمهانة في 11 سبتمبر ولن يرضى بأقل من القبض على بن لادن واسقاط نظام طالبان في افغانستان. منطقة صراع ولا يتفق لواء طلعت مسلم مع الرأي الذي يرى أن اسقاط حكومة طالبان وقدوم نظام بديل لحكم افغانستان قد يحقق الاستقرار في هذه المنطقة، ويدلل على ذلك بأن هذه المنطقة في الأساس منطقة صراع وعدم استقرار سواء سقط نظام طالبان أو لم يسقط ويتساءل هل نسينا ان افغانستان وقبل الضربات الأمريكية فيها قوات المعارضة الشمالية التي تحارب من أجل استعادة السلطة، هناك خلافات وصراعات عرقية ومذهبية في هذه المنطقة وغالبا لن يتحقق الاستقرار بها قريبا. وحول رأيه في طبيعة المواقف العربية والاسلامية من تطورات الأحداث الجارية على الساحة الافغانية يقول لواء طلعت مسلم: لقد كنت أتمنى مواقف عربية واسلامية أقوى تجاه هذه الأحداث منها الرفض القطعي لهذه الهجمات وادانتها على اساس انه لا يمكن قبول أن يكون علاج الخطأ بخطأ مثله لقد ذكرت بعض الدول العربية والاسلامية في البداية انها ضد التحالف الذي تريده الولايات المتحدة وانها تريد مؤتمرا دوليا لتعريف الارهاب ووضع السبل اللازمة لمواجهته ومن هذه الدول مصر، ولكن هذا الموقف تغير بعد ذلك، كما اننا كدول عربية سارعنا بتأييد الهجمات دون أن نأخذ مقابل لذلك على صعيد حل القضية الفلسطينية، فقد كان يجب علينا ان نتمسك بمؤتمر دولي لتعريف الارهاب ونضع شرطا للتعاون مع الأمريكان في مجال تقدم المعلومات والتحقيقات وهو تحقيق تقدم ملموس على صعيد حل الصراع العربي الاسرائيلي ولكن الذي حدث أننا أيدنا الضربات والحملة الأمريكية دون الحصول على أي مقابل نظير ذلك، رغم أن الاطراف الأخرى التي أيدت أخذت المقابل وفورا، هذا بالنسبة للموقف العربي، واذا نظرنا للموقف الاسلامي سنجده أسوأ حيث كان التأييد كبيرا من كل تركيا وباكستان وجمهوريات وسط اسيا الاسلامية مثل أوزبكستان. ويرى لواء طلعت مسلم ان الولايات المتحدة لم تنجح في حشد تحالف دولي في حربها ضد افغانستان، ولكنها على الاقل استطاعت أن تمنع المعارضة الرسمية لهذه الحرب، وخاصة أن هناك تباينا واضحا في مصالح البعض من الذين ارادت الولايات المتحدة أن تحشدهم معها، كما أن المسألة لا تحتاج في الأساس لتحالف دولي وتستطيع أمريكا بمفردها أن تنجز المهمة التي بدأتها منذ عدة أيام بضرب قواعد طالبان كما يرى أن موقف حلف الناتو والداعم بقوة للولايات الأمريكية يعود إلى أن المصلحة هنا مشتركة حيث أن الناتو هو الآخر يريد تأديب التمرد الأفغاني والطالباني، ومن هنا ورغم الاختلافات الكبيرة بين أعضاء الحلف فقد تناسوا هذه الخلافات وقدموا الدعم للولايات المتحدة. ويستبعد اللواء طلعت مسلم ان يكون هناك تدخل بري من جانب القوات الأمريكية في افغانستان من أجل انهاء هذه الحرب، ويعتقد أن هذا التدخل إن حدث سيكون خلال قوات المعارضة الافغانية الشمالية على أن تقوم القوات الأمريكية والبريطانية بتقديم العون لهذه القوات من خلال القصف الجوي المستمر، كما يمكن أن تقوم القوات الأمريكية بعمليات خاصة بهدف تحقيق بعض الأهداف دون وقوع خسائر كبيرة. أيام قليلة ومن جانبه يرى ضياء رشوان الخبير الاستراتيجي بمركز الاهرام للدراسات لا شك أن الضربات الصاروخية التي تقوم بها القوات الأمريكية والبريطانية ضد القوات الطالبانية قد أثرت على ماهو موجود من قواعد لهذه القوات وهو قليل، وخاصة في ظل تكثيف الضرب خلال الايام القليلة المقبلة، ولكن يجب أن نلاحظ هنا أن ما تملكه طالبان من قوة يتمثل في أفراد قواتها وهؤلاء لم يتأثروا بعد من جراء هذه الضربات، وهذا يعني أن القدرات البشرية الطالبانية التي سيعتمد عليها في الحرب البرية مازالت تمثل خطرا على القوات الأمريكية في حالة دخولها الاراضي الافغانية. وفيما يخص المصالح والأهداف الأمريكية الحقيقية من وراء شن هذه الهجمات يقول رشوان: الأمريكان الآن في مرحلة اعادة تشكيل للعالم وبما يتضمنه ذلك من ضرورة تواجدهم بالقرب من بترول بحر قزوين، أو بجوار القوة الاقتصادية الأهم في العالم وهي الصين، وهذا الأمر تفسره كثرة الحشود العسكرية التي دفعت بها الولايات المتحدة الى هذه المنطقة، فليس معقولا ان كل هذه القوات قد تجمعت من أجل القضاء على حركة طالبان. ويعتقد ضياء رشوان ان المواقف العربية بالنسبة للأحداث الجارية حاليا تتماشى مع القدرات العربية وحدود علاقاتهم مع الولايات المتحدة، أي أن ماقامت به الدول العربية هو آخر مايستطيعون القيام به الآن، ويكفي أن نشير في هذه الصدد الى الحملة الشديدة من جانب الأمريكان عندما اثار العرب موضوع القضية الفلسطينية في هذا التوقيت ورفض عمدة نيويورك التبرع الذي تقدم به الأمير الوليد بن طلال لمجرد أنه تحدث عن القضية الفلسطينية، أي انه لم يكن متاحا للعرب أكثر مما قاموا به في حدود علاقة التحالف التي تربط غالبيتهم بالولايات المتحدة. وعن رأيه في طبيعة موقف حلف الناتو من الأحداث يشير رشوان الى ان هناك بعض الأوروبيين ليسوا سعداء بما تقوم به الولايات المتحدة وحاليا، فهم متخوفون ان تتمادى في هذا الأمر وهذا قد يؤدى الى مشكلات كبيرة والأوروبيون يعرفون أنهم سيكونون الضحية الأولى لتداعيات هذه المشكلات في ظل وجود الملايين من المسلمين على اراضيهم ومن جنسيات مختلفة ولكن مع ذلك فالأوروبيون مضطرون لأن يؤيدوا الضربات الأمريكية وحتى لا يتركوا القوات الأمريكية بمفردها في هذه الأحداث مع وجود علاقة التحالف بينهما. القاهرة ـ مكتب «البيان»: