لايزال المراقبون والاستراتيجيون في الولايات المتحدة وغيرها يبدون النظر ويعيدونه في جوهر وتفاصيل «السيناريو» الذي تعكف الآن دول المثلث الجديد (الولايات المتحدة، بريطانيا، باكستان) على اخراجه، كما لم يزل المراقبون يتأملون في طبيعة التطورات والتشكيلات التي ستترتب على ذلك السيناريو. ولا يمكن لأحد ـ بالطبع ـ ان يرسم خريطة دقيقة لما يمكن ان تكون عليه الاوضاع السياسية في المستقبل، الا ان هناك عناصر أساسية ستتحكم بصورة كبيرة في طبيعة السيناريو الذي يجري اعداده الآن، كما قد تتحكم في مسارات العملية السياسية لمرحلة ما بعد الحرب وما بعد حكومة طالبان. يأتي على رأس هذه العناصر طبيعة التحالف الثلاثي الجديد. ومدى قدرته على التماسك، ومدى قدرة أي من أركانه على تماسكه الداخلي واستمراره في السلطة. وغني عن القول ان وجود تضامن امريكي ـ بريطاني ليس امرا جديدا في السياسة الدولية، فهاتان دولتان ذاتا اصول ثقافية مشتركة، وتوجهات سياسية متشابهة، ويوجد بينهما تفاهم مستمر على مناطق النفوذ والمصالح الحيوية. ولو ان امريكا وبريطانيا ادخلتا معهما روسيا في هذا التحالف لما كان الامر مستغربا، فروسيا لم تعد بعد نهاية الحرب الباردة جسما غريبا في داخل النظام الاوروبي، كما انها لم تزل دولة ذات ثقل استراتيجي على الدويلات الجديدة المتاخمة لافغانستان، علاوة على ان روسيا ترى ان لها مصلحة حقيقية في القضاء على المقاومة الاسلامية في الشيشان، فكان بامكان الولايات المتحدة اذن ان تضم اليها روسيا كما ضمت بريطانيا ويعملان معا من خلال برنامج مكافحة الارهاب غير ان روسيا لم تضم الى التحالف برغم توددها، وانما ضمت باكستان برغم ترددها، وبرغم ان دخولها في مثل هذا التحالف يمثل خطرا قد يقضي على وجودها. أحكام الطوق الأمريكي وقد بلغت الجهود التي بذلتها امريكا في سبيل ادخال باكستان في التحالف درجة التهديد الصريح، حيث تشير بعض المصادر الصحافية قريبة الصلة بالادارة الامريكية للاجتماع الذي ضم مستشاري الرئيس الامريكي ومسئول الاستخبارات الباكستاني بعد يومين او ثلاثة من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الماضي، حيث حاول المسئول الباكستاني ان يشرح موقف بلاده، ويوضح طبيعة العلاقات «التاريخية» الطويلة والمعقدة بينها وبين افغانستان، فثار المسئول الامريكي في وجهه وقال له مهددا: «ان كل التاريخ يبدأ عند هذه اللحظة، وفي هذا المكان. فما كان بامكان المسئول الباكستاني الا ان يمسك فضل لسانه، ويسرع الخطو نحو المطار، وقد ادرك عندئذ ان بلاده مقبلة بالفعل على عهد جديد تدار فيه الشئون الامنية والعسكرية من داخل البنتاجون «والجدير بالذكر ان ذلك المسئول قد اعفي من منصبه قبل الغارات الجوية على افغانستان بيوم واحد، واتبعت تلك الخطوة باعفاءات اخرى في المواقع العسكرية والامنية اجراها الرئيس الباكستاني ـ باشارة من البنتاجون أو بأمر منه». وتدل هذه الحالة وامثالها ان جوهر التحالف الجديد يقوم اساسا على احكام الطوق الامريكي على رقبة باكستان، ووضع قدراتها العسكرية والتكنولوجية ومصادرها الاستخباراتية في يد الادارة الامريكية بصورة مباشرة. فاذا تم ذلك، فانه سيخدم اهدافا متنوعة، يأتي على رأسها تطمين كل من الهند واسرائيل ـ القوى الحقيقية في المنطقة ـ بأن القدرات النووية الباكستانية قد وضعت تحت ايدي أمينة، وانه لا شيء يهدد امنهما. فعليهما ان يرفعا ايديهما عن المنطقة في الوقت الراهن على الاقل حتى لا يربكا الاجراءات الاخرى الجارية. اما الهدف الثاني فهو مخاطبة الرأي العام في الولايات المتحدة وبريطانيا، ومحاولة اقناعه بأن الحرب الجارية ليست ضد الاسلام بدليل ان باكستان ـ الدولة الاسلامية ذات الثقل السياسي والعسكري في المنطقة ـ قد دخلت في التحالف الأمريكي، وفتحت أجواءها للطيران الامريكي، كما فتحت ملفاتها للاستخبارات الامريكية. اما الهدف الثالث فهو ابلاغ الدول العربية «المعادية لامريكا او الصديقة لها» بأن مرحلة جديدة في السياسة الدولية قد اطلت، وان هذه المرحلة تقوم على تحالفات جديدة «ليس بالضرورة ان تمثل المجموعة العربية لاعبا اساسيا فيها»، وتتمركز حول اهتمامات وقضايا جديدة «ليس بالضرورة ان تكون اهتمامات الدول العربية جزءا اساسيا فيها». تغير المعادلات اما العنصر الثاني الذي يمكن الاستئناس به في قراءة المستقبل السياسي لمرحلة ما بعد الحرب فيتعلق بالكيفية التي يمكن ان يستجيب بها الرئيس الباكستاني لنوعين أساسيين من الضغوط يدفعانه في اتجاهات متعارضة: ضغوط من قبل الادارة الامريكية تدفعه في اتجاه الاندماج التدريجي في انظمة التحالف الجديد، والمساهمة الجادة في تحقيق أهدافه، وضغوط من قبل بعض العناصر العسكرية والسياسية والشعبية في داخل باكستان تدفعه في اتجاه المقاومة للسياسات الامريكية. ولكن الذي يبدو للمراقبين ان الاتجاه الغالب هو ان يحاول الرئيس الباكستاني ان يلجأ الى المناورة والمراوغة حفاظا على بقائه في السلطة وعلى قدرات باكستان وربما على وجودها. فهو سيحاول مثلا ان يتشدد ضد الجماعات الاسلامية في داخل باكستان ولكن دون ان يصل معها في ذلك الى درجة المواجهة الشاملة، كما سيحاول من ناحية اخرى ان يتشدد مع الادارة الامريكية فيما يتعلق بتكوين النظام الافغاني الجديد، وفيما يتعلق بوضع اقليم كشمير المتنازع عليه مع الهند، ولكن دون ان يصل في هذه المطالب الى درجة المواجهة مع دولتي التحالف. ولكن الى اي مدى يستطيع الرئيس الباكستاني ان ينجح في هذا المسلك؟ اذ ان من المؤكد ان الادارة الامريكية «ومن ورائها الهند واسرائيل» لن تقبل بأي وجود لعناصر اسلامية «دع عنك جماعات اسلامية» في افغانستان او في كشمير، مما يعني ان يبحث الرئيس الباكستاني عن حلفاء جدد من خارج الاطار الاسلامي وذلك في كل من افغانستان وكشمير «وربما في داخل باكستان نفسها» على ان هذا سيعني انقلابا كبيرا واساسيا ليس فقط في مجال التشكيل العسكري والسياسي، وانما في طبيعة الايديولوجيا التي يعتمد عليها النظام الباكستاني في تعريف ذاته، وفي تحديد هويته، وفي تبرير وجوده السياسي، فاذا استطاع الرئيس الباكستاني ان يقوم بمثل هذا الدور فانه سيكون قد نجح في هندسة انقلاب ثان يستطيع بموجبه ان يقوم بما قام به شاه ايران في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، او ما قام به الرئيس السادات في مصر، اما اذا عجز او رفض فاغلب الظن ان المخابرات الامريكية ستنشط في اعداد نظام بديل «ان لم تكن قد فرغت من اعداده بالفعل» وذلك لأن التسلسل المنطقي الذي قاد الى اقامة نظام بديل في افغانستان سيقود الى اقامة نظام بديل في باكستان. اما العنصر الاخير الذي يمكن ان يساعد في تحديد اتجاه التطورات السياسية القادمة فهو يتصل بالرأي العام في داخل الولايات المتحدة. فالذي يلاحظ الآن ان ادارة الرئيس بوش تتمتع بشعبية واسعة، وفرتها لها الحوادث الاخيرة، وما صاحبها من ايقاظ لروح وطنية عارمة واستعداد للتضحية، ورغبة في الثأر، وسيستمر هذا التأييد الشعبي ما دامت الخسائر العسكرية في درجة الصفر، وما دامت الحكومة الفيدرالية قادرة على تغطية الخسائر الاقتصادية الهائلة التي حدثت نتيجة للتفجيرات الاخيرة وللحرب الراهنة. ولكن السؤال الكبير: هل تستطيع الادارة الامريكية ان تدخل افغانستان فتقضي على حركة بن لادن وحكومة طالبان ثم تخرج دون ان يقتل عدد من قواتها او يقع بعضهم في الأسر؟ وهل تستطيع الادارة ان تزج بقواتها الخاصة في طول العالم الاسلامي وعرضه بحثا عن عناصر الارهاب دون ان يصاب عدد من رعاياها؟ وهل تستطيع القوات الامنية في داخل الولايات المتحدة ان تمنع تكرار ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر؟ لا يستطيع أحد في داخل الادارة الأمريكية ان يدلي بتطمينات شافية في هذه المجالات، كما لا يستطيع احد ان ينكر المخاطر الامنية الهائلة التي سيتعرض لها المواطنون الامريكيون من جراء هذه الحرب، اما من ناحية اخرى فان الوضع الاقتصادي سوف لن يكون احسن حالا من الوضع الأمني، اذ ان اطالة الحرب العسكرية والأمنية سينعكس سلبا على الوضع الاقتصادي، وستؤدي هذه العوامل مجتمعة الى تزايد الأصوات المعارضة للحملات العسكرية، ان ادارة الرئيس بوش ـ التي دفعت بها الاحداث الاخيرة الى قمة مجدها السياسي ـ لن تحتمل معارضة داخلية قوية، مما يجعلها تنأى في سياستها الخارجية عن أي خطوة يسقط فيها جندي أمريكي وتعرض صورته على شاشات التلفزيون. وقد يدفع بها هذا الى الاعتماد على آخرين مما يقلل فرصها في الانفراد الكامل بوضع تفاصيل الخريطة السياسية الجديدة في المنطقة. بقلم: د. التيجاني عبدالقادر ـ فرجينيا ـ الولايات المتحدة