توقعت المحامية اللبنانية مي الخنساء أن يسطر القضاء اللبناني مذكرات دولية خلال أكتوبر الجاري تقضي بتوقيف رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون وشيمون بيريز، ومحاكمتهما بارتكاب 73 جرماً على الأقل منذ العام 1948 حتى الآن، منها المجازر الفردية والجماعية، والتدمير، والتخريب والابادة للبنانيين والفلسطينيين وللشعب العربي عموماً. وروت الخنساء ل«البيان» قصة الدعاوى القضائية التي تقدمت بها ضد شارون وبيريز، وكل من يظهره التحقيق شريكاً أو ضليعاً بارتكاب الجرم. وكشفت النقاب عن انها تحضر لعقد مؤتمر دولي يستمع فيه المشاركون إلى شهادات حية من أشخاص يمثلون شهوداً على الجرائم الصهيونية، خاصة تلك التي ارتكبت في لبنان، سواء في مخيمي صبرا وشاتيلا في اجتياح عام 1982 أو غيرها الكثير. وفيما يلي نص الحوار مع المحامية اللبنانية المدعية في القضية ضد شارون وبيريز: ـ هل من شكاوى مماثلة أخرى كنت قد تقدمت بها؟ ـ كنت قد تقدمت بشكوى ضد ايهود باراك منذ حوالي سنة وستة أشهر. لكن لم تكن آنذاك دراسة ثابتة لدى القضاء تظهر ان القضاء اللبناني يختص بذلك. ونحن نعرف ان باراك قد أعطى أوامره للطائرات الحربية الاسرائيلية لأن تقصف البنى التحتية اللبنانية وتدمرها. آنذاك كان هناك التباس مفاده: هل القضاء اللبناني مختص بالنظر بذلك أم لا؟ قبلت الدعوى، لكنها جمدت، خاصة مع تحريك مساعي السلام في المنطقة آنذاك. وحصلت اتصالات لتجميدها، إلى أن انعقد مؤتمر المحامين العرب في لبنان خلال شهر مارس الماضي، وكنت قد قدمت إليه دراسة استيضاحية حول مدى اختصاص القضاء اللبناني بذلك، فأكد المؤتمر في قرارته على أن هذا القضاء مختص بذلك، وبالنظر في أية دعوى تقام ضد الصهاينة، وقد كرس هذا الأمر فيما كرره، رغم ان هناك أشخاصاً كثيرون كانوا يعارضون هذا الرأي على أساس ان قضاءنا غير مختص. ـ هل القرارات التي يتخذها مؤتمر اتحاد المحامين العرب ملزمة للقضاء اللبناني؟ ـ هي ليست ملزمة للقضاء، بل لكل وزارات العدل من خلال الاتصالات التي تجري في مثل ذلك السياق عادة. لأن تلك القرارات تكون حصيلة دراسات قانونية معمقة ومتخصصة. فهي ليست قرارات شخصية. فطالما ان هناك قانونا ينص على أن أي اعتداء يتم داخل أرض معينة، فإن القضاء نفسه فيها مختص بمتابعته. وجاء القضاء الدولي ليكرس هذا الأمر، فالمحاكم الدولية ما هي إلا تتمة، أو تكملة لمتابعة القضايا التي تنشأ عادة على الأرض المحلية. القضاء البلجيكي ـ إذن لماذا نرى اتجاهاً لاقامة مثل تلك الدعاوى لدى القضاء في بلجيكا دون سواه في هذه الأيام؟ ـ لم أتقدم بالدعوى أمام القضاء البلجيكي رغم ان لديه حسنة على ذلك الصعيد، لكن جرى تقديم دعوى إليه بعد أن تقدمت أنا بالدعوى في لبنان. وقد كان ذلك منذ ابريل الماضي، وكانت الدعوى الجديدة لي ضد شارون هذه المرة وليست باراك. لكن لدى أحد المحامين اطلاع على أن القضاء البلجيكي يسمح بمقاضاة الصهاينة، أو أي متهم، بالاعتداء على الشعوب أمام محاكم بلجيكا، مهما كانت جنسيته. فكلف المحامي أحد الناشطات في المخيم بتأمين وكالات له من قبل الذين تعرضوا للمجازر التي ارتكبت في المخيمات عامة، ومخيمي صبرا وشاتيلا خاصة، وانتقل إلى بلجيكا حيث تقدم بدعواه، وقد هنأت زميلي فعلاً على هذه الخطوة، لأنني أساساً مع أي شخص يتحرك ضد الصهاينة. وهو تقدم بشكواه في 18 يونيو الماضي، أي بعد أن تقدمت أنا بالدعوى بحوالي شهرين. ـ لكن طالما ان القضاء اللبناني مختص بذلك فلماذا تقديم الدعوى في بلجيكا؟ أمازال هناك التباس حول صلاحية القضاء اللبناني في هذا الشأن؟ ـ لا، ليس هناك التباس. لكن ربما ارتأى زميلي ان الاطلالة بالدعوى دولياً في بلجيكا أفضل مما يمكن أن تكون عليه في لبنان. ولديه الحق في ذلك، خاصة وان الاعلام الدولي، والاعلام الغربي بالتحديد، يهتم أكثر بهذه القضية، لكن اعلامنا العربي، ولاأريد أن أقول انه قصر إلا انه يستطيع أن يعطي أكثر مما يقدمه بكثير، فهو لا يأخذ المبادرة، ويخشى أن «يفجر خبراً». إنني لا أنكر اهتمام الاعلام، وأذكر انه منذ أن تقدمت بدعواي جاءتني وسائل إعلام عربية عديدة، لكن الأكثر كانت أجنبية، وأبدى لي أصحابها مفاجأتهم لما قمت به. وكانوا يتساءلون: هل يستطيع انسان أن يقاضي شارون؟ كانوا يعتبرون ان هذا العمل غير طبيعي. وطالما سمعت من يقول لي انني أقوم «بعمل مجنون» ولكنني كنت المبادرة إلى طرح هذه المسألة، وحمل هذه الراية. والآن أصبح هناك أشخاص كثيرون سائرون من بعدي على الدرب نفسها. وهذا يعني بالدرجة الأولى انني كنت أسير على الدرب القويم واللواء الذي حملته لواء سليم. ... وأخيراً مشى المارد ـ هل حصلت تطورات عملية متقدمة بالنسبة للدعوى التي كنت قد تقدمت بها؟ ـ حصلت أمور عملية كثيرة، ففي ابريل الماضي تقدمت بالدعوى بصفتي الشخصية، بدون وكالات من أحد، فقد كان هاجسي الأول والأخير آنذاك مقاضاة الصهاينة. والدليل انه قبل ذلك بحوالي سنة كنت قد تقدمت بدعوى ضد باراك، دون وكالات أيضا، أي على مستواي الشخصي كمحامية. إضافة إلى أنني اعتبر نفسي متضررة من الصهاينة. فأنا لي مصلحة وحق في مقاضاتهم، مثل أي مواطن آخر تماماً في الشعب اللبناني. وسبق أن قلت في مؤتمر اتحاد المحامين العرب، وهذا ما أوردته في الشكوى نفسها أيضاً، انني لاحظت ان هناك مارداً قابعاً داخل القمقم. فآليت على نفسي فتح هذا القمقم ليطلع منه، وأحارب الصهاينة. كل المحامين كانت قلوبهم تغلي من الداخل. لذلك أدركت ان الفكرة لاتخصني وحدي وان هناك آخرين كثر يشاطروني الأمر. لكن لا أحد كان يجرؤ على المبادرة، وليس من منطلق الخوف، انما تخوفاً وتحسباً لأن يقال: «من هذا ليقاضي باراك أو شارون، أو أي مسئول صهيوني آخر؟!». لكنني كسرت هذا الحاجز، وسرت في الأمر، وحققنا خطوات عديدة وجيدة. والحمد لله أصبح الكثيرون إلى جانبي الآن. يعني مشي المارد. ـ لنكن عمليين ما هي الخطوات التي تحققت؟ ـ أول ما تقدمت بالشكوى ضد شارون، وشيمون بيريز طبعاً، على مجازر قانا وصبرا وشاتيلا والنبطية وغيرها مما ارتكباه، وهو عبارة عن 73 جرماً حددتهم في الدعوى. فمثل تلك المجازر ثابتة بما لا يقبل الشك. وقد اتضح لي خلال عملي بذلك، وللأسف، انه ليس في لبنان أي ملف رسمي عن الجرائم التي ارتكبها الصهاينة فوق أراضيه، وضد شعبه والمقيمين فيه. أعتقد ان الحسنة الأساسية التي حققتها هي انني بدأت أعمل أول ملف عن ذلك، ليس أنا، بل الدولة هي التي بدأت تفعل ذلك. لقد شغلتها به. واعتبر ان هذه خطوة مهمة جداً قمت بها. أتذكر انه عندما تقدمت بدعوى ضد باراك، سألني ابني الصغير: «يا ماما، ألا نستطيع نحن أن نقاتل الصهاينة؟». يعني كان يسألني اننا نحن من يقاضي المجرمين، فلماذا لا نقاضي الصهاينة. هذا يعني أيضاً ان أطفالنا صاروا يلوموننا. فآليت على نفسي إلا أن أقوم بمثل هذا الأمر، رغم علمي الأكيد انني منذ أن تقدمت بالشكوى صارت هناك عيون كثيرة تنظر إليّ باستغراب. ربما بعض الناس تهكموا عليّ في بداية الأمر. تساءلوا: من نحن لنحارب الصهاينة أو نقاضيهم؟ تنشيط التوكيلات ـ باختصار يمكن القول ان الخطوة الأولى التي تحققت هي ان القضية تحركت قضائيا. والثانية انه بدأ تكوين ملفات رسمية بشأن ذلك تظهر جرائم الصهاينة، هل من مزيد من الخطوات المماثلة حصلت أيضاً؟ ـ الخطوة الثالثة هي انني بدأت أتلقى توكيلات من أشخاص يوكلون لي حق مقاضاة شارون والصهاينة، كما قلت، ان الناس استغربوا الأمر في البداية، لكنهم أدركوا مع الوقت انه من اللازم التحرك في ذلك الاتجاه. ومنذ ذلك الحين زرعت في قناعات الآخرين انني، من جهتي أقاوم اسرائيل، لكنني أمارس المقاومة القانونية. أنا بدأت بنفسي، انما كلي ثقة انني لن أبقى المقاومة القانونية الوحيدة للصهاينة واسرائيل. أكرر انني مقاومة، انما سلاحي هو القانون، وسيحمله معي الكثيرون قريباً. ـ ما أنواع التوكيلات التي حصلت عليها ضمن ذلك الاطار؟ ـ لدي حتى الآن 15 وكالة، حول قضايا تتعلق بمجازر وقتل واغتصاب وأهييء لمؤتمر كبير سيعرض فيه كل من عايش ما حصل ما رآه أمامه من مثل تلك الويلات.. وستكون هذه الشهادات على مستوى دولي شامل، وأعتقد انه سيكون لها تأثير عميق على الرأي العام العالمي واتجاهاته ومؤسساته وأفراده. آخر وكالة تلقيها من شخص يدعى حسين عباس اسماعيل، وهو يفيد بأن الصهاينة دخلوا إلى المخيم في بيروت، كانت أشلاء الضحايا مرمية يميناً وشمالاً. وأعتقدوا انه مقتول بدوره، لذلك فإنه رأى الجنود يغتصبون المرأة مداورة ثم يبقرون بطنها بسكين حادة. ولما تمكن من التحرك هرب من المكان، لكنهم شعروا بحركته فطاردوه وأمطروه بالرصاص، فأصابوه في أماكن عدة من جسمه، لكنه ظل حياً يرزق، حيث تمكن من الوصول إلى مستشفى ميداني في محيط المكان آنذاك، وتلقى العلاج العاجل واللازم، ولم يكن قد تجاوز عمره آنذاك ال18 سنة. وهو معاق الآن، ويحمل بطاقة الاعاقة الدائمة، وهو لا يستطيع أن يعمل أو ينجب. بانتظار مذكرات التوقيف ـ تقدمت حتى الآن بمذكرات إلى الجهات القضائية اللبنانية المختصة، خاصة إلى النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم. ما هي الخطوات التي قام بها القضاء حتى الآن رداً على ذلك؟.. وما هي تلك المرتقبة والمنتظرة منه؟ ـ الرئيس عضوم عقد مؤتمراً على ضوء ذلك، وقال انه سيسطّر مذكرات توقيف، ويعممها دولياً ضد شارون وبيريز.. وأعتقد انه ستبرز تحركات قريباً في هذا الاطار، بعد أن انتهت العطلة القضائية في لبنان لهذه السنة، وعاد العمل القضائي إلى طبيعته وحركته منذ مطلع أكتوبر الجاري، وآمل أن يتم تسطير مثل تلك المذكرات قريباً، خاصة واننا، كما سبق وذكرت فوجئنا بعدم وجود ملفات ولاتحقيقات، وان يحصل ذلك خلال اكتوبر الجاري. ـ هل تعتقدين انه ستكون هناك جدوى تنفيذية وعملية لمثل تلك المذكرات بعد تسطيرها؟ ـ الايجابية الأولى التي ستحصل على ضوء ذلك، هو انه سيكون هناك احراج للدول العربية بالدرجة الأولى، عند استقبال أي شخصية صهيونية من تلك التي سوف تشملها تلك المذكرات، سواء كان شارون أو بيريز أو أي شخص آخر يظهر التحقيق تورطه ومشاركته في المجازر ضد شعبنا اللبناني والفلسطيني والعربي في لبنان. سيصبح المسئول الصهيوني مطلوبا للعدالة بموجب مذكرة توقيف دولية، ويفترض أن يمنع من الدخول إلى أية دولة، أو يلقى القبض عليه، خاصة وان الرئيس عضوم قال انه سيعمم الأمر دولياً. وبالتالي فسيكون هناك إحراج لمثل تلك الدول العربية، وحتى للدول الأوروبية الملتزمة بقرارات الانتربول الدولي، أي انها ملتزمة بتسليم أي شخص يكون مطلوباً للعدالة. بيروت ـ وليد زهر الدين: