أفرزت الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001 عددًا من النتائج المهمة لعل أبرزها على الإطلاق وجود إجماع دولي على ضرورة التصدي لظاهرة الإرهاب، باعتبارها الخطر القادم الأعظم الذي يواجه كل الدول وعلى الرغم من هذا الإجماع فإن المواقف العربية والدولية والإقليمية قد شهدت تباينًا واضحًا في هذا الشأن ابتداءً بتعريف مصطلح الإرهاب ذاته ومرورًا بأهمية انعقاد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب وانتهاءً بالتحالف الدولي الذي تسعى الولايات المتحدة لحشد التأييد له لمواجهة تلك الظاهرة. وفي إطار رصد بعض المواقف من تلك الظاهرة يمكن القول إن دول الخليج العربية قد سجلت موقفًا إيجابيًا وملحوظاً بصدد تعاطيها مع تلك الأحداث سواء على مستوى مجلس التعاون ككل من خلال الاجتماع الطارئ الذي عقده المجلس الأعلى وأصدر بيانًا يؤكد فيه على أن «دول مجلس التعاون ستعمل بجهد مع الأسرة العالمية على اجتثاث آفة الإرهاب» أو على مستوى تصريحات القادة الخليجيين كل على حدة. وبعد ما يربو على الشهر من وقوع الهجمات الإرهابية ما تزال المواقف الخليجية من الأزمة بوجه عام ومن قضية الإرهاب ومكافحته بوجه خاص محل اهتمام المراقبين والمتابعين. إلا أنه وقبل التطرق إلى هذه المواقف تجدر الإشارة إلى ملاحظتين أوليتين تعينان من فهم المواقف الخليجية من القضية. أما الملاحظة الأولى:- فهي معاناة الدول الخليجية لسنوات طويلة من الإرهاب وهي معاناة ربما فاقت معاناة دول أخرى كثيرة. و لعل المملكة العربية السعودية نموذج لهذا الأمر، إذ بلغت العمليات الإرهابية ذروتها في حادث تفجير الخبر. و لم تكن المملكة هي الدولة الخليجية الوحيدة التي طالتها أيادي الإرهاب الآثمة، إذ شهدت دولا مثل الكويت حوادث إرهابية مشابهة. أما الملاحظة الثانية: فهي أن دول مجلس التعاون الخليجي تظل معرضة أكثر من غيرها للإرهاب، ويرجع ذلك من بين عدة أسباب أخرى إلى نظامها السياسي والاجتماعي و انفتاحها وعدم اعتمادها على البطش الأمني وعدم معرفتها للملاحقة البوليسية ومضايقة الوافدين بل إنها دول يتمتع فيها الإنسان بحرية تامة في تنقلاته وعمله وحياته. وفي ضوء الملاحظتين السابقتين وهما تعرض الدول الخليجية للإرهاب واحتمال استمرار هذا التعرض،تبرز أهمية الموقف الخليجي من قضايا الإرهاب ومكافحته، وفيما يلي إشارة إلى المواقف الخليجية على مستويين مختلفين المستوى الأول: هو مستوى الدول الخليجية منفردة،والمستوى الثاني: هو مستوى منظومة مجلس التعاون الخليجي. ويمكن بوجه عام بلورة المواقف الخليجية فيما يلي: (1) التأكيد على تعاون الدول الخليجية ضمن الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب. (2) التأكيد على أن الأراضي الخليجية لن تستخدم لضرب أي دولة صديقة أو شقيقة. (3) بذل جهود دبلوماسية مكثفة للحد من ظاهرة الإرهاب. (4) التأكيد على الفصل بين أفغانستان كدولة تأوي الإرهاب والمواطنين الأفغان. (5) بذل جهود مكثفة، لمحاولة تجفيف منابع تمويل الجماعات والمنظمات الإرهابية. السعودية نموذجاً وعلى الرغم من الأهمية التي تكتسبها مواقف الدول الخليجية سابقة الذكر،بيد أن الموقف السعودي يكتسب أهمية خاصة بالنظر لجملة من الاعتبارات منها: (1) أن المملكة العربية السعودية هي المدافع الأبرز والداعم الأول لقضايا العالم الإسلامي طوال تاريخها،ومن ثم تضع قضية الإرهاب والخلط بينه وبين الإسلام في صدارة اهتمامات سياستها الخارجية. (2) ان المملكة ترتبط بعلاقات صداقة وتعاون مشترك في كثير من المجالات مع الولايات المتحدة الأمريكية،الأمر الذي يخلق حالة من الترقب للموقف السعودي المنتظر من الأحداث الجارية في العالم والمنطقة. ويشير كثير من المتابعين لردود الأفعال الدولية للأزمة الأخيرة، إلى أن موقف المملكة جاء ليعبر عن ثوابتها الراسخة التي تميز سياستها الخارجية،كما جاء ليشير إلى «الحنكة السياسية» و«الفهم العقلاني» ـ على حد تعبيرهم ـ للأوضاع على الساحة الدولية الذي تتمتع به القيادة السعودية. وفيما يلي يمكن الإشارة إلى أهم مرتكزات التعامل السعودي مع قضية الإرهاب: أولا: تنطلق المملكة العربية السعودية في تعاطيها مع قضية الإرهاب من قناعة مؤداها أن مواجهة الإرهاب عمل دولي ومسئولية دولية لا تقتصر على دول دون الأخرى، وبالتالي فقد أكدت في أكثر من موقع ومناسبة على ترحيبها واستعدادها بذل كل ما في وسعها من أجل محاربة الإرهاب في إطار تحالف دولي يعمل على استئصال و اجتثاث جذور الإرهاب و مسبباته. و في هذا الإطار دعا وزير الخارجية السعودي إلى مفهوم جديد في التعاون بين أعضاء المجتمع الدولي يسمح للمسلمين والمسيحيين في الشرق والغرب وللإنسانية جمعاء لتحارب هذا الارهاب. والملاحظ أن المملكة تكرس مبدأ التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب من خلال كثير من الاتفاقيات التي وقعتها مع دول أخرى سواء كانت عربية أو إسلامية أو دول صديقة أخرى حيث يأتي موضوع مكافحة الإرهاب في مقدمة مجالات التعاون التي نصت عليها هذه الاتفاقيات. ثانيا: إن الموقف السعودي السابق المؤيد للعمل في إطار تحالف لم يمنع أن تتخذ الرياض موقفا يرفض استخدام أراضيها وقواعدها العسكرية في أي هجوم على الشعب الأفغاني انطلاقا من الرابطة الإسلامية، حيث لا يمكن أن تشارك المملكة في هجوم ضد مسلمين مدنيين أبرياء. وكان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قد نفى تقارير تفيد بموافقة المملكة العربية السعودية على استخدام قواعد عسكرية أو توفير معونة لوجيستية «إمداد وإسناد» لشن ضربات ضد أفغانستان. وفيما يتعلق بالأهداف المنتظر أن تتلقى ضربات في الحرب ضد الإرهاب ، يشير مراقبون إلى أن السعودية لا تعترض على أن تقدم الولايات المتحدة للعالم لوائح بكثير من الاتهامات للمؤسسات والمنظمات التي تدعم الإرهاب ماديا وعسكرياً و لا تلوم أي سلطة في العالم بتقصي أثر الإرهاب، لاسيما تلك الدول التي تعرضت لاعتداءات، كما لا تعارض أسلوب ضرب المواقع و المؤسسات الإرهابية، لكنها ترى أن الاتهامات العشوائية التي تنطلق كل يوم على لسان المسئولين لا يمكن أن تكون سبباً لوضع دول ضمن أهداف لحملات عسكرية أو حصار اقتصادي ما لم تكن الأدلة و الإثباتات التي تدينها واضحة ودامغة وبشكل قانوني وتحت مظلة الشرعية الدولية. ويمكن فهم ما سبق في إطار حرص المملكة العربية على تجنب إشكالات خطيرة أهمها الخلط بين الدول التي تؤوي منظمات إرهابية وبين الدول الأخرى التي تساعد منظمات شرعية تكافح من أجل قضايا عادلة كتخليص بلادها من الاحتلال. توسيع الازمة غلط الجدير بالذكر أن رغبة المملكة العربية السعودية في التريث قبل إلقاء الاتهامات جزافاً، عكستها تصريحات وزير الخارجية السعودي الذي حذر فيها من توسيع دائرة الأزمة لأنها ستكون غلطة إذا تم تغيير الهدف مؤكدا أنه لا يمكن لمن يفتح جبهة ثانية أن يفوز. ثالثا: حرصت المملكة العربية السعودية على الفصل بين النظام و الشعب الأفغاني ،حيث أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بتقديم 10ملايين دولار في شكل مساعدات عينية عاجلة من أغذية ودواء وكساء للاجئين الأفغان، و ذلك امتدادا لما قدمته المملكة من مؤازرة ودعم للشعب الأفغاني في مختلف المجالات، وإدراكا لما يعانيه هذا الشعب في الوقت الحالي من ظروف قاسية. رابعا: خطت المملكة العربية السعودية خطوات عملية منذ سنوات طويلة لتجفيف منابع التمويل للجماعات المشتبه في تورطها في عمليات إرهابية، فمنذ نحو 7سنوات قررت الحكومة السعودية قرارات من شأنها تنظيم الجهود الإغاثية ومنع الجمعيات الخيرية والأفراد من جمع التبرعات من دون تنسيق مباشر مع الجهات المعنية بالعمل الإسلامي والإغاثي، ووضع اللجان الرئيسية تحت إشراف حكومي، بعدما وجدت المملكة أن بعض الأموال يذهب بحسن نية إلى منظمات وجهات غير معروفة أو تحوم حولها شبهات، وتعد القوانين المحلية صارمة في هذا الجانب حيث تخضع التبرعات لإجراءات و احتياطات روتينية طويلة لضمان وصولها إلى الجهات المقصودة، بل إنها تمر عبر قنوات أمنية في بعض الأحيان. خامسا: يرصد المحللون نقطة مهمة أخيرة في الموقف السعودي من الأزمة و هي تلك المتعلقة بصورة الإسلام بعد حملة التشويه التي تعرض لها في أعقاب العمليات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية. حيث ترى المملكة أن الإسلام قد يكون مستفيدا من هذه الأحداث لو بلور المسلمون خطة واضحة للتعريف بصحيح الدين الإسلامي و الحيلولة دون أن يتحول الجهاز الإعلامي إلى وسيلة حرب على الإسلام وهو أمر يسير إذا تشكل تكتل مضاد مكون من مليار ومئتي مليون مسلم لديهم وسائل القوة العقلية والإقناع بما يزيل تلك الأخطاء والمفاهيم المغلوطة. ثانيا: موقف مجلس التعاون الخليجي فضلا عن المواقف الإيجابية التي أبدتها الدول الخليجية منفردة فيما يتعلق بقضايا مكافحة الإرهاب، فإن مجلس التعاون الخليجي بعقده اجتماعاً طارئاً للمجلس الوزاري في آواخر سبتمبر الماضي سجل تقدما واضحا في تفاعله الإيجابي مع توجهات الأسرة الدولية تجاه الإرهاب. وقد اعتبر المراقبون أن الموقف الذي اتخذه المجلس الوزاري الخليجي من أحداث سبتمبر يمكن أن يشكل نموذجاً لموقف عربي شامل رسمي وشعبي لا يحتمل على حد قول المراقبين-لغطا ولا تفسيرات و لا يحاول الاختباء وراء ألفاظ نظريات المؤامرة للهروب من استحقاق تجد كل دول منطقة نفسها أمام امتحانه الصعب. وبقراءة البيانات الختامية لاجتماعات المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي يمكن تسجيل جملة من الملاحظات وتلخيصها فيما يلي: (1) إن مجلس التعاون الخليجي انتبه مبكرا لقضية الإرهاب، ويتضح ذلك من حقيقة أن بند الإرهاب وإدانته أصبح بنداً ثانياً في البيانات الختامية للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون منذ النصف الأول من التسعينيات. (2) إن مجلس التعاون الخليجي لم يكتف بنبذه الإرهاب وإدانته، بل تجاوز ذلك إلى محاولة وضع أساليب لمكافحته منها: ـ تعزيز وتكريس التنسيق و التعاون بين مختلف الأجهزة الأمنية و الإعلامية و التعليمية لحماية المجتمع الدولي من تأثيرات تلك الظواهر الداخلية، وضع الخطط والاستراتيجيات المشتركة لمواجهتها وإفشال خططها التآمرية. (البيان الختامي للدورة السادسة عشرة ـ مسقط ـ 1995). ـ دعوة المجتمع الدولي إلى تنسيق جهوده لوقف أعمال العنف و الإرهاب و ضمان مثول مرتكبي هذه الأعمال أمام العدالة والحيلولة دون استخدام العناصر المتطرفة و الإرهابية لأراضى أي دولة لأغراض الحصول على التمويل أو التزود بالسلاح أو إتاحة الفرصة لمثل هذه العناصر في وسائل الإعلام للتحريض على أعمال العنف والإرهاب0 (البيان الختامي للدورة الـ 17 ـ الدوحة ـ 1996) ـ دعوة الدول التي تقوم بإيواء العناصر الإرهابية المتطرفة تحت شعار حماية حقوق الإنسان إلى التمييز بين هذه الحقوق وما تقوم به هذه العناصر من أعمال وممارسات إرهابية هدامة تهدد أمن وسلامة الدول. (البيان الختامي للدورة الـ 18 ـ الكويت ـ 1997) ـ الدعوة إلى عقد اتفاقية دولية لمحاربة الإرهاب ،انطلاقا من قناعة بأن السبيل الوحيد والأمثل لمكافحة الإرهاب هو من خلال عمل دولي متفق عليه في إطار الأمم المتحدة يكفل القضاء على هذه الظاهرة الدولية و ما ينتج عنها من ضحايا بشرية وخسائر مادية. (البيان الختامي للدورة الـ 19ـ الإمارات ـ 1998) وعودة مرة أخرى إلى موقف المجلس في الاجتماع الاستثنائي في أواخر سبتمبر الماضي حيث تضمن الاجتماع ما يلي: (1) إن دول المنطقة لا يمكن أن تقدم أي مساعدة أو تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها إذا كان هناك استهداف لأي دولة عربية. (2) ضرورة عدم الإعلان عن اتهامات لأشخاص أو جهات بالمشاركة في تنفيذ أو دعم الهجمات التي حدثت أو غيرها من الأعمال الإرهابية قبل التأكد من صحة المعلومات و التحقيقات. (3) التحذير من أن يؤدي الانشغال العالمي بتداعيات الأحداث إلى إغفال ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إرهاب الدولة الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية و تصعيدها الخطير للوضع في المنطقة. والجدير بالذكر أن البيان لم يشر إلى دعم وتأييد الولايات المتحدة بأي جهود ستقوم بها لمكافحة الإرهاب،كما لم يشر إلى ما يمكن أن تقدمه دول المجلس من مساعدات وعون عسكري في الحرب، إلا أن مجلس التعاون الخليجي في الوقت ذاته وضع شروطه للمشاركة في التحالف الدولي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة ضد الإرهاب كما وضع مجموعة ضوابط في هذا الإطار أولها: أن يكون التحرك ضد الإرهاب محدد الأهداف وثانيها: أن يحظى بتأييد المجتمع الدولي وثالثها: ألا يستغل للإساءة إلى سمعة العرب والمسلمين. وبالنظر إلى ما احتواه البيان ،يشير المراقبون إلى ثلاث نقاط رئيسية فيما يتعلق بتقييم البيان: (1) إن البيان يتسم بالوضوح فيما يتعلق بدعم الجهود الدولية الهادفة إلى تحديد مرتكبي الأعمال الإرهابية لتقديمهم إلى العدالة الأمر الذي يعني رفض سياسة العقاب العشوائي الجماعي. (2) إن البيان يتسم كذلك بالتوازن السياسي،حيث طالب بمعاودة تسليط الضوء على قضية الشرق الأوسط ووجوب العمل لوقف إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين. (3) إن البيان يتسم بموقف أيديولوجي حاسم من حيث استنكاره الربط بين الإسلام وهذه الأعمال الإرهابية المشينة.