يعتبر الموقف الروسي من الهجمات الأمريكية ضد افغانستان، بمثابة انقلاب بزاوية 180 درجة من المواقف السابقة للقيادة السياسية والعسكرية الروسية تجاه الولايات المتحدة. وخلال خطابه الأخير ربط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موقف بلاده في العملية العسكرية الأمريكية بأفغانستان فقط وتحديدا بطالبان وهو ما يعكس أن هذه النقاط التي تعبر عن مشاركة روسيا في الائتلاف الدولي لمكافحة الإرهاب لا تمتد لخطط واشنطن الأخرى المتعلقة بتوجيه ضربات عسكرية لدول أخرى مثل العراق أو اليمن أو السودان أو سوريا أو ليبيا أو غيرها من الدول العربية التي تعتبرها واشنطن تدعم الإرهاب الدولي. ويبدو أنه في هذه الحالة سيكون لموسكو موقف آخر حيث أن غالبية الدول التي تتهمها واشنطن بالوقوف وراء الإرهاب هي من أصدقاء روسيا. وبالطبع لا يخفى هنا سبب دعم وتأييد الكرملين لتوجيه ضربة عسكرية لحركة طالبان وتصفية أسامة بن لادن وقواعده، إذ أن موسكو تتهم هذه الحركة وبن لادن شخصيا بمساندة المقاتلين الشيشان وبتهديد أمنها (أي أمن روسيا) من خلال تهديد أمن جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة عبر دعم التنظيمات الإسلامية الراديكالية هناك وخاصة الحركة الإسلامية الأوزبيكية. ضمن الأمور الأخرى اللافتة للنظر في النقاط المشار إليها في موقف الرئيس الروسي اعتراف بوتين بقيام بلاده بتقديم الدعم العسكري والسياسي لتحالف الشمال المعارض لطالبان ولحكومة الرئيس رباني. فإذا كانت إمدادات السلاح الروسي لهذا التحالف جرت في السابق بشكل سري، فإنها ستجري وستتواصل الآن بشكل علني. وهنا يؤكد الكرملين رهانه الأساسي على تحالف الشمال كقوة رئيسية يمكن لها أن تفرض وجودها في أي تسوية سياسية مستقبلية في أفغانستان. وهذا يعني أن التحالف المذكور الموالي لروسيا سوف يمثل التأثير الروسي المقبل في أفغانستان. ومن ناحية أخرى فإن ربط بوتين للقضية الشيشانية بعملية مكافحة الإرهاب الدولي يضع الولايات المتحدة والدول الغربية أمام ضرورة التخلي عن المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين. أي أن موسكو تقول لواشنطن «نحن نطلق يدكم في أفغانستان مقابل إطلاق يدنا في الشيشان» وهذا يعني أن تكف أمريكا والدول الأوروبية عن توجيه الانتقادات لروسيا في ما يتعلق بممارسات الجيش الروسي هناك. في الوقت ذاته نلحظ أن الموقف الذي أعلنه بوتين لا يمكن اعتباره بالموقف النهائي حيث أنه ربط إمكانية تعميق تعاون بلاده مع واشنطن في إطار الائتلاف الدولي لمكافحة الإرهاب بمستوى ونوعية العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة وبمدى الفهم المشترك لعملية مكافحة الإرهاب الدولي. وهذا يؤكد على وجود مخاوف لدى روسيا من عدم التزام واشنطن في ما بعد بعناصر الصفقة التي من المحتمل أن تكون عقدت بين الرئيسين بوتين وبوش أثناء مكالمتهما الهاتفية يوم السبت الماضي 22/9. ويمكن تحديد هذه المخاوف في احتمال أن تطال العمليات العسكرية الأمريكية بلداناً أخرى واحتمال التواجد شبه الدائم للقوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي في المنطقة بالقرب من ثروات بحر قزوين من النفط والغاز بعد انتهاء الجانب العسكري من عملية مكافحة الإرهاب أو العمل على استبعاد موسكو من التسوية السياسية المستقبلية للقضية الأفغانية أو العودة إلى المعايير المزدوجة في ما يخص الشيشان. الأمر الذي يعتبره البعض مؤشرا على أن موقف روسيا لم يكتمل بعد. وفي الختام نشير إلى أن الموقف الذي أعلنه زعيم الكرملين يأتي في ظل خلافات وانقسامات داخل المؤسستين السياسية والعسكرية الروسية في ما يتعلق بالعمليات الحربية الأمريكية ضد أفغانستان أو غيرها من الدول. فهناك داخل الدوما وفي صفوف القيادات العسكرية الروسية من يرفض التعاون مع واشنطن في مخططاتها الحالية ويرون أن المصالح القومية الروسية سوف تتضرر في نهاية المطاف.