الصراع هو احد حقائق الحياة الاساسية منذ ان خلق الله الارض ومن عليها وحتى تقوم الساعة... واذا كان الاخوة افراد الاسرة الواحدة يختلفون فيما بينهم الى درجة الاقتتال، فما بالنا بالصراع بين الدول، ثم بين الامم واخيراً بين الحضارات المختلفة. خاصة الحضارات الكبرى في تاريخ الانسانية من الاسلامية الى الصينية الى الهندية الى الفرعونية والاوروبية. والصراع موجود داخل الحضارة الواحدة، ولمن لا يصدق عليه ليس فقط بالعودة الى تاريخ الحضارة الغربية الاوروبية، بل الى حاضرها ايضاً.. انظروا الى الصراع بين فرنسا وبريطانيا الذي كان دموياً حتى سنوات قريبة وانتهى الان ليصبح خلافاً فكريا، ومثله ما هو موجود بين المانيا وبريطانيا ايضاً، ثم الصراع ما بين امريكا وكل اوروبا، ولو حاولنا تحليل رفض لندن الانضمام الى اتفاقية اليورو داخل الاتحاد الاوروبي لادركنا مدى تبين الاختلافات داخل الاسرة الاوروبية، بل انه بمحاولة اجراء مسح للنكات التي يتداولها مثلاً الفرنسيون ضد البريطانيين والعكس، يمكننا ان نفهم حقيقة هذا الصراع. اذا كان ذلك يحدث داخل الحضارة الواحدة، فكيف هو الحال بين الحضارات المختلفة والتي عاشت صراعاً قديماً، من هذا المنطق فعدم دفن الرؤوس في الرمال والاقرار بوجود صراع حضاري بيننا كعرب ومسلمين وبين الغرب وربما بين كافة الحضارات هو امر صحي. اذا جرى ممارسته بطريقة حضارية، خاصة اذا ادركنا ان كلمة صراع لا تعني الحرب في كل الاحوال، لكنها كلمة تعني في مدلولها الشامل ما هو اعمق بكثير من مجرد الحرب والقتال. وهنا نتذكر كلمة الزعيم جمال عبد الناصر الشهيرة بأن صراعنا مع اسرائيل هو «صراع وجود وليس حدود» عندما يستطيع الغرب او اسرائيل تحقيق تقدم تكنولوجي ونتخلف نحن، فربما كان ذلك أخطر من مجرد صدام عسكري، وعندما يكون لدى عدوك جهاز تعليم متقدم، فذلك يؤثر عليك كثيراً، بل ان هذا العدو عندما ينجح في ابتكار مجرد ألعاب للتسلية ويفرضها على كل العالم فقد تمكن من الانتصار عليك حضارياً. صراعنا الحضاري مع الغرب موجود منذ مئات السنين وربما منذ اكثر من 1400 سنة اثناء وجود ما كان يعرف بدولة روما، لكن الاهم من كل ذلك هو الادراك بأن كسب المعركة الحضارية يتطلب ما هو اكثر كثيراً من امتلاك الاسلحة او تكديس الاموال، الصراع الحضاري يحتاج في الاساس الى ثروات عقلية تستطيع ان تنجز وتبتكر وتفرض منتجاتها على غالبية العالم. وبالتالي فلسنا في حاجة للقول اننا اذا كنا اصحاب حضارة عظيمة قدمت للعالم الكثير، فإن حالتنا الآن ليست في حاجة الى كثير شرح. فالمعروف لا يعرّف!! عماد الدين حسين