لا خلاف على أن حوادث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة كانت من المنظور الاخلاقي عملا غير إنساني لقي الإدانة والاستهجان من الدول كافة بغض النظر عن علاقتهما بالولايات المتحدة بعبارة أخرى أن أي دولة أو جهة لم تبارك هذه الحوادث بما فيها افغانستان المستهدفة من الحملة العسكرية الأمريكية ضد الإرهاب. ورغم ضخامة الحدث وجرأته غير المسبوقة وأنه كما أجمع المحللون والخبراء نقطة فاصلة في النظام العالمي الجديد بين ما قبله وما بعده فإنه ثمة محاولة إنتهازية لجر العالم إلى كارثة أكبر وأضخم في شكلها وتداعياتها من حوادث يوم الثلاثاء الأسود في الولايات المتحدة . فالحالة الهستيرية ـ إذ جاز التعبير ـ التي صاحبت وأعقبت التفجيرات أدت إلى وضع المسألة في غير موضعها وصورت على أنها بداية المواجهة في الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية وهي مواجهة أقرب ما تكون إلى الصدام فما حدث لم يكن تعبيرا عن تحول الحوار إلى صدام بين الحضارتين كما أدعى البعض على مستوى الساسة الغربيين أو في أجهزة الدعاية والإعلام الأوروبية والأمريكية خاصة وأن الولايات المتحدة لم تقدم بعد الأدلة الدافعة والقرائن الثابتة التي تحدد هوية الفاعل أو الفاعلين الحقيقيين لتفجيرات نيويورك وواشنطن وخطف الطائرات المدنية الأربع وكل ما قيل حتى الآن مجرد اشتباه لم يرتق إلى الإتهام المجرم في رأي القانون الجنائي ومن ثم لم يتم الجزم بأن الفاعل أو الفاعلين محسوبين على العرب والمسلمين! وحتى إذا سلمنا جدلا أن منفذي هذه الحوادث مسلمون وعرب فهل يمكن أن يعبروا عن الإسلام والعرب ومتحدثين بإسم الحضارة الإسلامية ! وإلا لماذا لم تقلب الصحافة وأجهزة الإعلام الغربية الدنيا على رأس تيموثي ماكفاي الذي ينتمي للحضارة الغربية وإرتكب حادث إنفجار أوكلاهوما وقالت إنه أحد إفرازات التناقض الصارخ في نسيج هذه الحضارة أو أعلنت أن جريمة ماكفاي الإرهابية تعبر عن خصائص في المجتمع الأمريكي الذي لحقت به منذ عقود أمراض إجتماعية وسياسية في مقدمتها اللجوء إلى العنف والإرهاب والترويع الأمر الذي أوجد في الواقع جماعات يمينية وتنظيمات إرهابية ولدت من رحم الحضارة الغربية ؟ وأذكر أن من بين هذه التنظيمات الجماعة التي ينتمي لها ماكفاي وتسمى بالداووديين أو السبتيين!! في اعتقادي أن القضية ليست مسألة حضارية بقدر ما هي خلاف سياسي بالدرجة وتتعلق بنظرة الآخرين إلى السياسة الأمريكية دون أن يكون هؤلاء الآخرون مسلمين أو غير مسلمين. إن الولايات المتحدة وهي القطب الأوحد في العالم المعاصر قد فقدت مصداقيتها عندما اتصفت سياساتها بالظلم والإستهانة بالأخرين ووصلت إلى حد من الصلف والغرور أن جعلت الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب يتحدث بنفس الروح التي كان يتحدث بها الزعيم النازي أدولف هتلر عن المانيا فيقول بوش عن بلاده إن أمريكا لابد أن تأتي أولا في هذا العالم America must come First وحتى نفهم ما يحدث الآن على الساحة الدولية لابد أن نفرق بين أمرين في غاية الأهمية: الصراع الحضاري والصراع السياسي والاقتصادي فالصراع الحضاري صراع أبدي أزلي وليس بالضرورة أنه يعني صراع بقاء يفترض التصادم ولكنه تصور كلى للعلاقة بين البشر أما الصراع السياسي والاقتصادي فهو التصور الأقرب إلى حقيقة ما يحدث في المنظومة الدولية الآن حتى ولو أخذ شكلا عسكريا على النحو الذي تعالج به الولايات المتحدة حوادث سبتمبر!! مما تقدم يمكن القول أن صدام الحضارات وتحديدا الحضارتين الإسلامية والغربية رؤية فكرية لا تتسق والمتغيرات والأفكار التي تدعو إلى تكامل الحضارات خاصة مع مطلع الألفية الثالثة حيث أصبح العالم قرية صغيرة بفضل ثورة المعلومات والتطور الهائل في وسائل الإتصال حتى أن مفهوم العولمة الذي قدمته الحضارة الغربية يصب ـ كما هو مفترض ـ في إتجاه التكامل وليس الصدام ومن هنا ينحصر إستخدام القوة العسكرية لفرض سياسات الدول لأن العالم باتت في جعبته وسائل أخرى ربما أكثر فاعلية من الحرب كوسيلة تقليدية في العلاقات الدولية. وفي تصوري أن الإتجاه نحو تغليب نظرية الصدام على لغة الحوار بين الحضارتين الإسلامية والغربية هو أمر فيه كثير من التجاوز وإذا سلم به الجانب الإسلامي والعربي سيكون ذلك اعتراف ضمني بأن الحضارة الإسلامية تقر العنف وتشجع على الإرهاب وهذا بالطبع لا يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء. وحتى تتضح الصورة لابد أن نقر بأن مواطن الخلاف بين الحضارتين معروفة وتتمثل إجمالا في اختلاف النسق القيمي .. لكل منهما . ترى الحضارة الإسلامية في العدل قيمتها العليا ، وتنظر الحضارة الغربية إلى الحرية ) على اعتبارها القيمة الأساسية في بنائها الفكري ويمكن القول إنه على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا قدم الإسلام نماذجا للتعايش والحوار بين المسلمين وغيرهم ممن سموا بأهل الذمة أي أهل العهد والأمان من غير المسلمين وعلى طول التاريخ لم يكن العنف والقوة مبدأ في السلوك الإسلامي ولم ينتشر الإسلام أبدا في العالم كافة بحد السيف ولكنه إنتشر بالحجة والإقناع أي لغة الحوار وفي إطار من التراحم والتعاون بين الإسلام والأديان الأخرى. والغريب أن من يهاجم الحضارة الإسلامية بعد 14 قرنِاً من الزمان يتجاهل أن الحضارة الغربية لم تكن شيئا يذكر ولم يعرف الفكر الإنساني الحضارة الغربية الحديثة إلا بعد قيام الثورة الصناعية وإندلاع الثورة الفرنسية وكانت الولايات المتحدة نفسها حديثة العهد بالإستقلال هذا في وقت كانت الحضارة الإسلامية في أشد فترات إشعاعها وقدمت إلى العالم شرقه وغربه كنوز ثقافتها ومناهل علومها. وفي العصر الحديث بعد فشل المشروع الإستعماري في القضاء على المد القومي في العالمين العربي والإسلامي حدث تفاعل حضاري بين الحضارتين وأصبح أبناء العرب والمسلمين من علماء وأطباء ومفكرين وفنانين مواطنين في المجتمعات الغربية لا يبحثون بعلمهم ومعرفتهم على الحضارة الغربية وهكذا يمكن القول أن عطاء الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية لم ينقطع على مدى التاريخ. ولا أتصور أن قضية الإرهاب بمعنى قتل وترويع الأبرياء نقطة خلافية في الفكرين الإسلامي والغربي وهناك إتفاقً صريح على الإبقاء على عهد الأمان في العلاقة الإنسانية - منذ أن فتح الخليفة عمر بن الخطاب بيت المقدس وحررها الناصر صلاح الدين الأيوبي من الغزو الصليبي- بين المسلمين والمسيحيين . أما إذا إتخذت مسألة الإرهاب شكلا سياسيا فالأمر هنا حتما مختلف والفيصل فيه مبادئ القانون الدولي خاصة إذا كان الامر يتعلق بالنظرة إلى الإرهاب الصهيوني مثلا . ما يعنينا في هذا المقام أن الدول العربية والإسلامية كانت أول من اكتوى بنار الإرهاب ويومئذ لم يحرك الغرب ساكنا بل على العكس تحت شعار الحرية استضافت أوروبا والولايات المتحدة كوادر الإرهاب والفارين من العدالة في بلادهم. وليس سرا القول إن أجهزة الإستخبارات الغربية حولت ودعمت منظمات إرهابية لإثارة القلاقل في بلدان عربية وإسلامية خلال الأربعين عاما الأخيرة ولا يجب أن ننسى أن الولايات المتحدة قد أبدت أو عارضت التطرف وفقا لمصالحها!! واليوم عندما ذاقت الولايات المتحدة من نفس الكأس قررت فجأة محاربة هدف محدد لضربه هو أفغانستان كي تفرغ فيه شحنات الإنتقام رغم أنه هدف ليس سهلا ومن خبره التعامل مع الغزو السوفييتي قد يقود الأمريكيين إلى مستنقع صعب يضع العملاق الأمريكي في موقف لا يحسد عليه يضيف إلى حرجه حرجا جديدا أشد وأقوى! ويتزامن مع هذا كله رفع شعارات صليبية تهدد بصدام الحضارتين الإسلامية والغربية إذا لم تنضم الدول العربية والإسلامية إلى الجيوش المجيشة فيما يسمى بالتحالف الأمريكي ضد الإرهاب بهذا المعنى تجاوز الغرب كل الخطوط الحمراء وأذكر في هذا الصدد موقفين ـ رغم الاعتذار أو التراجع عنهما ـ إلا إنهما يعبران عن الحالة الذهنية للفكر والعقل الغربي: الموقف الأول بعد حوادث 11 سبتمبر مباشرة صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن بلاده مقبلة على حرب صليبية جديدة. الموقف الثاني دعوه رئيس وزراء إيطاليا سلفيو برلسكوني الغرب إلى مواجهة الإسلام بنفس الطريقة التي تمت بها مواجهة الشيوعية. بالطبع صدور هذين القولين من اثنين من القادة في التحالف الغربي أمر خطير يدفع إلى المزيد من الاستعداء على العرب والمسلمين حتى ولو تراجعا عنهما لان الصحافة ووسائل الاعلام تلعب الدور الأكبر في تعبئة الشارع الغربي ضد الحضارة الإسلامية. ونتيجة لذلك السلوك العنصري تعرض العديد من العرب والمسلمين لحوادث مؤسفه تسلب من الحضارة الغربية قيم الحرية والديمقراطية التي تتفاخر بها. خلاصة القول.. أن سوء الفهم والتسرع وهما أمران قد يدفعان إلى إتخاذ قرارات خطيرة غير سليمة تؤدي إلى الإنجراف بالعالم نحو حالة كارثية خطيرة وذلك في حالة عدم تدارك الخطأ واحتواء التداعيات. وفي تصوري أن المستفيد من هذه الحالة الكارثية طرف واحد هو الصهيونية العالمية التي من مصلحتها وقوع الصدام بين الحضارتين الإسلامية والغربية. فمنذ وقوع الأحداث التي هزت أركان الولايات المتحدة يتجه الفعل الصهيوني ممثلا في إسرائيل وجماعات الضغط اليهودية في أوروبا واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يتجه نحو الإيقاع بين الحضارتين على أمل أن تصل الوقيعة إلى حد الصدام وهو حد يتناقض مع لغة الحوار التي هي جزء من الصراع الجدلي الطبيعي بين الثقافات من أجل خير البشرية جمعاء. ويبقي أن نحذر من أن الموقف حتى الآن مازال تحت السيطرة رغم حالة التوتر الدولي السائد ولكن إذا دارت رحى الحرب الأمريكية ضد عدو غير محدد سلفا فإن النتائج ستقود حتما إلى ما لا يحمد عقباه. بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب مصري