حملة الكراهية مستمرة من «زلة لسان» الرئيس الأمريكي بوش حول الحرب «الصليبية» الجديدة، إلى وقاحة بيرلسكوني القادم بمساعدة عصابات المافيا لرئاسة وزارة ايطاليا، الى انحطاط العجوز تاتشر في تصريحاتها ضد الاسلام والمسلمين، الى موجة التحريض التي تتصاعد والاتهامات الزائفة التي تحاول إلصاق تهمة الإرهاب بالاسلام وتحيل العرب إلى وحوش متخلفة ترفض الالتحاق بركب الحضارة الغربية وتصر على البقاء في دائرة التخلف والهمجية! والأمر لا يتعلق فقط بانفجارات نيويورك وواشنطن التي ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن تقديم الأدلة الكافية لتحديد المسئولين عنها، ومع ذلك تصر على دفع العالم كله للاصطفاف وراءها في حرب ضد مجهول الأمر أبعد من ذلك بكثير، وأحداث الثلاثاء الماضي لم تكن البداية، بل لعلها كانت مجرد رد فعل على سياسة حمقاء تقود العالم الى كارثة، وتشعل نيران الحقد والغضب، وتريد أمريكا من خلالها فرض هيمنتها على العالم من الآن والى الأبد! نعم. هذا هو الحلم الأمريكي المهدد الآن بالضياع. أن ترث الولايات المتحدة الأمريكية كل الامبراطوريات القديمة والحديثة، وأن تكون هي قوة الاستعمار الحديث الذي يسيطر على مقادير العالم ويستنزف ثرواته، ويبني رفاهيته على حساب الآخرين. هكذا فهمت أمريكا مكانها ودورها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد أن أصبحت وحدها قوة الهيمنة على العالم، وبعد أن فرضت نظام العولمة لتحقق من خلاله سيطرتها الاقتصادية على الكون كله . وأمريكا تعلم - قبل غيرها - إن البناء الذي تقيمه ليس إلا الطبعة الحديثة من استعمار القرون الوسطى، وأن نتيجته الوحيدة أن يزداد فقر الفقراء، وأن يتضاعف ثراء الأغنياء، وأن يتم ضرب أي صوت يعارض الاستعمار الجديد باعتباره خارجا على القوانين التي تتحكم في وضعها أمريكا نفسها! وهكذا تم الترويج لنظرية أن العالم انتهى التي بشر بها «فوكوياما» بمعنى أن الصراع انتهى بتفوق الرأسمالية وهيمنة أمريكا، وسيبقى ذلك للأبد! ولأن ذلك لم يكن معقولا ولا كافيا فقد كان لابد من اختراع نظرية «صدام الحضارات» لتبشر بأن الصراع الجديد سيكون بين الغرب بحضارته المتفوقة وقيمه السامية، وبين الاسلام الذي يمثل حضارة مختلفة، والذي سيكون مع البوذية العدو القادم للغرب المتحضر! إنها الطبعة الجديدة والمنقحة من الاستعمار، ترفع الآن شعار تحالف المسيحية مع اليهودية في مواجهة الاسلام . إنه نفس المنهج الذي حكم باباوات روما وهم يشنون حروبهم الاستعمارية باسم الصليب، والذي حكم ألمانيا النازية وهي تسعى لحكم الجنس الآري لباقي الشعوب، يعيده الغرب الآن وهو يحاول مد سيطرته إلى الشرق الاسلامي بثرواته وبتروله وأسواقه. جلال عارف