حينما صرح المفكر الأمريكي من أصل يهودي صمويل هنتنجتون يوم 12 سبتمبر 2001 لاذاعة «يو.اس راديو» قائلا: «الهجوم الذي وقع على نيويورك وواشنطن هو اعلان حرب على حضارات ولسنا نحن أصحاب الحضارة المسيحية اليهودية الذين بدأنا بهذه الحرب، فقد أعلنها علينا أعداء حضارتنا...». حين صرح هنتنجتون بهذا الكلام الذي مرّ كما يبدو مرور الكرام، فهو بالفعل يشهد على حلقة خطيرة من حلقات السيناريو الذي وضعه هو بنفسه في البحث الشهير الذي نشر في عدد يونيو 1993 من مجلة الشئون الخارجية «Foreigk Offaiss » تحت عنوان «صدام الحضارات» وأحدث هذا البحث دويا هائلا في كل الأوساط الثقافية والجامعية ومراكز الدراسات الاستراتيجية، وقد وفقني الله شخصيا الى كتابة أول كتاب باللغة العربية صدر في سلسلة كتاب الأمة لوزارة الاوقاف بدولة قطر للرد على صمويل هنتنجتون وذلك عام 1994 تحت عنوان «الاسلام وصراع الحضارات» حاولت فيه الرد على نظرية هنتنجتون وكذلك على نظرية موت التاريخ أو نهاية التاريخ التي طلع بها المفكر الامريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما الذي كان نشر في نفس مجلة «الشئون الخارجية في عدد ابريل 1991»، وهكذا اذا عدنا الى تصريح صاحب نظرية صدام الحضارات وقرأناها بعيون التسلسل الفكري لهذا الرجل الذي وضعها ومهد لها، فإننا نفهم كيف ولماذا وجهت واشنطن التهمة بدون أسانيد لعرب ومسلمين، وكيف ولماذا حشرت الاسلام كحضارة في عملية ارهابية ندد بها المسلمون بقوة ووضوح، بل وذهب من المسلمين ألف ضحية في نفس يوم 11 سبتمبر 2001، ولماذا وكيف ينطق الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بعبارة الحملة الصليبية وهو الرجل المتزعم للغرب والذي يقوم باعداد كلماته ـ حتى تلك التي تبدو مرتجلة ـ فريق كامل من المستشرقين والمستشارين للاعلان عن حرب حضارات. ونفهم كذلك كيف ولماذا نطق رئيس حكومة ايطاليا سلفيو برلسكوني بجمل مفيدة تحمل روحا صليبية انبعثت كالشبح الهزيل من ركام التاريخ، حين أعلن تفوق القيم الغربية على القيم الاسلامية؟ وهكذا لابد ان نربط الصلة بين نداء البابا يوربان الثاني لجمع حلف الحروب الصليبية عام 1095 بكاتدرائية مدينة كلرمون بفرنسا وبين نداء بوش الثاني في 11 سبتمبر 2001 لجمع حلف الحرب العالمية الكبرى ضد «الارهاب» كانما الارهاب دولة أو قلعة أ وثكنة يمكن الهجوم عليها بالاسلحة التقليدية أو قصفها بالصواريخ وينتهي أمرها. مفهوم الارهاب ومفهوم العولمة وهذه الملاحظات لست أنا العربي المسلم الذي أقولها لوحدي، فقد شاركني منذ يوم 11 سبتمبر 2001 صديقي استاذ الاقتصاد الامريكي المعروف والمرشح الاسبق للرئاسة الامريكية ليندن لاروش حين قال: إن ما يحدث تطبيق مخيف لنظرية صدام الحضارات التي قننها وهندسها صمويل هنتنجتون للزج بأمريكا وراء اسرائيل في حرب معلنة على الاسلام..». نعم هكذا تحدث أحد المثقفين الأمريكان، ثم رأينا وابلا من الصحف والفضائيات الامريكية تتراجع عن قرع طبول الحملات الصليبية لتراجع كل الخريطة الجيوستراتيجية التي رسمتها واشنطن لدعم الطاغوت الاسرائيلي ضد شعب أعزل يدافع عن حقه في الحياة وفي دولة وعلم وسلام. مثال ذلك المقال المنصف الذي نشرته مجلة «تايم» في الاسبوع الأول من اكتوبر 2001. وهنا لابد ان نختلف مع الرؤية أو الاستراتيجية الأمريكية حول مفهوم الارهاب ومفهوم العولمة ومفهوم العالم الحر ومفهوم الحضارة برمتها، حيث رفض زعماء العرب جميعا الانسياق الأعمى وراء دعوة بوش بأن يكون العرب إما الى صفه أو صف أعدائه. ولا يفوتني أن أذكر هنا النقد الذي وجهه المفكر الفرنسي ألن توران في كتابه «نقد الحداثة» الصادر عام 1994 لنظرية صراع الحضارات حين قال: «من الخطأ الاعتقاد ان حربا ستقوم بين حضارة غربية فاقدة للروحانيات وحضارة شرقية فاقدة للماديات! فعوض الصدام لابد من تكامل على هذا الصعيد، أي ان الاسلام لديه شحنة أخلاقية يمكن ان تغذي الغرب ولدى الغرب وسائل تقدم مادي يمكن ان يستفيد منها الاسلام..». استيعاب الثقافات الأخرى ثم اننا نحن المسلمين ننتمي الى عالم الجنوب الفقير في آسيا وافريقيا وهما قارتان مستهدفتان بالاحتلال والسلب والنهب منذ قرون، وجاء الاسلام ليمتد على هاتين القارتين وجزء من اوروبا منذ أول فتح للاندلس سنة 710م على يد طارق بن زياد، وكذلك انتشرت رسالة القرآن على ممالك فارس وبيزنطة ثم السند والبنجاب وافغانستان والقوقاز ثم جنوب فرنسا وايطاليا منذ سنة 714م. وقد حقق الاسلام أول دول تعددية في التاريخ ـ أي التعددية بالمفهوم العرقي والديني والثقافي ـ وبتلك العبقرية المتسامحة المؤسسة على حوار الحضارات أثبتت الثقافة الاسلامية قدرتها على صهر واستيعاب الثقافات الأخرى فنشأت الدولة الاسلامية في فارس منذ معركة القادسية 633م ونواة الدولة الاسلامية في مملكة بيزنطة منذ ان فتح معاوية جزيرة قبرص 649م ثم بناء مدينة القيروان 670م، ثم امتداد الفتح الى الاندلس وأوروبا منذ انشاء دولة اشبيلية 711م. كل هذه الدول قامت بدون حروب وسادت الحضارة الاسلامية على نصف الأرض ثم بدأت مسيرة الاسهام الحضاري في كل مجالات الطب والفلك والهندسة والكيمياء والصيدلة والجغرافيا والفلسفة والفنون.. هذه حضارة صامدة تحمل مصادر قوتها في ذاتها ولذلك تصحو اليوم أمام مأساة فلسطين ومن ورائها مأساة الشيشان ومأساة ألبان مناطق البلقان منذ الارهاب الصربي في البوسنة والهرسك الى الارهاب المقدوني ضد الأقلية المسلمة، وكذلك كشمير المسلمة الى مأساة المسلمين اليوم في المجتمعات الغربية وهم يتعرضون للميز العنصري والعنف الأبله المريض. لا يمكن ان تغيب عن أذهاننا هذه الخلفية التاريخية ونحن نتحمل مسئوليتنا اليوم أمام التاريخ والأجيال. بقلم: د. أحمد القديدي ـ استاذ الاعلام ـ جامعة قطر