بعد إنتهاء الحرب الباردة وإنفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي بوصفها القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، تعددت الإجتهادات الفكرية الأمريكية الباحثة عن عدو جديد بعد زوال الشيطان الأكبر ممثلا في الإتحاد السوفييتي، فرأى البعض أن هذا العدو سيكون في شكل إسلام زاحف من الشرق إلى الغرب، ورأى فريق آخر أن هذا العدو سيكون من الجنوب المتربص لرخاء الشمال واستقراره، في شكل هجرات كثيفة من الوان وأعراق متعددة تتجه نحو الشمال، وركز فريق على الخطر الاقتصادي الأتي من اليابان أو من العملاق الصيني الناهض. ثم كانت أبرز هذه المحاولات في النظرية التي طرحها عالم السياسة الأمريكي المعروف صمويل هنتنجتون حول صدام الحضارات والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية: أن مرحلة جديدة في السياسة الدولية قد بدأت يعج فيها المصدر الأساسي للصراع الدولي تنافر وتصادم الحضارات، وليست الإختلافات الأيديولوجية والتنافس الاقتصادي. أن عمر الدولة القومية لا يمثل إلا مرحلة قصيرة في تاريخ العالم، فالتاريخ العالمي في حقيقته هو تاريخ حضارات وصراع حضارات والعالم اليوم على مشارف مرحلة جديدة في صراع الحضارات . ستعتمد الصياغة المتوقعة لعالم الغد إلى حد كبير على صراع التفاعلات الحادثة حاليا والمنتظرة بين ثماني حضارات هي الحضارة الغربية، الحضارة اليابانية، الحضارة الكونفوشية، الحضارة الهندوسية، الحضارة الإسلامية، الحضارة السلافية الارثوذكسية، حضارة أمريكا اللاتينية، وربما الحضارة الأفريقية. هناك زيادة ملموسة من أهمية الهوية الحضارية ومن الرغبة في العودة إلى الجذور وفي إبراز الاختلافات في اللغة والثقافة والدين، وهناك إتجاه قوى نحو اعطاء الأولوية للدين على غيره من عناصر الحضارة وكذلك إعطائه الأولية على حساب مصالح الدول. هناك زيادة لاشك فيها في فرص احتكار الحضارات لأن العالم صار أصغر والتفاعلات أشد كثافة ولأن رغبة الغرب في إستمرار الهيمنة كفيلة بأن تثير ردود أفعال مضادة من جانب مختلف الحضارات الأخرى. أن محور السياسة الدولية سوف يكون الصراع بين الغرب والأخر، فالغرب لن يتنازل عن موقعه المتميز وعن هيمنته ولن يتوقف عن نشر ودعم نفوذه والآخرون لن تتوقف أفعالهم المضادة للغرب وقيمه ونفوذه، والمثال الحي المعاصر على ذلك النوع من الصراع يتجسد في التعاون القائم حاليا بين الحضارة الكونفوشية والدول الإسلامية ضد نفوذ الغرب وقيمه ـ ويرى هنتنجتون أنه قد حل محل الإنقسام الأيديولوجي السابق، إنقسام ديني خاص بين المسيحية الغربية والمسيحية والأرثوذكسية من جانب والإسلام من جانب أخر، ويشير إلى أن الخلاف بين المسيحية والإسلام عمره 1300 عام وهو خلاف غير مؤهل للزوال وهو لا يقف عند حدود دولة إسلامية بعينها لأن للإسلام حدودا دامية بعبارة هينتنجتون، ويقدم بعد ذلك المظاهر الراهنة لهذا الخلاف في البوسنة، وبلغاريا وبين أرمينيا وأذربيجان وغيرها . يرى أن الإسلام مشتبكا في صراعات مع حضارات أخرى غير الحضارات الإسلامية والحضارة الهندوسية في شكل حروب دورية بين الهند وباكستان . ويقدم بعد ذلك عددا من السياسات التي على الولايات المتحدة إتباعها سواء في الأجل القصير أو الأجل الطويل، ينبه إلى خطر إنتشار القوة العسكرية في الحضارات المعادية خاصة الإسلامية، والكونفوشية، ويدعو إلى تشجيع الخلافات والصراعات بين هاتين الحضارتين، أما في الأجل الطويل فيري أن الحاجة تدعو إلى فهم أعمق لفلسفات وأديان كل الحضارات والبحث عن قواسم مشتركة بينهما وصيغ للتعاون معها، وينتهي إلى نتيجة مؤداها إنه لن تسود حضارة عالمية واحدة. وقد وجهت العديد من الإنتقادات إلى نظرية صدام الحضارات، منها أنها استندت إلى الأيديولوجيا في نفي واضح للعلم عن دراسة هذا الموضوع، وإنها أبدلت الصراع الإنتقادي والإجتماعى الغاشم على أرض الواقع بهدف التسلط والغلبة الغربية بصراع أيديولوجي على مستوى صراع الأفكار والثقافات وإنها جعلت الحدود الفاصلة بين سيطرة الشركات العملاقة التي تسيطر على إقتصاد العالم حدودا ثقافية لا حدود اقتصادية، وأن هذه النظرية ترتبط إرتباطا وثيقا بالرغبة الأمريكية في إستمرار السيطرة والهيمنة على العالم وأخيرا فإن الحضارات لا تهزم ولا تتصادم بل إنها تتفاعل. ومن ثم فقد أدت هذه النظرية إلى بروز نظرية أخرى مضادة تقوم على أساس تفاعل الحضارات، فالحضارات تتفاعل وتؤثر وتتأثر كل منهما بالأخرى وذلك استنادا إلى وجود جوانب مشتركة بين الحضارات أبرزها الجانب الإنساني، حقيقة أنه قد تبرز في عصر ما حضارة معينة إلا أن هذه الحضارة تعتمد في بروزها على ميراث الحضارات السابقة الذي تقدمه وتبلوره بصورة جديدة بعدما تضيف إليه ما يمثل إبداعها الفكري، ثم ما تلبث أن تتحول إلى حلقة من الحلقات المكونة للحضارة الإنسانية بعد ذلك، وهكذا يبرز العامل المشترك الأساسي لكل الحضارات وهو ما يمكن أن نطلق عليه المشترك الإنساني، الذي يعني أن نتاج كل حضارة هو في المحصلة النهائية نتاج مشترك للجهد الإنساني على مدى الزمان، ويصل بعض أنصار إتجاه تفاعل الحضارات إلى العقول بإمكانية قيام حضارة عالمية واحدة مستندة إلى التقارب الثقافي والإنساني والقبول المتزايد بقيم وتوجهات وممارسات ومؤسسات مشتركة من شعوب العالم. أطروحات هنتنجتون والخطاب السياسي الغربي الحالي تجاه العرب والمسلمين لاشك في أن اطروحات هنتنجتون حول الحضارات قد ركزت بوضوح حول التناقض القائم بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية والسؤال الذي نطرحه في هذا القسم من الدراسة إلى أي حد كان لهذه الاطروحات تأثير على الخطاب السياسي الغربي الحالي تجاه العرب والمسلمين؟ في هذا الصدد توضح دراسة بعنوان الولايات المتحدة والإسلام السياسي صراع الحضارات أو تضارب المصالح لفواز جرجس صدرت عام 2000 إلى إنه بالرغم من أن إدارتي جورج بوش الأب وبيل كلينتون قد رفضتا نظرية صدام الحضارات كأساس لرسم السياسة الدولية بعد إنتهاء الحرب الباردة إذا أشادت حكومة بوش ثم كلينتون بالقيم التقليدية الإسلامية، إلا أن السياسة الأمريكية قد تأثرت بالخوف من وجود خطر إسلامي، إذا ترى الولايات المتحدة أن بعض التصريحات والبرامج السياسية المتطرفة للإسلاميين تنطوي على رجعية وتهديد محتمل للمصالح الأمريكية والغربية الأمر الذي يجعل من غير المحتمل أن تؤيد واشنطن هؤلاء الإسلاميين إذا ما وصلوا إلى الحكم في بلادهم، وترصد الدراسة وجود فجوة قائمة بين الأقوال والأفعال الصادرة عن المسئولين الأمريكيين من هذا الصدد، وأن الموقف الأمريكي من الإسلام يكتنفه الغموض والتوتر، ومن ثم لا يتخذ صانعو القرار الأمريكيون موقفا قويا وحاسما بصدد الإسلام، وترجع الدراسة هذا الموقف إلى ثلاثة أسباب رئيسية هي: ـ عدم رغبة الولايات المتحدة في الظهور بمظهر المعادية للإسلام الأمر الذي يزيد من حماسة المسلمين اشتعالا ضدها . ـ تردد الولايات المتحدة في أن تؤيد علنا أية جماعة إسلامية خوفا من تهديد مصالحها الإقليمية ومصالح حلفائها . ـ تشكك دوائر صنع السياسة الخارجية الأمريكية نحو ما يتصل بالتطابق بين الإسلام السياسي والديمقراطية . وتوضح الدراسة أن هناك إتجاهين فكريين متصارعين داخل أروقة صنع القرار السياسي الأمريكي الإتجاه الأول يأخذ بخيار المواجهة مع ما يسمى بالخطر الإسلامي والإتجاه الثاني يرى بان الإسلام لا يمثل خطرا وأن كان يقدم نموذجا حضاريا وثقافيا مختلفا عن النموذج الغربي يمكن التعامل والتعايش والتكيف معه . والواقع أن نظرية هنتنجتون حول صدام الحضارات وأن كانت قد وضعت ما يسمى بالخطر الإسلامي في دائرة الضوء والتفكير بالنسبة للإدارة الأمريكية إلا أن ثمة عوامل أخرى قد تفاعلت خلال السنوات الأخيرة لتضيف أبعادا جديدة على الرؤية الأمريكية والغربية بهذا الموضوع أول هذه العوامل الدور الفعال لقوى الإسلام السياسي في نطاق الصراع العربي الإسرائيلي، حيث لعب حزب الله دورا هاما في تحرير الجنوب اللبناني وإجبار إسرائيل على الإنسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة عدا مزارع شبعا، ثم دور القوى الإسلامية الفلسطينية في تفجير إنتفاضة الأقصى في أعقاب زيارة شارون الاستفزازية للأقصى، بل أن الإٍسلام كعقيدة لعب دورا هاما في تحديد مواقف الدول العربية والإسلامية من عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، ووضع خطوطا حمراء لايمكن لأي صانع قرار عربي أن يتجاوزها في هذا الصدد، وكان الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل والداعم لها والمتساهل تجاه تجاوزاتها لأحكام الشرعية الدولية والقانون الدولي في الوقت الذي تشددت فيه الولايات المتحدة تجاه العراق وليبيا والسودان وإيران بحيث فرضت على هذه الدول عقوبات دولية عاملا آخر من عوامل إزديار روح الكراهية تجاه الولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي الأمر الذي فسرته بعض الدوائر السياسية الأمريكية بأنه دليل على إزدياد حدة الخطر الإسلامي، وتوالت ذلك مع بروز دور المجاهدين في البوسنة حيث إنتقلت أعداد كبيرة منهم من أفغانستان إلى البوسنة لمساندة المسلمين في مواجهة الصرب، الذين ارتكبوا جرائم وحشية بحق المسلمين هناك على مسمع ومرأى من العالم الغربي الذي تحرك متأخرا بعد أن أشبع الصرب المسلمين قتلا وتعذيبا وتدميرا، وقد بينت بعض الدراسات أن الدور الذي لعبه المجاهدين في البوسنة كان دورا له أبعاد استراتيجية هامة حيث أنهم استطاعوا إحداث تعديل نسبي في ميزان القوى المختل بين الصرب ومسلمي البوسنة، مما ساعد المسلمين في البوسنة على تحقيق بعض المكاسب الإستراتيجية. ومع الأحداث الخطيرة التي شهدتها واشنطن ونيويورك في الحادي من سبتمبر 2001، كان المسرح مهيأ لظهور خطاب سياسي أمريكي وغربي معادي للعرب والمسلمين، فأجهزة الإستخبارات الأمريكية وجدت فيما يسمى بالخطر الإسلامي أو الإرهاب الشماعة التي تعلق عليها فشلها في القيام بدورها في الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، وبعض القوى الدولية حاولت الاستفادة من الأحداث لخدمة مصالحها وتدعيم مواقفها في صراعها مع القوى الإسلامية وبدا أن الغرب يتجه لتكوين تحالف دولي ضد الإسلام والمسلمين وهو ما برز في مفردات الخطاب السياسي للرئيس بوش الابن، وتومي بلير رئيس وزراء بريطانيا، وبير لسكوني رئيس وزراء إيطاليا وهو ما تم تداركه فيما بعد، نظرا لما يمكن أن ينتج عنه من آثار سلبية على المصالح الأمريكية والغربية في الدول العربية والإسلامية، وهكذا تفاعلت عوامل عديدة لتشكل الخطاب السياسي الغربي الحالي تجاه العرب والمسلمين . ويبقى السؤال هل الصراع بين الحضارة الغربية والإسلامية قد إنتقل من دائرة الفكر إلى دائرة الواقع ؟ وهل من الضروري أن تتخذ العلاقة بين الغرب والإسلام الطابع الصراعي أم أن هذه العلاقة يمكن أن تأخذ أشكالا وأبعادا أخرى ؟ وكيف يمكن إعادة بناء هذه العلاقة بعيدا عن الصراع ؟ أسئلة يصعب الاجابة عليها الآن! بقلم: أ.د محمد سعد أبو عامود ـ استاذ العلوم السياسية ـ القاهرة