الجدل حول مستقبل العالم لا ينتهي منذ الهجمات على منشآت أمريكية يوم 11 سبتمبر الماضي.. البعض يذهب الى اننا بصدد نظام دولي جديد تذهب فيه السيادة المطلقة الى أمريكا أكثر مما هي عليه قبل أحداث 11 سبتمبر، في حين يرى البعض أن المسمار الأول تم وضعه في نعش الهيمنة الأمريكية، وعلى الرغم من الاختلاف الشديد بين الرؤيتين، الا انهما يتفقان على أن منطقة آسيا الصغرى قبل 11 سبتمبر لن تكون هي نفس المنطقة بعد هذا التاريخ.. حول هذه القضايا الاستشرافية للمستقبل.. يطرح ثلاثة من أبرز خبراء العلوم السياسية في مصر رؤيتهم وهم الدكتور حسن نافعة رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والدكتور مصطفى علوي نائب عميد كلية الاقتصاد والدكتور محمد السيد سليم مدير مركز الدراسات الآسيوية بنفس الكلية. بداية يقول الدكتور حسن نافعة: علينا أن نحدد من أين ننطلق، والى أين، وعلى أي الأمور نرتكز؟ حتى لايكون حديثنا نوعا من الرجم بالغيب أو مجرد تكهنات لا علاقة لها بما قد يدور على أرض الواقع.. صحيح أن هناك افتراضا بوقوع هجمات أمريكية وشيكة على أفغانستان وصحيح أيضا أن هناك افتراضاً بأن هذه الهجمات سيكون لها تأثير على التوازنات الآسيوية.. قد لا يكون هناك خلاف على حدوث هذين الغرضين، لكن المشكلة الكبرى في هذا الموضوع هي (من ستكون ضده هذه الهجمات)؟ واذا أجبنا على هذه المشكلة فسوف نستطيع بالتالي أن نحدد تأثير هذه الهجمات على التوازنات الآسيوية.. غير أن هذا الأمر لم يحسم أو تتضح صورته بعد، فلا أحد يعرف ما يدور في ذهن الادارة الأمريكية حول طبيعة الهجمات، وهل هي هجمة واحدة وضربة عسكرية واحدة أم أن هناك مخططا طويل المدى؟! أعتقد أن هذه الاجابة لابد أن تتضح بشكل حاسم، لأن المطلوب استشرافه ليس في تأثير الهجمة الأمريكية القادمة ضد أفغانستان، وإنما قراءة ما يدور في العقل الأمريكي وما اذا كان هناك مخطط متكامل الأركان أم لا.. ثم نحاول بعد ذلك أن نستشف تأثير هذا المخطط ليس على آسيا فقط، وإنما أيضا على عالمنا العربي. والمشكلة الحالية أن هناك حالة من الغموض المتعمد في أمرين، أولهما، الهدف والثاني في المدى الزمني.. اما ما يتعلق بالاول فيبدو لي ان هناك اهدافا معلنة واخرى خفية وهي اهداف قصيرة الامد ومتوسطة الامد وطويلة الامد اما فيما يتعلق بالاهداف قصيرة الامد فهي معلنة وواضحة من قبل الولايات المتحدة وهي رأس بن لادن فقد قال الرئيس بوش في تعبيرغريب جدا علي رئيس دولة عظمى وحيدة في العالم ـ اريد رأس اسامة بن لادن حيا او ميتا.. وكأن القضية تم تشخيصها وتجسيدها في شخص واحد هو ابن لادن اضافة الى تنظيم القاعدة.. وهذا هو الهدف الامريكي قصير الامد. اما الهدف المتوسط وهو أيضا واضح ولاتخفيه امريكا.. فهو ازاحة حركة طالبان من السلطة في افغانستان وتفكيك اوصالها، اما الهدف طويل الامد وهو ايضا واضح ولاتخفيه امريكا يتمثل فيما ذكره الرئيس بوش في خطابه امام مجلس الشيوخ والكونجرس صراحة ان الولايات المتحدة امام معركة طويلة الامد سوف تستغرق سنوات وانها تستهدف استئصال الارهاب من جذوره، اذن القضية التي تريد امريكا ان تدفع العالم في اتجاهها وان يحارب في صفها هي قضية مكافحة الارهاب واستئصال وازالة جذوره.. هذا بالنسبة للاهداف المعلنة فماذا عن الاهداف الخفية ؟ من المؤكد ان القضية ليست في الارهاب اومكافحته لان الكل في المجتمع الدولي وليس امريكا فقط على استعداد لمحاربة الارهاب ولكن المشكلة تكمن في انه يمكن للولايات المتحدة ان تستغل هذه الازمة الخطيرة والضخمة لكي يدفع العالم كله الى مكافحة الارهاب وفق اجندتها ومصالحها الخاصة هذه اول مرة في التاريخ يتم فيها دفع العالم الى حرب دون ان يعرف على وجه اليقين من هو العدو ومن هو المسؤل ؟ واذا افترضنا ان هناك شكوكا حول من الذي فعلها مع ملاحظة ان الكلام الدائر الان وفيه الكثير من المصداقية هو ان اليمين الامريكي المتطرف هو الفاعل فهنا سوف نكون امام قضية غير محسومة.. اذن الولايات المتحدة تجيّش الجيوش وتخرج عبر البحار والمحيطات بكل ادواتها العسكرية بما فيها اسلحة الدمار الشامل دون ان تكون قد اقنعت العالم بأن هناك مسئولا عما جري في نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر. ايضا هناك نقطة اخرى خطيرة بل اشد خطورة وهي ان الولايات المتحدة اذا مابدأت تنفيذ خطتها بالهجوم على أفغانستان قبل ان تقنع العالم بالدليل القاطع عن مرتكب التفجيرات فهذا يعني ان العالم لن يعرف مطلقا من ارتكبها.. لانه ليس معقولا ان تعلن امريكا بعد الهجوم ـ عن مسؤل اخر في الحادث.. وان تقول انها أخطأت وتسرعت وان هناك منظمة اخري والا ستدين نفسها وتاريخها وتفقد مصداقيتها بعد ذلك امام العالم كله.. مع ملاحظة ان هناك شواهد في التاريخ الامريكي تؤكد انه ليس كل الأحداث يكشف نقاب الحقيقة عنها.. لذلك يمكن القول أننا امام غموض شديد وأزمة كبرى تتعلق بأن أمريكا بدأت تخرج الى العالم كله بجيوشها وتستعرض قواتها وأن لديها خطة تبدو مدروسة ومحددة، وهي بصدد استغلال هذه الأزمة لمصلحتها الخاصة.. وفي رأيي أن هناك حوارا داخل العقل الأمريكي يفيد بأن هذه الأزمة قد تكون فرصة ذهبية كي تتأكد السطوة الأمريكية وأن تكمل مالم يتم اكماله بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أي أن هناك جيوشا مقاومة ومعارضة في أكثر من مكان من العالم للهيمنة الأمريكية وأنه قد آن الآوان كي تتخلص الولايات المتحدة من هذه الجيوب.. وذلك بصرف النظر عن الشخص أو المنظمة المسئولة عن هذه الأحداث. اذن القضية ليست قضية ارهاب ومن معه أو ضده، وانما القضية هي من مع الولايات المتحدة ومن ضدها.. والآن، ماذا يمكن أن يحدث؟.. للاجابة على هذا السؤال علينا أن نقرأ ماتريده الولايات المتحدة قراءة صحيحة، وماهي خطتها، وماذا سيكون عليه رد فعل العالم.. وماهو نمط وشكل التحالفات التي ستنشأ من خلال الخطط الأمريكية، وأيضا هل يقرأ العالم مايدور في الذهن الأمريكي بنفس الطريقة والدوافع والأهداف التي تريدها الولايات المتحدة أم لا؟. كيف تفكر الإدارة الأمريكية؟ نستطيع أن نستشف من خلال التحركات والسلوك الأمريكي في التعامل مع الأزمة كيف تفكر الادارة الأمريكية في ادارة هذه الأزمة وذلك من خلال الآتي: أولا.. أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تتحرك قبل معرفة من الفاعل، وبالتالي لم يعد مهما معرفة من فعلها، وأن الولايات المتحدة ستمضي في طريقها بغض النظر عما يمكن ان تكشف عنه التحقيقات مستقبلا، واذا اكتشفت التحقيقات مايخالف الخطة الأمريكية الموضوعة أو مايدور في الذهن الأمريكي فلن يكشف عنها أبدا.. وبالتالي سوف تتجه التحقيقات حتما الى ابن لادن وتنظيم القاعدة وان الارهاب (الاصولي) هو المسئول. ثانيا.. إن الولايات المتحدة تريد أن تعمل في هذه الأزمة منفردة ودون أن يشاركها أحد في القرار.. سوف نلاحظ أن واشنطن يمكنها العمل من خلال (حلف شمال الأطلنطي)، ولكن الولايات المتحدة رفضت عقد قمة لزعماء الحلف لاقرار تشغيل المادة الخامسة في وثيقة الحلف.. ويتضح في هذا أن أمريكا تريد العمل وحدها وبعيدا حتى عن أقرب حلفائها، وأن ماتريده منهم فقط هو تأييدهم المطلق لها ودعم أي قرار تتخذه.. وأعتقد أن حجة تشغيل المادة الخامسة للحلف كان فيها الكثير من الشطط، حيث أن هذه المادة تحديدا تتحدث عن عدوان من دول خارج الحلف على دولة داخل الحلف، وماحدث مع الولايات المتحدة ليس كذلك اطلاقا، لأن التفجيرات وقعت من داخل الولايات المتحدة ولم يتم اثبات أن هناك دولة خارجية وراءها، واذا افترضنا جدلا أن ارهابا من الخارج هو الذي فعلها فالمادة الخامسة من ميثاق الحلف لم تتحدث عن الارهاب أو تنظيمات ارهابية وبالتالي لم يكن هناك مبرر لتشغيل نظام الأمن الجماعي للحلف، انما الذي حصل أن (الناتو) جامل الولايات المتحدة وأسرع بالاعلان عن أن هذا عدوان عسكري موجه ضد دولة في الحلف ووافقت ورحبت أمريكا بذلك، وبالتالي كان يفترض بالضرورة أن يجتمع اعضاء حلف الناتو لتشغيل آلياته.. لكن الولايات المتحدة لم تسع لهذه الاجتماعات ولا دعت اليها اصلا لانها ترغب في العمل منفردة، أيضا هي لا تريد أن تعمل من خلال الأمم المتحدة، وخطها الذي تسير عليه منذ حرب الخليج الثانية وحتى الآن انها تريد تهميش الأمم المتحدة وخططها التي يمكن أن يتفق عليها المجتمع الدولي.. هي فقط حصلت على قرار من مجلس الأمن يطالب حركة طالبان بتسليم ابن لادن وأنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذا القرار ولكن أتساءل هل هذا هو صلب عمل مجلس الأمن، وهل المفروض في مجلس الأمن أن يقوم بهذا أم لا؟!، انما الولايات المتحدة تفسر هذا القرار لصالحها، وبشكل متعسف يقول أنه يعطيها الحق في أن ترد على حركة طالبان اذا لم تسلم ابن لادن.. وطالما أن الادارة الأمريكية تريد أن تعمل منفردة وليس من خلال أي منظمة جماعية حليفة لها، أو حتى تحت مظلة الشرعية الدولية، فهذا يعني أن هناك مشروعا أو أجندة خاصة تريد الولايات المتحدة تنفيذها وحدها في العالم. ـ اذن، ماذا عن التوازنات الآسيوية؟!. . في تقديري أن هناك محورا يدفع الولايات المتحدة ويريد أن يوجه الأحداث في اتجاه معين وهو محور اسرائيلي، هندي، روسي، فاسرائيل تتصور انها يمكن ان تستغل الأزمة لتصفية المقاومة الفلسطينية باعتبارها منظمات ارهابية، وهي في هذا تجد فرصتها الذهبية خاصة وأن معيار الارهاب الأمريكي يمكن أن يطبق على المنظمات الفلسطينية ولذا هي تدفع الولايات المتحدة في هذا الاتجاه.. أما الهند فهي لديها مصلحة أساسية في أن تجعل المقاومة الكشميرية تدخل في اطار الارهاب ويتم القضاء عليها وفقا لهذا أيضا هناك مصلحة روسية سنجدها في تحويل المقاومة الشيشانية الى تنظيم ارهابي وبالتالي تحصل على دعم العالم في سحق هذه المقاومة ـ اذا كانت تستطيع ذلك ـ وبالطبع هناك محاذير لدى كل طرف من هؤلاء، لكن السؤال هو هل الولايات المتحدة على استعداد أن تتحالف مع هذا المحور الآسيوي الذي يتشكل؟. في تقديري أنه في المرحلة الاولى أو الهدفين قصير الأمد ومتوسطه لن يكون ذلك مطروحا على الولايات المتحدة، أي بمعنى عدم الاستعداد للتحالف مع هذا المحور، لأن الولايات المتحدة من مصلحتها أن تحصر جهدها في تحقيق الهدف القصير والمتوسط نحو القبض على ابن لادن وتفكيك تنظيم القاعدة، ثم تحجيم سلطة طالبان أو ضربها تماما في أفغانستان وهي في هذا الهدف تريد دعم العالم الاسلامي معها، ولذا لا تريد أن تخلق مشاكل مع باكستان أو ايران، وتحالف الولايات المتحدة مع محور الهند، روسيا، اسرائيل يعني انها ستدخل في حرب ضد الاسلام والمسلمين، وهي لا تريد أن يحدث ذلك في المدى القصير أو المتوسط.. انما عندما يتحقق لأمريكا تصفية طالبان فهنا سيكون السؤال حول النظام الذي سيأتي بديلا لحركة طالبان وماهو موقف باكستان وما هو موقف الجماعات الاسلامية، وهل ستكون باكستان الهدف بعد ذلك، قد يكون المطلوب ان يتم تنظيف باكستان بعد ذلك من الجماعات الإسلامية، ليس من منظور حرب ضد الاسلام، وانما من منظور ان باكستان أصبحت أحد أهم معامل تفريخ القيادات الإسلامية الراديكالية وبالتالي لابد من تجفيف هذا المنبع، ايضا القدرات النووية الباكستانية مستهدفة ومطلوب اجهاضها.. لكن هل الحل سيكون عبر اقامة نظام عسكري عميل للامريكان في باكستان، أم أن الولايات المتحدة سوف تعمل على ايجاد حل ما للمشكلة الكشميرية كي تثبت الأوضاع الحالية في باكستان وتقيم نظاما حرا يكون أكثر ملائمة للتعاون مع واشنطن.. اذا كانت أمريكا تريد أن تحول باكستان الى محمية تابعة لها، فماذا سيكون رد الفعل الصيني.. هل ستقبل الصين أن تكون الولايات المتحدة على حدودها؟! إرهاب أم مصالح أخرى ؟! ـ اعتقد أن المشكلة في هذه الحالة ستكون كبيرة جدا، والمشكلة لن تكون في الارهاب ـ الذي تريد ان تكافحه أمريكا ـ وانما هو ماتبحث عنه أمريكا في هذه الأزمة.. هل تريد أن تضع يدها على منطقة وسط شرق آسيا برمتها بما فيها باكستان أم لا؟!.. هذه بالطبع علامة استفهام كبرى، وهي تجعلنا نفكر مليا وبعمق حول ما الذي يجرى، وماالذي تريده أمريكا من هذه الأزمة؟ ـ اذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع أن تدخل في تحالف مع المحور الروسي، الهندي، الاسرائيلي في المدى القصير أو المتوسط، فهي تستطيع ذلك بالفعل على المدى الطويل، خاصة اذا افترضنا أن الهدف البعيد المدى لأمريكا هو محاربة الارهاب، وكما قلنا من قبل فإن الارهاب في مفهوم أمريكا معناه الدول العاصية والمنظمات التي تضعها أمريكا على قائمة الارهاب.. وهذه هي المرحلة التي سيدخل فيها العالم الاسلامي وخاصة العربي ليكون طرفا موضوعا في الحرب.. ويمكن أن يدخل في ذلك الاطار سوريا وايران ولبنان والعراق الى اخره.. فما هو الموقف الذي يتعين أن يأخذه العالم الاسلامي ومصر في المقدمة منه؟! يجب أولا وأخيرا أن نعمل على عدم اعطاء الولايات المتحدة شيكا على بياض لكي تستخدم القوى العسكرية ضد أي شخص أو بلد قبل أن يكشف النقاب كاملا عما حدث في الولايات المتحدة وتقوم بتقديم الأدلة المقنعة على أن هذا الشخص أو التنظيم أو البلد هو المسئول.. نحن جميعا ضد الارهاب ونطالب بمحاربته لكن ليس على أجندة أمريكا وانما على أجندة المجتمع الدولي وتحت مظلة الشرعية الدولية.. ايضا يجب أن يكون هناك اجتماع عاجل على مستوى القمة لمنظمة المؤتمر الاسلامي لان خلق التجانس وتوحيد المواقف على مستوى العالم الاسلامي في هذه المرحلة تحديدا بالغ الأهمية والحتمية.. كذلك يجب أن نطالب أمريكا بتسوية المشاكل التي تواجه العالم الاسلامي بداية من الصراع العربي ـ الاسرائيلي وانتهاء بالشيشان، وان تكون هذه التسويات وفقا لمعايير القانون الدولي والشرعية الدولية. وأختتم حديثي بالقول انني أشك كثيرا في بناء موقف عربي أو اسلامي واحد وبالتالي اخشى أن تنجح الولايات المتحدة ـ كما نجحت في حرب الخليج الثانية ـ في أن تنفذ خطتها بالتدريج وفقا للأهداف قصيرة الأمد والمتوسطة وطويلة الأمد، وبالتالي تصفية المعارضة للولايات المتحدة واعادة توزيع الأدوار بما يجفف كل منابع المقاومة الراديكالية لأمريكا، وخاصة المقاومة الاسلامية سواء ضد اسرائيل أو في كشمير أو الشيشان. الأزمة معقدة جداً وينطلق الدكتور مصطفى علوي استاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة الى الحديث عن تعقد الأزمة وحدتها فيقول: ان الازمة التي نحن بصددها الآن هي واحدة من أعقد الازمات التي يمر بها العالم وأكثرها حدة.. وهذا الامر غريب جدا في تاريخ الصراعات البشرية، فمن الملاحظ سابقا انه كلما كانت الأزمة معقدة لا تكون حادة والعكس بالعكس.. ودرجة تعقد الازمة لها مؤشرات تقاس بها مثل عدد الأطراف المتورطة أو المنشغلة والمهتمة بها، ايضا مثل عدد القضايا المطروحة وتنوعها، والمصالح المشمولة في هذه الأزمة لكل طرف وتنوعها من عدمه.. أيضا أهمية ومحورية القضايا التي هي موضوع هذه الأزمة ومن حيث تشابكها وترابطها معا.. الى آخر هذه المؤشرات.. ولو نظرنا بدقة الى المؤشرات السابقة سنجد أنها تنطبق بالفعل على الأزمة الحالية ومن ثم التأكيد على أنها أزمة معقدة جدا.. اما من حيث الحدة فهي الأكثر حدة أيضا لأن مستوى العنف المستخدم في ادارتها من كل اطرافها مستوى عال جدا سواء كان في بدايتها أو رد الفعل المتوقع عليها خلال الايام والاسابيع القليلة من عمر الازمة.. لذلك نحن امام ازمة جديدة من نوعها وغير مسبوقة، وبالتالي المواجهة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ستكون هي أيضا غير مسبوقة.. ووفقا للتصريحات الأمريكية فان شكل هذه الحرب سيختلف عن جميع الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة بداية من الحرب العالمية الثانية ومرورا بكوريا حتى المواجهة مع العراق. والملاحظ في هذه المواجهة ان الولايات المتحدة لاتعلن عن شكل هذه المواجهة وانما يذكرون فقط مبادئ عامة بأنها ستشمل عمليات عسكرية معلنة، وعملية استخبارية سرية غير معلنة حتى لو نجحت.. وسوف يكون هذا في الأجل القصير.. اما الأجل الأطول فسوف يتم توظيف الامكانات والقدرات غير العسكرية، بالاضافة الى استمرار استخدام القدرات العسكرية، في المواجهة التي ستستمر حسب التصريحات الامريكية الى زمن قدره عشر سنوات عندها يكون قد تم ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ القضاء على الارهاب. والاهداف الأمريكية في هذه الحملة معروفة وواضحة للجميع وهي القبض على ابن لادن أو قتله، القبض على قيادات تنظيم القاعدة وتفكيك قواعده ومعسكراته بل وازالته عن الوجود اذا أمكن ذلك.. ايضا ستشمل هذه المرحلة تفكيك نظام طالبان والقضاء عليه وربما ازالته تماما من الوجود في أفغانستان.. ولذا أرى أنه لن يكون هناك فاصل زمني مابين القضاء على ابن لادن وطالبان وانما سوف تسير الحملة الامريكية في الاتجاهين معا. واذا تحدثنا على تأثير هذه الهجمات الامريكية في المرحلة الاولى منها على التوازنات في آسيا فأنا أعتقد أن هناك سيناريوهين في هذه المسألة.. السيناريو الأول مبني على افتراض نجاح الحملة العسكرية الأولى لأمريكا في وقت قصير لتحقيق اهدافها في افغانستان.. اما السيناريو الثاني فهو مبني على احتمال فشل هذه الحملة في تحقيق اهدافها في المرحلة الأولى.. سيناريوهات ـ ماتأثير ذلك على التوازنات الاقليمية في آسيا ثم على التوازنات العالمية؟! ـ بالتأكيد أن تحقيق أي من السيناريوهين السابقين سوف تكون الأمور مختلفة تماما.. ولذا لا نستطيع ان نقول أن هناك نوعاِ واحداً من التأثيرات والانعكاسات على التوازنات الاقليمية والدولية والتي يمكن أن تترتب عن المواجهة بين الولايات المتحدة وطالبان وابن لادن في نفس الوقت. اعتقد ان أول نتيجة مباشرة للحرب هو حدوث تغيير جذري للبنية السياسية في أفغانستان، لان ازالة طالبان سوف تخلق وضعاً جديداً في افغانستان يتطلب التعامل معه.. وأول هذه الأوضاع وأهمها هي من الذي سيكون بديلا لحركة طالبان؟ أولا: هناك قوات تحالف الشمال ونتيجة الظروف الخاصة لحركة طالبان وتنظيم القاعدة استطاعت ان تتقدم في بعض المواقع التي كانت ضمن نفوذ طالبان. وفي تقديري أن قوات تحالف الشمال المعارض من الصعب عليه أن يفرض سيطرته على كل افغانستان، حتى لو قامت أمريكا بمسح طالبان من الوجود.. أيضا لن تكون قوات تحالف الشمال هي البديل لحركة طالبان، بمعنى أن الولايات المتحدة سترفض أن تفرض هذه القوات سيطرتها على افغانستان، وذلك لسبب بسيط وهو أن قوات تحالف الشمال أغلبهم ايضا من (المجاهدين) وان احتمالات انقلابهم على الأمريكان قوية وكبيرة. ثانيا: هناك احتمال استعادة النظام الملكي في افغانستان، وتوجد دعوات من جهات غربية وأمريكية لكي يستعد الملك ظاهر شاه الى العودة لافغانستان وتولى الحكم.. ويرى البعض ان الحملات العسكرية الأمريكية قد تؤدي الى اعادة النظام الملكي ولكن سيكون الملك في هذه الحالة هو حاكم شكلي، وتكون القوة الحقيقية في البلاد في يد امريكا التي ستتحكم في كافة مسائل ادارة افغانستان وشئونها السياسية.. مع ملاحظة أن هذا البديل هو أفضل البدائل التي تراها الولايات المتحدة في حالة نجاح عملياتها العسكرية بالنسبة لافغانستان. يوجد سيناريو ثالث وهو يتردد في تصريحات بعض المسئولين الأمريكان وفي وسائل الاعلام وهو احتمال انشاء نظام ادارة دولية تابعة للأمم المتحدة لدولة افغانستان تكون بديلا لحركة طالبان. أما السيناريو الرابع والأخير فهو احتمال تقسيم افغانستان وتوزيعها بين الدول المجاورة بحيث أن يكون لكل دولة مجاورة جزء ينضم اليها وفقا لماضي هذا الجزء من ترابط عشائري وقبائلي، وبالتالي يعاد تشكيل الأوضاع الاقليمية في منطقة وسط آسيا وقد يكون له امتدادات على جنوب آسيا. ـ ماذا عن باكستان؟! ـ من المعروف أن هناك أزمة بين الحكومة الباكستانية وقوى المعارضة خاصة الاسلامية، والحكومة الباكستانية اعلنت موقفها الصريح بالتعاون مع الولايات المتحدة على المستويات الثلاثة المطلوبة وهي المعلومات الاستخبارية ثم اتاحة المجال الجوي، واخيرا اتاحة القواعد العسكرية الباكستانية لاغراض الدعم للطائرات الأمريكية. في المقابل كنت أتوقع أن تكون هناك معارضة قوية لما قبلت به حكومة باكستان لكن لاحظت أن المظاهرات التي نزلت الى الشارع لمعارضة التعاون الباكستاني الأمريكي كانت اقل من المتوقع كثيرا ولا تعكس الوزن الحقيقي للجماعات الاسلامية هناك واعتقد أن باكستان طامعة في مكافآت تحصل عليها ونحن نعلم أن أول مكافأة حصلت عليها مؤخرا ـ هي رفع العقوبات الاقتصادية ومعها الهند.. أيضا ـ وخاصة المؤسسة العسكرية ـ طامعة في استعادة المعونات العسكرية من الولايات المتحدة.. اذن هناك مصالح واطماع تريد باكستان ان تحققها. ان أقدر عناصر عسكرية على العمل في افغانستان هي العناصر الباكستانية، خصوصا أنها لديها معلومات مهمة عن الاراضي الافغانية ومعسكرات التدريب والمواقع السرية الخاصة بحركة طالبان وتنظيم القاعدة، وبالتالي هي تعتبر أثمن وأهم اطراف التحالف في الاقليم كله بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لذا أعتقد أن الولايات المتحدة سوف تولى أهمية خاصة لباكستان في هذه المرحلة، فهل يمكن أن يؤدي ذلك لكي تقود الولايات المتحدة اتصالات لتغيير نمط العلاقات بين باكستان والهند باعتبارهما حليفين لأمريكا.. قد يكون ذلك مطروحا، لكن هل سيكون ذلك على حساب الجماعات الاسلامية المتطرفة في باكستان، أم أنه سيؤدي الى تغيير موقف باكستان الرسمي من قضية كشمير؟!.. أنا لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال لأن قضية كشمير هي قضية قومية بالنسبة لباكستان كلها ـ حكومة ومعارضة ـ وهي قضية شعبية بالدرجة الأولى. الهند واقتناص الفرصة ـ ماذا عن الهند؟ ـ أعتقد أن الهند تريد اقتناص الفرصة الذهبية التي جاءت لها دون أن تسعى اليها.. فبمجرد وقوع الأحداث الدامية في أمريكا أبدت الهند استعدادها السريع لتقديم كافة وسائل الدعم للولايات المتحدة رغم أن مايمكن أن تقدمه باكستان من دعم لأمريكا أفضل بكثير مما يمكن أن تقدمه الهند.. ولكن من المعروف أنه يوجد شبه ائتلاف أو تحالف أمريكي ـ هندي وقد تطور هذا التحالف خلال الأعوام التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وهي تريد انتهاز هذه الفرصة لتوثيق التحالف.. وبالتالي اعتقد أن نتائج الازمة الحالية سوف تصب في خانة خدمة المصالح الهندية فيما يتعلق بالتوازنات في جنوب آسيا.. وربما في منطقة وسط آسيا. ـ ماذا عن ايران؟! ـ سوف نلاحظ أن ايران في حالة غزل مع الولايات المتحدة والغرب.. وفي أول مرة منذ الثورة الايرانية عام 79 يزور وزير خارجية بريطانيا ايران، ومن بداية الأزمة سنجد أن ايران كانت صريحة في ادانتها الشديدة لما حدث في 11 سبتمبر.. واعتقد أن الأزمة الحالية هي فرصة ذهبية لتحسين العلاقات بين أمريكا وايران، ومن المعروف أن طالبان كانت في حالة صراع مع ايران لأن طالبان هي التي قضت على التنظيمات الشيعية في افغانستان، وبالتالي يوجد عداء بين طالبان وايران.. ايضا هناك علاقات غير ودية بين ايران وباكستان بسبب الأزمة الافغانية، وبالتالي تريد أن تحقق مصالح ومكاسب من خلال هذه الأزمة بادانة أحداث سبتمبر وربما التعاون الأمني والاستخباراتي مع أمريكا ولان مثل هذا النوع من التعاون سوف يفتح العديد من الأبواب التي كانت مغلقة في العلاقات الأمريكية ـ الايرانية. ـ ماذا عن روسيا والصين؟! بالنظر الى استراتيجيتيهما اعتقد أنهما لا يمانعان في توجيه الضربة العسكرية الأمريكية الى افغانستان.. وروسيا تضع عينيها على مسألة الشيشان ومعانتها من (الارهاب)، أيضا تريد روسيا أن تورط أمريكا في المستنقع الافغاني، وهو يحقق مصلحة مشتركة ايضا للصين، وأعتقد أن هذا دافع مهم جدا للصين وروسيا في المرحلة الأولى، ولذلك هم لا يعارضون الحملة الأمريكية.. بل هناك امكانية لان تقدم كل من الصين وروسيا بعض الدعم للحملة. ـ ماذا لو نجحت الحملة الأمريكية في تحقيق أهدافها؟! لا أستبعد أن تمتد الى مناطق أخرى وبالذات المنطقة العربية وعلى نحو خاص العراق.. وأعتقد أنهم في المرحلة الأولى سوف يقصرون الضربة على افغانستان ولن تتوسع في مناطق أخرى لانهم يريدون تأييد الدول العربية والاسلامية أو مشاركة بعضهم في التحالف بشكل صريح ومباشر. وبالتالي اذا لم تحدث الضربة الأمريكية لافغانستان خلال الأيام المقبلة فسوف تتأخر حتى بعد شهر رمضان وعيد الفطر المبارك، انما وارد جدا لو نجحت الضربة بعد 6 أو 7 شهور ان يتم تطوير الحملة العسكرية وتوسيع نطاقها الجغرافي والسياسي لتصل الى اجزاء في الوطن العربي وخاصة العراق.. وأقول العراق هنا لأنه جبهة مفتوحة للغرب ولأمريكا وتضرب كل يوم حتى أصبح الأمر وكأنه طبيعي.. وأعتقد أن ادارة جورج بوش الابن رغم انها أكثر يمينية ومحافظة من ادارة الرئيس السابق رونالد ريجان، سوف تتردد أكثر من مرة في أن تمد الحملة الى مناطق أخرى مثل اليمن أو سوريا أو لبنان أو غيرها.. لأن حجم المخاطر السياسية ستكون أخطر بكثير من توسيع نطاق الحملة. بين التحالف والمشروعية السياسية ـ نعود مرة أخرى الى الافتراض الثاني للهجمات الأمريكية وهو افتراض فشل هذه الهجمات في تحقيق أهدافها.. فماذا يمكن أن يحدث؟! ـ اعتقد أن أول شيء سيحدث هو تفكك التحالف الدولي الذي يحيط بالولايات المتحدة ويقدم لها الدعم والمشروعية السياسية..ولكن علينا أن نسأل أيضا: هل سترضى الولايات المتحدة بسيناريو الفشل؟! بمعنى اذا ما فشلت الحملة الأولى في أن تحصد رأس ابن لادن وقيادات تنظيم القاعدة وحركة طالبان.. هل ستقبل أمريكا ذلك؟! أم أنها ستحاول مجددا ويكون هناك المزيد من الضربات الجوية وتطوير خططها العسكرية من خلال المزيد من عمليات الانزال الجوي للجنود الأمريكيين.. أم أنه سيكون هناك تصرف آخر ربما في استخدام سلاح نووي أو كيميائي؟! لا شك أن الغضب الامريكي من الفشل في المرحلة الاولى من الحملة سوف يترتب عليه الانزلاق الى تصرفات غير رشيدة مطلقا، كما سيترتب عليه تورط الأمريكان في افغانستان وبشكل قد يكون أعنف من التورط السوفييتي السابق أو التورط الأمريكي في فيتنام سابقا وأعتقد أنه لو حدث ذلك فسوف نشاهد أكبر عملية استنزاف للقوة الأمريكية اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.. وعندها سوف نشهد عالما مختلفا على العالم الذي كان قبل 11 سبتمبر 2001. تواطؤ دولي ويقول الدكتور محمد السيد سليم مدير مركز الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة: من الواضح من اتجاه الأحداث أن قضية من قام بتفجيرات 11 سبتمبر مازالت مطروحة، ومن الواضح أيضا أن هناك تواطؤاً استراتيجياً واعلامياً كبيراً حول الجهة المتورطة في الحادث بشكل حقيقي مقابل التركيز على اتهام شخص بعينه هو (أسامة بن لادن) وأمامي الآن نص حديث كان أدلى به المرشح السابق للرئاسة الأمريكية (ليندون لاروش) وهو يؤكد فيه صراحة ان اليمين الأمريكي المسيحي هو الذي يقف وراء هذه العملية، وينفي صراحة عن أسامة بن لادن مشاركته أو قيامه بهذا العمل، بل ويضيف لاروش قائلا: (ان الذي قام بهذا العمل هم من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية وعلى الولايات المتحدة أن تبحث عن هؤلاء وتوجه أصابع الاتهام لهم). وأعتقد أن مثل هذا الكلام اصبح يتردد بقوة داخل الولايات المتحدة نفسها ولكنه لا يرد اطلاقا في الاعلام الأمريكي. هناك نقطة أخرى أن الولايات المتحدة تستغل هذه الأزمة كمناسبة لانهاء اجندة مابعد الانهيار السوفييتي، وهي في ذلك تسعى الى أمركة العالم. أيضا واضح أن هناك حملة تخويف وارهاب وابتزاز لكل دول العالم، وأعتقد أن الولايات المتحدة تبغي من وراء ذلك أن تكسب المعركة حتى قبل أن تبدأ فما هو مواقف الدول الاسلامية؟! اذا نظرنا الى موقف كل من روسيا والصين وربما آسيا الوسطى فسنجد أنها قد عبرت منذ البداية عن تأييد الولايات المتحدة، لكن يجب أن نفرق بين أمرين، وهما التأييد والدعم.. فهذا شيء والثاني أمر آخر مختلف تماما.. ولذلك لا أعتقد أن الصين أو روسيا سوف تذهبان الى حد الدعم العسكري للولايات المتحدة لتحقيق اجندتها الخاصة في المنطقة.. هذا الأمر لن يكون أبدا.. وذلك لأن من يسيطر على هذه المنطقة انما يسيطر على روسيا والصين بل على مجمل المنطقة الاسيوية، وهذا يجعلني اختلف مع رؤية الدكتور مصطفى علوي حول الموقف الايراني.. واعتقد أن زيارة وزير الخارجية البريطاني لايران كان هدفها تحجيم رد الفعل الايراني الرافض للحملة الأمريكية أكثر منه استثمار العلاقة بين ايران وامريكا أو أوروبا، فمن المؤكد أن ايران لن تتحمل اطلاقا وجوداً عسكرياً امريكياً على الجبهة الشرقية مع وجود عسكري أمريكي في الحدود الغربية لها أي مع الخليج.. ايران تعرف خطورة ذلك جيدا على أمنها القومي ولذا ترفض أن تقع بين فكي كماشة.. خاصة وانها تعرف بأنها ستكون هي الضحية التالية تحت حجة دعم الارهاب ومساندته.. لذلك أتصور أن ايران ستكون في حركة تقارب مع طالبان وليس العكس.. بالنسبة الى اليابان أرى أن موقفها فيه شيء من اللبس بالنسبة لهم وأذكر هنا عندما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بالحملة العسكرية على العراق في ديسمبر 1998 ففي هذا الوقت اعلنت اليابان تأييدها القوى للولايات المتحدة وطالبتها بضرب العراق، واليابان عادة ما صمتت في هذه المواقف، لا تؤيد أو ترفض، ولكن لأول مرة تصدر اليابان هذا البيان وتطالب الأمريكان بالضرب.. وسألت وزير الخارجية الياباني بعد الضربة الأمريكية قائلا له (أنتم دولة تؤيد السلم والسلام في العالم، وحل المشاكل التي تتفجر فيه من خلال العمل السياسي والدبلوماسي وليس من خلال الطائرات والصواريخ، فلماذا أصدرتم مثل هذا البيان العنيف جدا والذي تطالبون فيه أمريكا بقتل الأطفال في العراق؟!.. فقال وزير الخارجية الياباني: ( لسنا معنيين بمنطقة الشرق الأوسط، وليس لدينا مشاكل معه انما مشكلتنا الاساسية هي مع كوريا الشمالية، واذا أعطينا للأمريكان حق ضرب العراق، فهذا سوف يساعدنا عندما تحدث مشكلة بيننا وبين كوريا الشمالية). هكذا ترى اليابان المسألة، شيء لا يهمها مقابل شيء يهمها، واليابان ليس لديها مصالح قوية في هذه المنطقة، لأنها تركز فقط على منطقة جنوب شرق آسيا وأمريكا الشمالية.. ولذا لم يكن اعتبار الموقف الياباني لغزا لأنها فقط تنتظر المساعدة اذا ماواجهتها الصعاب من كوريا الشمالية.. أما الدولة اللغز بالنسبة لي فهي أندونيسيا، ونحن نعلم أن رئيسة أندونيسيا الحالية كانت في زيارة قريبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لا نعلم بالضبط ماتم الاتفاق عليه بين أندونيسيا والولايات المتحدة، خاصة وأن اندونيسيا فيها حركات اسلامية قوية. واعتقد أن هناك مخاطر عديدة على المنطقة العربية ومنها: ـ أولا: أثر هذه الحملة على عناصر المقاومة العربية والاسلامية مثل حزب الله في لبنان أو الجهاد الاسلامي في فلسطين وحركة حماس وغيرها.. وفي هذا الاطار توجد اشارات الى امكانية توجيه ضربات لهذه الحركات، وهنا تكمن الخطورة. ـ ثانيا: أثر هذه الحملة على أولوية القضية الفلسطينية ووضعها على أجندة النظام العالمي، وبصراحة أخشى أن يتراجع بشكل أكثر حدة في حملتها على أفغانستان. ـ ثالثا: أثر هذه الحملة على المصالح الاقتصادية للأقطار العربية وخاصة أثره على اسعار النفط.. كما ستتأثر العلاقات الاقتصادية العربية مع أمريكا على وجه التحديد. ـ رابعا وأخيرا.. أرى أن هذه الحملة اذا مااستهدفت القدرات النووية الباكستانية فسوف يخسر العرب الكثير، لأن اسرائيل هي التي تستفيد من ذلك وربما أكثر من استفادة الهند. وقد تكون هناك مخاطر أخرى لكن هذه العناصر الأربعة هي الأخطر، والمسألة في تقديري تحتاج الى وقفة ونقطة البداية هي تقوية النظام الأقليمي العربي وتقوية مؤتمر القمة الاسلامي الذي ينبغي أن ينعقد في أقرب وقت ممكن خاصة أن البند الخامس في ميثاق المؤتمر الاسلامي يؤكد أيضا على ضرورة الدفاع عن دولة عضو اذا ماتعرضت لهجوم خارجي. القاهرة ـ أحمد مراد: