لعلّ من أخطر انعكسات كارثة نفوق الاسماك التي تقلق الكويت منذ مطلع أغسطس الماضي.. وربما إلى أمدٍ مجهول، هو ذلك الشك الذي بدأ يتسلل إلى النفوس بأن الجهات المختصة تتجنب الاعلان عن السبب الحقيقي وراء الكارثة، بل ان من الجهات المعنية من ذهب بعيداً وأعلن ان هناك سبباً مفاجئاً أدى إلى وقوع هذه الكارثة، كما ذكر بعض أعضاء مجلس الأمة.. وحينما تسرب عن معهد الكويت للأبحاث العلمية ان هناك توجهاً لمنع صيد الاسماك لمدة عام على الأقل، تأكد لدى المراقبين ان الكارثة هي اكبر بكثير مما ذكر عنها في وسائل الإعلام ومما تحدث به مسئولون في جمعيات اهلية.. وهو يثبت مرة جديدة ان الصحافة لم تبالغ باستنفارها. والواقع ان المتابع عن قرب ليوميات هذه الأزمة التي حلّت بالثروة السمكية في الكويت والمعايش لبعض مشاهدها المؤثرة لم يعد يستبعد أي احتمال وأي سبب. فحجم المشكلة اضخم من أي كلام وتعبير، والانطباع المشوب بالرعب يكبر ويكبر لاسيما في ظل تحذيرات البيئيين من دوليين واقليميين ومحليين من الوضع البيئي في مياه الخليج العربي ككل... للعوامل المعروفة التي استجدت في الثمانينيات والتسعينيات بعد حربي الخليج الأولى والثانية، وآثار البقع النفطية المستمرة عدا حوادث الغرق وتسرب النفط في السفن. ولاشك ان نفوق الاسماك الكويتية شكل هماً ضاغطاً على مختلف دول الخليج سيؤثر، على طريقة تعاطيها مع قضية البيئة والتلوث البحري بشكل جذري.. وهو ما بدأت تظهر ملامحه من خلال الاجتماع الذي سيعقد قريباً على مستوى المسئولين البيئيين في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي. لكن الأساس في الكارثة التي عرفتها الكويت ستبقى لفترة طويلة هي محاولة معرفة حقيقة ما جرى ويجري، لأن ذلك هو المدخل المطمئن للمستقبل. وفي هذا الاطار كان لنا هذا التحقيق. عكس التيار ولعّل اللافت على هذا الصعيد ان الهيئة العامة لشئون الزراعة والثروة السمكية، لا تعترف بالنتائج التي سبق واعلنتها لجنة المتابعة الرسمية لظاهرة نفوق الاسماك التي يرأسها وزير الصحة الكويتي. وقال نائب رئيس الهيئة الدكتور حيدر مراد: أن المتخصصين في الهيئة غير متأكدين من السبب الحقيقي للظاهرة، والنتائج لم تثبت إلى الآن ان البكتيريا هي سبب نفوق الاسماك»، مؤكداً ان «نتائج التحاليل التي تجريها الهيئة ستثبت ان كانت مزارع الأسماك هي السبب». وفي رأي غير بعيد عن هذا النفي يتحدث مدير دائرة الزراعة البحرية والثروة السمكية في معهد الابحاث العلمية الدكتور سليمان المطر عن وضع المواد الكيماوية في جون الكويت ويقول ان من الصعوبة الكشف عن المصدر الكيميائي الذي يحتمل انه تسبب في نفوق الاسماك ما لم تتم معرفة المادة الكيميائية اولا نظراً لوجود الاف العناصر في مياه الجون. ويكشف المطر ان الكويت تعرضت العام الماضي لنفوق محدود للاسماك لم يعلن عنه بسبب ارتفاع حرارة مياه البحر. كما يوضح ان ظواهر نفوق الاسماك منتشرة في بلدان عدة ذات مناطق بحرية وخلجان وسببها الرئيسي المد الأحمر، مبينا ان الكويت تعرضت لنفوق الاسماك غير مرة في منتصف الثمانينيات، اذ حل ذلك قرب محطة توليد الكهرباء في الجنوب بسبب ضخ الكلور، ومرة اخرى بداية التسعينيات أيضاً بسبب الكلور، والنفوق الذي حدث العام 1999 بسبب المد الأحمر». كما ان نفوق الاسماك يحصل بسبب الملوثات والمنشآت على غرار ما حصل في هونج كونج من نفوق كميات ضخمة مشيراً إلى ان 99 في المئة من الاسماك النافقة كانت من اسماك الميد التي اصيبت باحمرار في رأسها، خاصة في الخياشيم إلى جانب الاحشاء نتيجة للاصابة بالبكتيريا. ورداً على سؤال يشير المطر إلى ان البحث عن مصدر كيميائي قد يكون تسبب في نفوق الاسماك يتطلب معرفة نوع المادة الكيميائية أولاً نظراً لوجود الآلاف من العناصر الكيميائية في البحر، مبينا ان جون الكويت يحتضر وبحاجة إلى رؤية جديدة تكفل حمايته وخصوصاً ان الجون يعتبر منطقة حضانة للربيان واسماك الزبيدي وأنواع بحرية تبيض بالقرب من الساحل الذي تسبب العمران في دماره. وقالت مديرة إدارة رصد تلوث موارد المياه في الهيئة العامة للبيئة فاطمة مال الله ان مياه الصرف الصحي ومياه التوازن في السفن ومياه الصرف الصناعي تعتبر الملوثات الرئيسية في الخليج العربي، موضحة ان مياه المجاري غير المعالجة الزائدة عن الحاجة تزيد من المغذيات في مياه البحر حاملة معها كثيراً من الميكروبات والبكتيريا والفيروسات. لكنها تطمئن إلى ان مياه الشرب «في ايد امينة كونها تخضع لـ 73 تحليلاً للعينة الواحدة لمعرفة الوضع الميكروبولوجي». المد الأحمر ليس حيادياً وبخلاف التقارير المتداولة التي تروج ان النفوق لم يصل إلى اسماك القاع، يكشف التقرير ـ الجماعي ـ للخبيرات الامريكيات، باتريشا جليبرت وجويس ايفانز وجان لاندز بيرج والذي تسنى لنا الاطلاع عليه، يكشف عن معطيات مختلفة تماماً، حيث يذكر التقرير انه «في ظل استمرار ظاهرة نفوق الاسماك لفترة طويلة، تم العثور على اعداد متزايدة من الاسماك القاعية فحتى منتصف شهر أغسطس، كانت جميع الاسماك النافقة تقريباً من بين اسماك الميد. ولكن مع حلول نهاية شهر أغسطس، بدأ العثور على أنواع نافقة اخرى ومع تراكم المزيد والمزيد من الاسماك النافقة في المياه، سيكون هناك المزيد والمزيد من الترسبات البكتيرية التي تصل إلى قاع البحر وهي الترسيبات التي ستلتهمها اسماك القاع الاكبر حجماً. وعلاوة على ذلك، فان ارتفاع مستويات المواد العضوية المترسبة في قاع البحر قد يساهم في تدني جودة المياه كما قد يؤثر سلبياً على الاسماك الموجودة في تلك المناطق القاعية». وحول العوامل المتسببة في الظاهرة الحالية واذا كان لها علاقة بالعوامل التي تسبب في نفوق الاسماك في العام 1999 يفيد التقرير «انه ليس هناك اي دليل يشير إلى ان ظاهرة النفوق الحالية قد حصلت بسبب وجود ما يسمى بـ «المد الأحمر السام». بيد انه تجدر الاشارة إلى انه قد تم العثور على بقع صغيرة من أنواع المد الأحمر غير السام في بدايات شهر أغسطس. وعلى الرغم من ان تلك البقع ليست السبب الرئيسي وراء نفوق الاسماك، فانها ربما تكون من بين العوامل الاضافية التي ساهمت بشكل او بآخر في اضعاف القدرة المناعية لدى الاسماك. فعادة ما يتسبب المد الاحمر في اثارة التهابات خيشومية لدى الاسماك بالاضافة إلى تقليل نسب الاوكسجين المذاب في المياه. وقد عثر على بقع اضافية صغيرة من المد الأحمر في مياه جون الكويت في 3 سبتمبر 2001، ويجري تحليل عينات منها حالياً بغرض تحديد هوية الكائنات المجهرية الموجودة فيها. ويضيف التقرير: «في واقع الأمر، ربما من المتوقع ان تكون الظروف مواتية الآن لظهور مد احمر شامل وذلك نظراً إلى ان هناك العديد من بقع المد الأحمر التي بدأت في الظهور بشكل متزامن مع وجود مواد وترسبات عضوية في مياه البحر. فالعدوى البكتيرية وما نجم عنها من تحلل اعداد هائلة من الاسماك ساهما حتى الآن في خلق بيئة غنية بالمكونات العضوية. .. والنفط إذن، من الواضح ان البحث الهاديء عن التقارير يبقي في طياته كل الاحتمالات مفتوحة، مما يجعل معالجة خلفيات ومسببات الكارثة أكثر عبئاً مما يعتقد. وهذا ما يلمح اليه كبار المسئولين الرسميين أيضاً. فرغم تأكيد وزير النفط الدكتور عادل الصبيح ان التحليلات الأولية تشير إلى ان مواصفات المياه المطروحة في البحر متطابقة للمواصفات البيئية الا انه دعا إلى «مزيد من التدقيق لتقييم كل الاحتمالات المتعلقة بالتشغيل والصيانة». ويعترف الصبيح «ان ظاهرة نفوق الاسماك هذه تعتبر واحدة من اكبر الكوارث البيئية التي اصابت الثروة السمكية في الكويت. ولا يقف عند حد الضرر بالأسماك النافقة فحسب بل تقع الخطورة الأكبر في احتمال تكرار هذه الظاهرة مستقبلاً ما لم يتم الوقوف على اسبابها الحقيقية ومعالجتها بشكل جذري وفعال». ويضيف: «هنا تقع الأهمية الكبرى في معرفة الأسباب المؤدية لهذه الظاهرة على ان تكون مدعمة ببراهين ودلائل علمية وثيقة ودقيقة ولا تشوبها شائبة سواء كانت الاسباب جراء عمليات نظيفة أو غيرها». ولا يستبعد الصبيح وجود مواد سامة لكنه يحاول التقليل من اهميتها فينفي ان تكون المواد الكيماوية المذكورة كلها سامة ويقول: يُعتبر الملح مادة كيماوية ولكن غير سامة، اذا هناك مواد كيماوية كثيرة غير سامة، لكن نحن في النفط نستخدم هذه المواد الكيماوية في حدود المسموح بها رسمياً. خلاصات وفي ضوء ما تقدم يتأكد بشكل قاطع ان الأزمة قابلة لأن تتكرر في الزمان.. كما في المكان، طالما ان أسرارها تستعصي على التحديد الواضح. ومن مؤشرات ذلك ان الخبراء على اختلاف ألوانهم وجنسياتهم ومؤشراتهم اعترفوا بمحدودية امكان العلاج، ليس هذا فحسب، بل عجزوا عن تحديد السبيل للتعاطي السريع والفعال مع ذيول الاسماك النافقة. وأكثر ما استطاع التقرير الأمريكي مثلا ان يوصي به كاجراء منظور هو الاستمرار «بإزالة الاسماك النافقة من على الشواطيء والتخلص منها بالاضافة إلى منع السباحة في تلك الشواطيء». يقول رئيس فريق الغوص وليد الفاضل ان الجهد الذي يبذله المتطوعون «لن يسهم في رفع سوى 5 في المئة من نسبة الأسماك النافقة في البحر، والكارثة أعظم من ذلك بكثير، فمن سيرفع الـ 95 في المئة المتبقية في البحر؟ نحن نساهم ونبادر في العمل التطوعي، لكن اين اجهزة الدولة عن هذه الظاهرة». ويطالب الفاضل الجهات الرسمية بـ «التعامل مع شركات ورفع أموال لها كي تنظف الشواطيء». والشيخة أمثال دعت جميع أجهزة قوى الأمن من جيش وشرطة وبلدية ومطافيء، إلى ضرورة اشتراكها في تجميع الأسماك النافقة. وجاءت هذه الدعوة بعد «فزعة كويتية» شملت الجميع من مواطنين ومقيمين ومن مختلف المستويات.. ومع ذلك بقيت الجهود هذه أدنى بكثير من حجم المأساة. وعود على بدء.. فان الخوف كل الخوف ان تتكرر.. والخوف كل الخوف ان تصيب دول اشقاء أو أصدقاء لأن ذلك سيكون بمثابة زلزال حقيقي للبيئة ولثروة الخليج وغذاء الانسان فيه على المدى الطويل.. فهل تكون هناك «فزعة خليجية في الحال لتجنب كارثة اشمل.. أو على الأقل لحشد الطاقات حتى نكون قادرين على معالجة ذيول هكذا ظاهرة. الكويت ـ أنور الياسين: