أهداف كثيرة ينبع تحقيقها انطلاقا من الأراضي الأفغانية حيث يرجح قيام الولايات المتحدة باحتلال عسكري لجزء من أراضي أفغانستان تتمركز فيها قاعدة عسكرية أمريكية لتحقيق أهداف كثيرة. وقبل الخوض في هذه الأهداف التي ستشكل عناصر السياسة الأمريكية الجديدة في آسيا ينبغي استعراض التحالفات الاقليمية السياسية التي استفزت سياسة أمريكا وعجلت بقرارها خوض حرب من أجل المصالح رغم انها ربطت ذلك بالارهاب بمعنى الأمن. والتحالفات الاقليمية الآسيوية تغيرت منذ انتهاء الحرب الباردة، وأخذت تنتهج طريقاً جديداً تمثل في التقارب الايراني ـ الروسي، والروسي الصيني، والروسي الهندي، ولا نغفل الانقلاب الباكستاني، وضرورة أفغانستان في القارة الآسيوية. وكذلك لا يمكن اغفال سياسة موسكو التي تحاول التوازن بين مصالحها مع دول آسيا ومصالحها مع دول الغرب ويشير ذلك الى توازنها في علاقاتها مع دول الناتو ذلك ان انتماءها للأطلسي مثلا يمنع سياستها تجاه الصين وعلاقتها بهذه الدول ليست أقل أهمية من علاقتها بالصين والهند مثلاً. وعلاقة الصين بروسيا علاقة ذات أهمية استراتيجية فروسيا تدرك ان الصين بدت مؤهلة لأن تملأ الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991 ليس بسبب سقوطه فحسب ولكن لافتقار روسيا لامكانات ان تكون ضمن الدول الأقوى اقتصادياً خلال العقود الثلاثة المقبلة. قرأت روسيا سياسة الصين تجاه جمهورياتها السابقة بحذر، فقد وقعت الصين مع كازاخستان اتفاقية لمد أنبوب منها الى اقليم سينجيانج «تركستان الشرقية» بطول 2500 كم، ثم انبوب آخر من هناك الى شنغهاي خلال السنوات الست المقبلة. وتعد شركة النفط والغاز الوطنية الصينية من أكبر الشركات المسثتمرة في قطاع الطاقة في آسيا الوسطى بحصولها على حق الاستثمار في عدد من أهم حقولها وهو ما سيؤثر وفق روسيا وأمريكا معاً على موازين القوى الدولية المشاركة في تنمية هذه الدول ويقلل من اعتمادها على روسيا والدول الغربية ولا يُنسى هنا استفادة الصين ايضا من الثروة المائية لكازاخستان. على الجانب التجاري منحت الصين تسهيلات مالية لطاجيكستان وقيرغستان وكازاخستان لاستيراد هذه الدول السلع الصينية بالعملة الصينية «الديميبي» كما اسست العديد من المعارض والمراكز التجارية في مدن الجمهوريات من أجل أن يكون للتجار الصينيين نفوذ في أسواق الجمهوريات وهو أمر سهل التحقق. وفي مجال المواصلات التي يسيطر عليها الروس تقليديا، ستشارك الصين في مد خط سكة حديدي بديل بين شرق آسيا عبر قيرغستان وأوزبكستان ليتصل بخط أوروبا والشرق الأوسط. كما بدأت الصين التباحث مع ايران لمد نفط الخليج منها عبر دول آسيا الوسطى الى الصين، دون اشراك روسيا أو الولايات المتحدة، وبذلك تفقد موسكو سيطرتها العسكرية حيث ان الصين بدأت التعاون في هذا المجال مع بعض دول الجمهوريات. ومع جنوب شرق آسيا التي تشهد واقعاً سياسياً يحير ساستها نجد الولايات المتحدة حائرة بين ابقاء نفوذها فيها وامتداد الصين الجنوبي نحو شواطئها وهذا سبب آخر يضاف للأسباب السابقة لوقف الامتداد الصيني نحو شواطئ أمريكا الباسيفيكية. ركزت الصين على مناطق النفوذ الروسية في وسط آسيا للفوز بجزء من ثرواتها حيث يسعى كل طرف دولي لمد أنابيب الغاز والبترول من آسيا الوسطى الى أرضه أو عن طريق أراضي حلفائه والصينيون لايخفون رغبتهم في تأمين مصادر الطاقة حتى لا تظل معتمدة في المستقبل على نفط الشرق الأوسط، وهنا رأت روسيا ان دورها لابد أن يكون أكثر فاعلية لتحقق توازناً بين حضور الولايات المتحدة والصين في المنطقة عدا عن تشجع اليابان وأوروبا على التأثير على ميزان القوى الخارجية في المنطقة. ايران وروسيا العلاقة بين ايران وروسيا معقدة ومتنوعة التشابكات لتعقد العلاقات بين كل منهما ودول المنطقة، ففي اطار الصراع على بحر قزوين نجد ان ايران والاتحاد السوفييتي السابق كانا يقتسمان مياه ومنطقة قزوين مناصفة، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق احتفظت ايران بنسبتها 50% وحقوقها فيها بينما رأت روسيا انه يجب اعادة النظر في توزيع النسب التي ترى ايران ان على روسيا ان تعطي الجمهوريات المستقلة عنها جزءاً من حصتها التي تمثلها 50% لا من حصة ايران. تشكلت الأزمة بدءاً بين أذربيجان وايران وسرعان ما تشابكت الخطوط بدخول تركمانستان على الخط منتصف شهر اغسطس الماضي بتوجيه اتهامات مشابهة لاذربيجان بانتهاك مياهها الاقليمية والقيام بأعمال تنقيب عن النفط فيها فأعلنت ايران مساندتها لتركمانستان. جمهوريات آسيا الوسطى ترى انها ينبغي ان تتخلص اخيراً من حركات المعارضة العسكرية الاسلامية المتمركزة في أفغانستان وهو ما يوالي هوى ايران وروسيا معاً، فكيف سعت روسيا لاحتواء ايران، والهند والصين معاً؟ رأت روسيا ان هناك عاملين اساسيين يربطان بينها وبين ايران، الاول هو ما لدى كل من الطرفين ليتبادله مع الآخر وما النفع والضرر الذي يمكن الحصول عليه لكل طرف، والثاني هو تأثير هذه العلاقة على علاقة كل منهما بالكيانات السياسية الأخرى. ومن هنا جمعت الظروف الراهنة والمصالح المشتركة والظروف الاقليمية والدولية المؤثرة بينهما، فإذا نظرنا للمصالح الاستراتيجية نجد ان ايران وروسيا تعتبران أفغانستان مثلاً حاجزاً أمنياً في مواجهة التعدي غير المباشر للغرب ولهذا فهما لا ينظران الى ظاهرة طالبان بعين الشك والتردد وتنحصر المخاوف الأمنية منها في اطار ممتد يشمل تهريب المخدرات وسائر فروع الإرهاب المنظم. وفيما يتعلق بآسيا الوسطى والبلقان والقوقاز فان كلا منهما ايران وروسيا ترى فيها المصالح بدرجات متفاوتة ولكنها مرتبطة معاً فهما ينظران الى النفوذ المتزايد لشركات النفط الأمريكية في القوقاز والاستثمارات الكبيرة لأوروبا وتركيا في آسيا الوسطى والتعاون الأمني بين تركيا وإسرائيل على انه أمر يهدد أمنهما القومي. ورأى عدد من المحللين ان موسكو بادلت رضا طهران بصداقة أذربيجان، الا ان القيادة الروسية سربت تصريحا لمسئول لم يكشف اسمه شددت فيه على ضرورة مشاركة ايران في أي جهد جماعي لمناقشة مشكلة بحر قزوين. نسقت موسكو مواقفها مع كازاخستان، وتفاهمت ايران مع تركمانستان، وتركيا دعمت أذربيجان، ودخلت واشنطن على الخط فأعلنت دعمها لموقف أذربيجان في خلافها الحدودي مع ايران بينما اتهمت باكو طهران وموسكو بتأخير عمليات التنقيب بذريعة انها قد تفضي الى تدخل أجنبي في المنطقة. يمكن ادراك ان ايران وروسيا بعد ذلك قد شكلتا جبهة اقليمية ودولية غير معلنة في شكل استراتيجية تندرج في اطارها العلاقات المقطعية لكلا البلدين، مع الاشارة الى ان مواقفهما تتوحد تجاه افغانستان. وايران أحد أهم جيران افغانستان في صراع المصالح رغم ان ايران ضمنت تصدير غازها الطبيعي للهند عبر باكستان التي تعهدت بتوفير الأمن والحماية لتدفق الغاز الايراني رغم العلاقات السيئة التي تربط اسلام آباد بنيودلهي، وبذلك تكون ايران قد سبقت غاز وسط آسيا في الوصول للهند. باختصار فان العلاقات المتشابكة في مصالحها هذه شكلت ما يشبه التحالف متعدد الأذرع، فنجد تحالفا ثلاثياً بين «روسيا وأذربيجان وكازاخستان» ونجد تحالفا ايرانيا روسيا، وهنديا روسيا، وصينياً روسياً، فالخلفيات السياسية للعلاقات بين هذه الدول تدفعها الى تبني مواقف وسياسات معينة أو العكس، لان الخلافات قد تؤدي الى تفجير المنطقة وفتح ملفات سياسية قديمة ليس في مصلحة المنطقة فتحها اليوم مع المد الأمريكي ـ الأطلسي المقبل. الآثار المتوقعة للحرب الأمريكية معروف ان هناك خلافا أمريكيا ـ ايرانيا حول تقسيم ثروات بحر قزوين، فواشنطن تؤيد أذربيجان وتقف وراء مشروعات أنابيب النفط التي تمر بالأراضي التركية حتى تضمن تدفق نفط قزوين بعيداً عن روسيا وعن ايران ولتحد من المكاسب والمزايا الاقتصادية التي يمكن ان تحصل عليها موسكو وطهران من ثروات بحر قزوين في اطار لعبة التنافس مع روسيا والشد والجذب مع ايران. ويرى الخبراء ان أفغانستان أرض ميسرة لاقامة قاعدة عسكرية أمريكية تحقق أهدافاً عديدة اضافة لاهدافها الأخرى في عموم آسيا انطلاقا من أفغانستان منها: أولاً: السيطرة على منافع النفط في العالم، بمعنى إحكام السيطرة على نفط الخليج وإزاحة النفوذ الروسي من منطقة بحر قزوين، فعندما دعمت واشنطن المجاهدين الأفغان في حربهم ضد الغزو السوفييتي انما كانت تدافع عن مناطق النفط الواقعة في الخليج لقناعتها بان افغانستان هي البوابة الشرقية لنفط الخليج. ـ ثانياً: استمرار سياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وايران فمن خلال قاعدة انجيرلك التركية والقاعدة الأفغانية المتوقعة، تستطيع أمريكا احكام سيطرتها على من تصفهم بالدول المارقة والتي حددت على رأسها ايران والعراق وتعدان اضافة لذلك مصدر التهديد المباشر لاسرائيل في المنطقة من ناحية الشرق لذا وجب إحكام السيطرة عليهما شرقاً من أفغانستان وغرباً من انجيرلك. ـ ثالثاً: تهديد حزب الله في جنوب لبنان، وبالتالي دعم اسرائيل في حماية حدودها الشمالية وتمكينها من تصفية الفلسطينيين. ـ رابعاً: تهديد الصين من الجهة الغربية، فمن خلال القواعد الأمريكية في تايوان شرقاً والقاعدة العسكرية الأمريكية المستهدفة في أفغانستان تستطيع أمريكا تهديد قلب الصين من الجهتين الشرقية والغربية مكونة سياجا ايديولوجيا وعسكرياً يحبط محاولات مد النفوذ الصيني سواء على المستوى التجاري او الاقتصادي أو السياسي. في النهاية ينبغي النظر الى موقف باكستان المتورطة في دعم طالبان وفي ازاحتها، فقد رأى خبراء سياسيون ان هناك عقبات أربع أساسية تقف أمام التعاون الباكستاني الأمريكي في ضرب أفغانستان، منها: ـ الدعم العسكري الأمريكي للمعارضة الأفغانية. ـ استهداف الولايات المتحدة لبعض الجماعات الاسلامية في باكستان. ـ رفض واشنطن الحصول على موافقة الأمم المتحدة قبل شن أي عمل عسكري. ـ أخيراً عدم مشاركة الدول الاسلامية في تحالف مكافحة الارهاب. على ان هذه العقبات يمكن ان تتغير خاصة بعد جولة رامسفيلد للمنطقة ومع انعقاد القمة الاسلامية. وبوادر ذلك التغير دعوة باكستان الملك ظاهر شاه للتفاوض ورفعها الدعم عن أفغانستان. لقد بدت أفغانستان ذبيحة جاهزة للتقسيم على موائد الحلفاء، فهي تحكمها حكومة غير معترف بها دوليا ولذا فهي غير شرعية، اضافة لما تشكله من خطر أصولي على المنطقة كان أحد أهداف الناتو في نيته التوسع. ورغم ان محللين أمريكيين يرون ان اسقاط حركة طالبان واختيار التحالف الشمالي للمعارضة بديلا عنها سيخلق قلاقل في باكستان، ومن ثم عدم استقرار في منطقة آسيا برمتها، لكن حقيقة وجود قاعدة أمريكية في وسط آسيا كفيلة بردع كل الدول الآسيوية بما فيها حلفاء أمريكا السابقين واعدائها السابقين. ان ما فعلته تفجيرات نيويورك وواشنطن الأخيرة انها عجلت بالخطة الأمريكية التي تسعى لبسط النفوذ على كل آسيا بعد ان كانت قد أجلتها تعقيدات العلاقات الآسيوية وتعقيدات القضية الفلسطينية، واليوم تبدو في حرب أفغانستان أو لنقل حرب ابن لادن مصلحة كبيرة لأمريكا التي اتخذت الكرامة المجروحة ذريعة للتعجيل بتنفيذ استراتيجية مرسومة منذ عقود، انها حرب المصالح لا حرب الثأر الأمريكي.