قبل الاجابة عن المصالح والأهداف التي تروم أمريكا تحقيقها من وراء الحرب المزمع شنها ينبغي الاجابة عن سؤال مهم يمس الاستراتيجية الأمريكية التي أشار كثيرون الى انها تغيرت بعد التفجيرات الأخيرة في واشنطن ونيويورك. والقارئ لتاريخ الاستراتيجية الأمريكية سيجد ان هذه الاستراتيجية غيرت أدوات تنفيذها لكنها لم تغير عناصرها أبداً، بل على العكس من ذلك كانت تضيف دائماً عنصراً جديداً طارئاً كلما حدث متغير دولي جديد. ونجد على المدى القريب مثلاً وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ان الولايات المتحدة عدت توقيع اتفاقية خط أنابيب بترول بحر قزوين في 18/11/1999 نصراً كبيرا لاستراتيجية واشنطن للطاقة عامة وللبترول والغاز خاصة، وقد أكد الخبراء ان هذه الاستراتيجية تقوم على ثلاثة مبادئ هي: ـ أولاً: تعدد مصادر النفط والطاقة عموماً، بمعنى عدم الاعتماد بصفة أساسية على بترول الخليج الذي يشكل حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط، وهنا نجد ان نفط بحر قزوين الذي يقدر مخزونه بحوالي 200 مليار برميل هو الداعم الأساسي لأمن طاقتها. ـ ثانياً: تعدد طرق النقل وخطوط الامداد، إذ لا يكفي تعدد المصادر بل يجب تعدد المسارات لتقليل احتمال تعرضها للمخاطر، ومن هنا كان رفض واشنطن القاطع لمرور خط بترول قزوين بإيران رغم قلة تكاليفه لانه في النهاية سيصب في الخليج العربي ليمر بناقلاته مع بترول الخليج عبر مضيق هرمز فتزداد مخاطر تأثير أي صراعات أو تغييرات في الخليج على امدادات المصدرين معا، وللسبب ذاته رفضت واشنطن مروره بروسيا فالبحر الأسود فمضيق البوسفور. ـ ثالثاً: الحصول على النفط بأسعارمناسبة «رخيصة» وهو ما يوفره تعدد المصادر وتعدد الطرق الآمنة، وقد كان لضخامة تقديرات بترول قزوين الأثر في دفع الدول المنتجة الى المسارعة بزيادة انتاجها قبل دخول بحر قزوين حلبة الانتاج فتنخفض الأسعار. ـ رابعاً: وهو هدف استراتيجي جديد اضافه الكونجرس الأمريكي مطلع عام 2000 ونص على حرمان الدول الارهابية «المتمردة على واشنطن» وعلى رأسها ايران من تطوير صناعاتها النفطية أو الاستفادة من عمليات نقل الطاقة عبر تحصيل رسوم على الكميات التي تنقل عبر اراضيها ولذا كان الموقف الصلب لواشنطن من مرور خط قزوين عبر ايران. التفجيرات الأخيرة في واشنطن ـ نيويورك دفعت جهات متعددة الى القول ان الولايات المتحدة قد غيرت من استراتيجيتها العالمية، والخبراء الذين حددوا عناصر هذه الاستراتيجية وجدوا انهم يعيدون صياغة هذه العناصر بترتيب جديد فقط فما زالت استراتيجية الولايات المتحدة تقوم على المبادئ الأربعة ذاتها من: ـ أولاً: تعدد مصادر الطاقة. ـ ثانياً: تعدد طرق النقل وخطوط الامداد. ـ ثالثاً: الحصول على النفط بأسعار مناسبة «رخيصة». ـ رابعاً: حرمان أعداء واشنطن من تكنولوجيا النفط. والاعداء هنا كما هو معروف «الدول الارهابية» المتمردة على واشنطن وكانت على رأسها ايران. البترول القزويني اذن هو السبب الأول لرغبة واشنطن الشديدة للتواجد في منطقة آسيا الوسطى عبر عملية ابن لادن ، رغم انه ليس الأوحد، فقد ظهرت مؤخراً في هذه المنطقة العديد من الاتفاقيات، والتحالفات الاقتصادية التي اعتبرها المحللون الغربيون تحدياً استراتيجياً كبيراً لنظام القطب الواحد السائد في العالم، وهذا يؤكد نظرية حلول الاقتصاد محل الأمن كأولوية في السياسة الخارجية الأمريكية، فكيف حدث ذلك وهل هو تحول مطلق؟ أمن وطاقة واستقرار لم يحدث هذا التحول بشكل مطلق، إذ لا تزال المصالح الأمنية للولايات المتحدة في شمال شرق آسيا تحظى بأهمية قصوى، وأهم هذه المصالح على المدى البعيد كان الحفاظ على الاستقرار الاقليمي وهو ماكانت تحرص عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة. يقول توماس ويلبورن في دراسته عن المثلث الاستراتيجي في شمال شرق آسيا: «يتداخل الهدف الأمني مع الاهداف الأمريكية الاقتصادية في المنطقة حيث يهيئان المناخ الذي يدعم النشاط الاقتصادي فيها، كما ان الاستقرار يتيح للمشروعات الأمريكية التي يعمل بها أمريكيون ان تساهم في الانتعاش الاقتصادي لاسيما ان الاستقرار شرط ضروري لتأمين ممتلكات ومصالح الولايات المتحدة في شرق آسيا والمحيط الهادئ ووسط آسيا الى جانب تأمين حلفائها في المنطقة». وجهة النظر الأمريكية وفق نفس الدراسة وغيرها تضع مصدرين لتهديد الاستقرار في المنطقة، أولهما طبيعة النظام الدولي الجديد الذي يتسم بـ «اللامركزية» وتوزيع القوى، ففي الحرب الباردة، حين ساد النظام الثنائي القطبي كان يمكن التنبؤ الى حد ما بالأنماط السلوكية أما الآن فان الأمر السائد هو الغموض وعدم اليقين ولذلك أسباب أوجزها الخبراء بما يلي: ـ ان الولايات المتحدة قد انهكتها أعباء الزعامة الدولية وقد ساد هذا الاعتقاد اليابان ومنه انتشر. ـ ان ظروف الولايات المتحدة الداخلية غير مواتية مما سيجعلها تتخلى عن المنطقة مرغمة. ـ ازدياد احتمالات نشوب الصراع الذي قد تنزلق اليه اليابان أو الصين أو كلاهما. هذه أسباب يعتقد انها قد تدفع واشنطن للتخلي عن المنطقة مما سيعيد شبح العداوات القديمة ولذا سعى زعماء دول المنطقة وفق الرؤية الأمريكية لتحديث وتوسيع قدراتهم وهو أمر تبغضه واشنطن كثيراً. المفاهيم الاستراتيجية الأمريكية بشأن آسيا ظلت تحاول تقديم الضمانات حول استمرار ارتباط الولايات المتحدة بمناطق حساسة ومهمة استراتيجيا في آسيا لها، لكن وجود القوات الأمريكية العسكرية خارجاً كان يعيق انفاذ أية استراتيجية، فهذه القوات كان دورها يقتصر على الردع والدفاع ضد عدو محدد يتمثل في ضرب طرق امدادات الطاقة والمصالح الأمريكية، رغم ان دور هذه القوات بقي شديد الغموض مثل مهامها. لقد شغل أمن الطاقة صناع الاستراتيجية الأمريكية فبرروا وجود هذه القوات تبريرا سياسيا تمثل في توفير نظام اقليمي مستقر للأصدقاء والحلفاء، وأضمروا هدف الوجود العسكري الذي يسمح للولايات المتحدة بالتأثير على موازين القوى العسكرية وبالذات حتماً في آسيا. ولآسيا أهمية شديدة في استراتيجية واشنطن التي أولت اهتمامها لمنطقة شمال شرق آسيا حيث الصين واليابان اللذان يشكلان رأسي المثلث الاستراتيجيين الذي تكمله واشنطن، ثم كل الدول المشرفة على المحيط الهادي، وانتقلت الى القلب الآسيوي الموجع افغانستان الذي يقترب بها من بحر قزوين. اندمجت السياسة الأمريكية مع سياسة الناتو التوسعية باتجاه آسيا في محاولة لاحتواء المنطقة من جوانبها الثلاث شرقاً وغرباً وجنوباً تاركين لروسيا الشمال المضطرب الذي قد يدفعها الى السقوط في شبكة المصالح الغربية. وتؤكد وثيقة «السياسة الأمنية للولايات المتحدة بشأن آسيا» ان الولايات المتحدة تخطط لارسال حوالي مئة ألف جندي الى المنطقة وهو تقريباً نفس العدد الذي تخطط لارساله الى أوروبا في المستقبل المنظور، وتؤكد الوثيقة ايضا ان آسيا لا تزال تمثل أهمية تاريخية كبرى للسياسة الأمريكية. أطر وأهداف التغييرات التي طرأت في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة تمثلت في توجهها نحو دعم أطر متعددة الأهداف باعتبارها أدوات مفيدة للتعامل مع المشاكل الأمنية في آسيا، وقد كانت ادارة الرئيس الأسبق بوش الأب ترفض هذه التعددية مفضلة الاعتماد كلية على التحالفات الثنائية التي كانت قائمة آنذاك. استندت هذه الرؤية وفق دراسات كثيرة ومتنوعة الى فرضية مفادها ان أفضل بنية أمنية للمنطقة تتألف من تكوين يشبه المروحة قاعدته في أمريكا الشمالية وتمتد أذرعه غرباً عبر المحيط الهادي إلى شركاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا ـ المحيط الهادي». ادارة كلينتون أكدت حينها على التحالفات الأمنية القائمة رغم ذلك، ودعت الى ايجاد آلية جديدة ذات طبيعة متعددة الأطراف لدعم الترتيبات الأمريكية الثنائية عند التعامل مع المشاكل الأمنية القائمة والمحتملة، الا ان وجود هذه المنظمات أو الترتيبات بدأ يقلق الولايات المتحدة عندما أوشكت ان توجه طاقاتها للاستفادة من اقتصادها ودفع القوات الأمريكية، ومصالحها بعيداً عن القارة. كان ذلك واضحا في سياسة كلينتون الذي قال: «ان التحدي الذي يواجه منطقة آسيا في هذا العقد يتمثل في وضع ترتيبات جديدة متعددة الأطراف لمواجهة التهديدات المتعددة والظروف المختلفة، وهذه الترتيبات تعمل كصفائح الدروع الواقية المتداخلة في بعضها البعض إذ يوفر كل منها الحماية المنفردة لكل دولة على حدة، ثم تتكامل معا لحماية الجسد بكامله ضد التهديدات الأمنية المشتركة التي تواجهنا، يجب ان تتحول التهديدات الأمنية التي تواجهنا الى تهديدات تشاركنا بها آسيا، ان المصيرين ينبغي ان يرتبطا معا، هذه استراتيجيتنا» فما الذي اثار قلق واشنطن بعد ان كانت سياساتها الهادفة تدمجها تدريجيا في التشكيلات الآسيوية؟ ظهور التحالفات والاتفاقيات الاقتصادية الجديدة كان له الاثر للتعجيل بالتواجد الأمريكي المكثف في المنطقة وتغيير منهجها في تنفيذ استراتيجيتها من سياسة الخطوة خطوة، الى الاقتحام. كان أولاً التحالف الاقتصادي التجاري الـ «آسيوي ـ روسي ـ اسلامي» على طريق الحرير الجديد وهو مشروع طموح لربط البنى التحتية للنقل والطاقة بين دول القارة الأوروآسيوية. ثم وقعت روسيا والصين معاهدة الصداقة الاستراتيجية قبل أشهر معدودة هدفت لتقوية التعاون السياسي والاقتصادي بين الدولتين في مجالات النقل والطاقة والتجارة والتبادل التكنولوجي والتسليحي خلال العشرين سنة المقبلة. وكانت كل من الهند وروسيا قد اسستا في 15 مايو الماضي «اتحاد النقل الأورو ـ آسيوي» وهي اتفاقية ترانزيت تجارية لنقل البضائع ويعني فتح ممر تجاري بين آسيا وأوروبا يختصر مدة نقل البضائع بمقدار الثلث، وفي الوقت نفسه تقوية التحالف الايراني الدولي، يضاف الى ذلك تأسيس منظمة شانغهاي للتعاون في يونيو الماضي وتتألف من كل من الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيستان وطاجيكستان وأوزبكستان ونجد ان هذه المجموعة تحيط ببحر قزوين أو تقاربه. وعلاقات الدول حول بحرقزوين أو وسط آسيا بدول آسيا المحيطة متشابكة ومعقدة لتعقد المصالح وتشابكها، وقد غيرت فترة ما بعد الحرب الباردة طبيعة هذه العلاقات مثلما تغيرت التحالفات الاقليمية، وقبل الدخول في هذه العلاقات ينبغي الاشارة الى ان مفهوم «أمن الطاقة» لم يكن في ساحة الاهتمام الرئيسية لأصحاب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية منذ عدة سنوات، ولكن بدأ الاهتمام به منذ استغلال الدول العربية سلاح البترول في حرب 1973. كذلك أدركت الدول الغربية ان الاعتماد على بترول الخليج وحده أمر محفوف بالمخاطر في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة خصوصاً وان منطقة الشرق الأوسط والخليج تشهد تصعيداً بفعل القضية الفلسطينية وانعكاساتها على المنطقة والسياسة العربية ومنها الخليجية. من هنا جاء الاهتمام الأمريكي خاصة والغربي عامة بمفهوم أمن الطاقة والسعي للعثور على مناطق بديلة للخليج العربي لانتاج الطاقة وظهر الاهتمام ببحر قزوين في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وقد أشارت التقارير الأمريكية ان احتياطيه من الطاقة يكفي لعشرات الأعوام المقبلة. ويزيد من الاهتمام الأمريكي وفق مصادر كثيرة ان حاجة الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية للنفط تزايدت ففي عام 1998 بلغت حاجة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان 37 مليون برميل من البترول يومياً، استوردت منه 25 مليون برميل بمعنى ان هذه الدول حصلت على 68% من احتياجاتها من النفط عن طريق الاستيراد. وتصدر دول الخليج 18 مليون برميل من انتاجها النفطي الذي يبلغ 40 مليونا في اليوم الى هذه الدول، وحسب تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية فان حصة دول الخليج من تصدير النفط العالمي التي بلغت 45% عام 1998 سترتفع الى 65% في عام 2020 ومن هنا تأتي اهمية نفط بحر قزوين في العقدين المقبلين. والصراع في منطقة بحر قزوين صراع قانوني واقتصادي وسياسي، ونتيجة لتعقد الوضع الجغرافي والاستراتيجي تعقدت أنماط التفاعلات والعلاقات والأزمات التي مرت وتمر بها هذه المنطقة. الحلقة الأضعف في آسيا كانت أفغانستان لتقريب المسافات الى بحر قزوين وهي أفضل مركز لتجمع القوات الأمريكية فما هي الأهداف التي تتوخى أمريكا تحقيقها انطلاقا من الأرض الأفغانية؟ ذلك ما سنقرأه في التشابكات السياسية والاقتصادية لمنطقة وسط آسيا. لهيب عبد الخالق