أبرزت عمليات نيويورك وواشنطن بشكل سافر لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية انتقال قوى سياسية وتيارات فكرية وحتى عقائد دينية الى اتباع سياسات الهوية على المستوى العالمي، وقد تبين ان الصراعات العالمية التي كانت تتخذ شكل صراع على فاعلية أو عدالة هذه المنظومة الاجتماعية الاقتصادية او تلك، قد تحولت الى صراعات بين «نحن» و«هم»، و«نحن» ايا كانت حدودها «وهم» مهما شملت ليست برامج سياسية أو فكرية ولا حتى عقائد. تعود تقسيمات «نحن» و«هم» الى حدود القبيلة او الجماعات البشرية التي تحارب على مناطق نفوذها الرعوية او الزراعية او الاستراتيجية، وربما انتبه بعض المختصين انه بعيدا عن اهتمام وسائل الاعلام، وفي عالم آخر غير عالم المساجلات الثقافية والسياسية الجارية حاليا حول الارهاب ومكافحة الارهاب، ومع ذلك في نفس هذا العالم ـ تدور رحى حرب طاحنة بين قبيلتي «جهم» و«جدعان» في منطقة مأرب ليس بعيدا عن العاصمة اليمنية ويعود سبب الحرب الى نزاع على حدود كل قبيلة وقد استخدمت القبيلتان السلاح الثقيل والمدفعية في هذه الحرب وقد سقط حتى كتابة هذا المقال 43 قتيلا ومئات الجرحى جراء الاعمال القتالية. تتمسك هاتان القبيلتان بنمط «النضال» الاولي والبدائي بين «نحن» و«هم» على مناطق النفوذ، ولا تطرحان في الصراع برامج سياسية ولا فكرية ولا تتخفيان حتى وراء عقائد دينية. ولكن منذ الازمنة السحيقة التي كان الصراع فيها يتم على مناطق النفوذ بين «نحن» و«هم» ـ والتي مازالت بعض المناطق العربية والافريقية اسيرة لها ـ تطورت ديانات قبلية وطنية وثقافات تبرر افضلية «نحن» على «هم». ومنذ ذلك الوقت تطورت ايضا الحركات الوطنية والقومية التي تتعامل مع الهوية «نحن» بشكل واع كهوية قومية كأداة لبناء الدولة ذات السيادة، وفي هذه الاثناء نشأ ايضا الفرد الانسان الباحث في الوقت ذاته عن فرديته وعن تحديد هويته بشكل واع وعن المشترك مع بقية الافراد، ومنذئذ تطورت ايضا الديانات التي تتجاوز مهمتها كمن يمنح قدسية لـ «نحن» ذات آلهة وطواقم خاصة بها الى رسالة سماوية عالمية عقيدية، ومنذ ذلك الحين نشأت افكار وعقائد غير دينية تطرح نماذج اجتماعية واقتصادية صالحة برأي اصحابها للناس جميعا في مرحلة تاريخية محددة وقد اخذت هذه كما اخذت الديانات صاحبة الرسالة العالمية على القومية والوطنية تمسكها ب«نحن» و«هم» رسماً للحدود ـ ودافعت الاخيرة عن ذاتها بالتأكيد على مرحلية هذا التقسيم لفرض التحرر الوطني وخلق الانسجام والتجانس الاجتماعي الثقافي اللازم لخلق الامة الحديثة، واعتبرت القومية نشاطها تحدياً للتقسيمات القبلية والعشائرية، ولكن لم يخل التاريخ الحديث من حركات وافكار قومية استثمرت العصبية القبلية بتأميمها، كما لم يخل التاريخ الحديث من تحول ايديولوجيات عالمية الطابع واممية الى هويات مرتبطة بالانتماء الى حزب وتنظيم ودولة. كما لم يخل التاريخ الحديث من عقائد ومنظومات فكرية واحزاب تحول صراعها الى «نحن» و«هم» بعد ان حولت العقيدة الى «هوية» مجردة وصماء، لا يتطلب من معتنقها ان يعرف عنها الكثير ويتناسب تعصبه لها تناسباً طردياً مع جهله بها وبتاريخها وبالافكار التي اسست لها. لا يمكن معالجة موضوع «الهوية» دون الاستدراك والتمييز بين «الهوية» و«سياسات الهوية» رغم العلاقة الجدلية بينهما، فرغم استناد الثانية الى الاولى إلا انها لا تنفك تعدلها وتعيد تركيبها، كما تخلق هويات جديدة باستمرار، لم يعش الانسان في اي مرحلة دون هوية اي دون جماعة واحدة على الاقل يشتق التعامل معه كما تشتق تعاملاته من الانتماء اليها، ولكن الانسان الحديث بات يعرف ذاته بشكل واع بواسطة هذا الانتماء وغيره، اي انه لم يعد يرضى ان يشتق سلوكه والسلوك تجاهه من مجرد الانتماء الجاهز والتنميط والافكار المسبقة وانما يقوم الفرد الحديث بالتفكير انعكاسيا بهويته، الهوية اذن كموضوع للبحث والتفكير هي موضوع حديث. واحد اهم مميزات الانسان العصري هو تشابك هوياته وتشعبها ومحاولته الدؤوبة الى تشكيل هوية فردية متميزة ورغم سيطرة هوية محددة في مرحلة تاريخية ومرحلة صراع من نوع معين إلا ان الانسان الحديث لا ينفك يؤكد ويحاول اقناع ذاته ان هذه السيطرة تتم بخياره الواعي، او ان متطلبات المرحلة تجعل الانتماء الى احدى هذه الهويات ملحاً وضرورياً ومفضلاً. ولكن الفرد العصري والحديث يولد ايضا الى هويات مثله مثل الانسان البدائي، وفرديته وتعدديتها تميزه عن الانسان البدائي، إلا انه قلما يطرح اسئلة حول هذه الهويات في غير سياق الصدام مع هويات اخرى، او في غير سياق التنصل منها وعقدة النقص تجاه الآخر، هنا يصح القول ان التنصل والتعصب وجهان لعملة واحدة هي عملة رد الفعل غير الناضج على فعل الهويات الاخرى، دون التفاعل معها. وتنطلق الاسئلة التشكيكية الاكثر نضجا والقادرة على خلق حوار مع الذات ومع الآخر من الاقتناع انه كما يولد الفرد الى هويات لم يخترها، كذلك فإن الهويات مولودة اي مصنوعة وهي غير قائمة منذ الازل وغير مستمرة الى الابد. ويكتشف الانسان الديكارتي، الذي يحضر وجوده «هوياته» امامه عندما يفكر ان عدداً كبيراً من الهويات التي اخذها كمسلمات هي هويات حديثة العهد، اكثر مما كان يتصور في السابق وان ادوات انتاج واتصال صماء مثل الهاتف والصحيفة والسيارة والشارع المعبد والضريبة والمقهى قد انتجتها، وان الصراع مع الاستعمار قد عدلها تعديلاً اكيداً وان الدولة عادت وحولتها الى نسق في كتب تدريس، كما يكتشف ان عدداً من الاساطير والملاحم والبطولات والتواريخ قد اضيف او حذف او استذكر او عدل نصه، دائما اخرج من سياقه في كل مرحلة من المراحل. ويعتقد الانسان العصري عندما يكتشف ان هذه المعارف والمعلومات عن هوية ركبت تركيبا وكانت قد بدت له عضوية اوبيولوجية لا تقلل من انتمائه للناس الذين يعتنقونها، كما لا تقلل فهمه لمصلحته في اطار مصلحة هذه الجماعة من البشر. ولكنه لا يرى هذه المصلحة في صراع مع مصالح البشر الآخرين لانهم يعتنقون هويات مصنوعة ومركبة اخرى، فقد بات يدرك انهم لا يشتقون اشتقاقا من هوياتهم، وكذلك لا تشتق مصالحهم من هذه الهويات ولا من الصراع مع هويته هو. ويخطو خطوة اخرى خارج الكهف عندما يعلم ان الهويات ليست في حالة صراع، وانما البشر هم في حالة صراع، وكما ان الصراع الداخلي في اطار كل جماعة تضع لنفسها حدود هوية قد اعاد تشكيل هذه الهوية واعاد ترتيبها وخلق هويات جديدة، كذلك فان الصراع بين الجماعات يحول الهوية الى اداة في المواجهة، في تأكيد الذات ونفي الآخر، ومع تحويل الهوية الى اداة في الصراع تتغير ايضا وظيفتها. يبدأ الفكر النقدي في العصر الحديث وينتهي بمسألة كشف وفضح الظروف التاريخية والسياسية والمصالح الاجتماعية والسياسية التي تقف وراء انتاج الهوية. وليس صدفة ان ماركس افلت عبارة مثل «نقد الدين هو مقدمة لكل نقد» ونقول، ليس صدفة، لاننا بدورنا نحور ماركس ونغيره ونبدله للظرف الجديد ـ وهو تحويل الدين من فكرة وعقيدة من جديد الى هوية (طائفة واكثر من طائفة وهوية ثقافية) الى جانب هويات اخرى، ولذلك نرى ان نقد تشكل هذه الهويات هو مقدمة لكل نقد، فتشكل الهويات واستخدامها وطرق التعبير عنها هو المبنى المتين الذي يجب اختراقه من اجل فهم ما يدور في داخله، ونحن لا نتحدث هنا عن بنية تحتية (اقتصادية اجتماعية)، وبنية فوقية فكرية وسياسية وحقوقية كما درج الماركسيون على التقسيم ـ وانما نتحدث عن مبنى له داخل وله خارج ـ والخارج والداخل مهمان لفهم المبنى كله. ونمط البناء وتصميمه ذو علاقة بدرجة تطور من يعيش فيه الاقتصادي والاجتماعي. ولكنه في الوقت ذاته ليس مجرد بنية فوقية، بل هو ايضا سقف وبيت وملجأ وحيز للعيش ليست الهوية اذن مجرد بنية فوقية تحملها البنية الاقتصادية والاجتماعية بل هي اطار هذه البنية واول ما يكشف عنه نقد الهوية هو سياسات الهوية، هنا تبرز امامنا معالم سياسات القوة والسيطرة بكل عظمتها البراجماتية، هنا يتضح العقلاني وراء الغيبي، وحسابات المصالح خلف العصبيات والتشنج، والوظيفة من وراء الاسطورة والخرافة، والقوة السياسية والاقتصادية الكامنة خلف الانتماء. لقد تنافست القوى السياسية في العصر الحديث في طرح برامج للمجتمع بأسره، وربما في حالة انساق ايديولوجية عظيمة للانسانية جمعاء. وادعت احزاب البرجوازية ان تطبيق برامجها السياسية والاقتصادية هو في صالح المجتمع بأسره، كما ادعت الاحزاب الاشتراكية ذلك. وفي الدول غير المتطورة اقتصاديا حاولت الايديولوجيات التحديثية ان تقوم بهذا الدور، ولكن في غياب المقومات الاقتصادية ـ الاجتماعية اللازمة لتجانس وتماسك المجتمع، في غياب البرجوازية القوية والطبقة العاملة القوية وفي غياب الطبقة الوسطى الواسعة وعلاقات التبادل ضمن اقتصاد داخلي قوي، وجدت القوى الوطنية والقومية ذاتها مضطرة الى التشديد على الهوية والتراث وغيرها كمركبات للانتماء الوطني وكتعويض عن غياب الاقتصاد الوطني والمؤسسات السياسية والنقابية والمدنية والسياسية الوطنية الجامعة. عاظم هذا التأكيد من اهمية مركب التراث والتقاليد التي تغيرت بعد ان تم تعميمها وتأميمها وتوظيفها، ونتجت ثقافة وطنية تتصارعها نزعات متباينة بين الحداثة الليبرالية او الاشتراكية. وبين ثقافة وطنية تراثية الطابع، تعيد احياء التراث، بعد اعادة انتاجه على مقاسها وتحولت الى هوية من نوع جديد. لم يوجد في حينه وجه شبه في نمط التدين الشعبي والريفي، والهوية التي ينتجها وبين هذه الهوية الجديدة التي حولت الريف والتقاليد الى «اصالة» كما لم يوجد وجه شبه بين دين المؤسسة المديني الفقهي الطابع وبين هذه الهويات التي تنتجها الدولة. وحتى التدين السياسي بدا في بداياته معترضا على هذه الهويات الجديدة مؤكدا على اهمية الدين ونقائه كعقيدة، في نفس الوقت الذي ابدى فيه نفورا شديدا من التدين الريفي والشعبي واساطيره وهويته التي ينتجها، والتي يختلط فيها الديني بالعشائري والتوحيدي بالوثني وكما تختلط فيه تقاليد مستقاة من اديان مختلفة لتنتج هوية غير نقية هجينة بنظر التدين السياسي. ومع تعثر عملية التحديث والفشل في اتمام المهام الوطنية الديمقراطية، وجدت القوة المحرومة والتي عاشت على وعد الحداثة ضالتها في سياسات الهوية. لقد عينت نخب جديدة ذاتها ناطقة باسم «الهوية» وباسم الدين كهوية وليس كعقيدة. فالناطق باسم الدين كعقيدة كان حتى تلك اللحظة التاريخية هو المؤسسة الدينية، كما كان الناطق باسم الوطنية هو الدولة. لقد قامت قوى تستثمر الانتماء في الهوية كوسيلة لجمع الناس من حولها من اجل الانتصار في صراع القوى والسيطرة على المجتمع ومقدراته. وكلما ازداد التعصب لهذه «الهوية» بغض النظر عن تدين المتعصبين عقيدة، ازدادت قوة النخب الجديدة التي تمثل هذه الهوية. وقد انتشرت سياسات الهوية في الفترة ذاتها في الدول الديمقراطية والمتطورة، ففيما عدا الرهان المستمر على «الهوية الوطنية» لدى قوى اليمين المحافظ الذي تزداد قوته كلما ازدادت الاحقاد على القوميات المجاورة، وكلما تم احياء الصراعات الحدودية، برزت قوى جديدة مع ازمة الاحزاب والايديولوجيات وازمة اليسار بشكل خاص، تراهن على الهوية كرأسمال رمزي يستثمر من اجل الوصول الى السلطة والمشاركة في تقسيم الكعكة القومية بشكل اكثر عدالة. وقد اتبعت هذه الاستراتيجية قوى تنطلق من اساس اقتصادي ضعيف او من اساس سياسي تنظيمي ضعيف لا يمكنها من المنافسة اقتصاديا بموجب قوانين السوق ولا سياسيا بموجب قواعد اللعبة الديمقراطية. هكذا وفي خضم الحداثة انتجت هويات جديدة سياسية الطابع، وباتت الاقليات تبحث عن اصولها، وباتت الاقاليم التي تشعر بالغبن تبحث عن تاريخها الخاص وعن تاريخ الصراع للتأكد انه ناجم عن كونها «نحن» وعن كونهم «هم». وحتى القوى التي كانت تجد كثيرا منها في ايديولوجيات تحمل حلولا شمولية، اي تشملها، باتت تبحث عن تنظيم ذاتها في اطار الهوية: الهوية النسوية، والهوية الاثنية والهوية الطائفية، ولا يتم البحث هنا عن عدالة للجميع وانما عن «تمثيل» لهذه الهوية وللدقة عن تمثيل لنخب ناطقة باسم هذه الهوية في مكان اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي. لقد اصيب «الغرب» و «الشرق» (وهذه ايضا هويات مصنوعة)، بداء سياسات الهوية. وابرزت احداث نيويورك وواشنطن الاخيرة عقم هذه السياسات التي لا تؤدي الا الى صراع بين الثقافات او حوار بينها ـ لا طائل من ورائه، لان الهوية ليست برنامجا سياسيا واجتماعيا يتم الصراع تحت رايته او يتم الحوار بهديه. واذا فحص المتعصبون للهوية ضد الهويات الاخرى ولمعادلة «نحن» ضد «هم»، انفسهم سوف يجدون انهم لا يتعصبون او يتحزبون لقناعة ـ وان الشعور بالغبن لا يحتاج الى تعبير فحسب بل يحتاج ايضا الى مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي، وان «اوضاعنا» غير ناجمة من هويتنا وان «اوضاعهم» غير ناجمة عن هويتهم، وان الصراع ليس بين هويات، وان هذا الاكتشاف لا يقلل من الشعور بالانتماء لشعب ووطن وثقافة وحضارة، بل يغنيه لانه يحوله من اداة عصبوية سياسية الى فضاء من المعاني التي تخاطب حاجة الفرد الى الانتماء وحسه الجمالي ونزعته الى ان يحب وان يكون محبوبا. عزمي بشارة