منذ وقوع حادث الثلاثاء الدامي في أمريكا، لم تتوقف موجة العداء الأمريكي ضد كل ماهو عربي واسلامي، ولم تشفع الجنسية الأمريكية التي يحملها العرب والمسلمون المقيمون في الولايات المتحدة لحمايتهم من الاعتداءات والهجمات العنصرية التي تعرضوا لها. ولم يكن ماحدث رد فعل عفوي، بل هو تعبير عن نية مبيتة، ونفوس مفعمة بالكراهية ضد العرب والمسلمين تم شحن نفوس الأمريكيين والأوروبيين بها عبر سنوات طوال بواسطة وسائل اعلامية وثقافية يسيطر عليها ويحركها اللوبي الصهيوني الفعال في الولايات المتحدة وأوروبا، وبما يخدم أهداف الصهيونية العالمية واسرائيل. وحيث يحرص الاعلام الأمريكي والأوروبي الموجه من قبل اللوبي الصهيوني على الصاق كل ماهو مشين بالعرب والمسلمين. ويساهم مكتب التحقيقات الفيدرالي ووسائل الاعلام الأمريكي في شحن حملة الكراهية هذه، عندما تنشر صور عرب ومسلمين مشتبه فيهم في شبكات التليفزيون والصحف، ويبدأون في التحقيق معهم من منطلق مبدأ جديد وضعه رجال FBI وهو أن كل عربي ومسلم مدان حتى تثبت براءته(!!) وعندما تثبت براءتهم، لا تنتهي معاناتهم، بل تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة من جانب الجمهور الأمريكي. التمهيد الثقافي للحرب ضد الاسلام والعرب - لم يكن التعبير الذي جاء على لسان الرئيس الأمريكي بوش حول دعوته لحرب صليبية تقودها الولايات المتحدة ضد الارهاب، مجرد زلة لسان عابرة كما يدعي - اعتذر عنها بعد ذلك - بل هي في الحقيقة وليدة ثقافة تشرب بها وأعتنقها عبر سنوات طوال ولدت لديه القناعة بأن الاسلام هو العدو الجديد للغرب بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق، برز ذلك بوضوح في كتاب صراع الحضارات لصمويل هنتجتون، وكتاب نهاية التاريخ لفرانسيس فوكايوما، وكتاب انتهز الفرصة للرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وكتاب بين جيلين لبريجينسكي مستشار الأمن القومي في ادارة كارتر، بالاضافة لكتب أخرى ظهرت في التسعينات لأمثال برنارد لويس أستاذ الدراسات الاسلامية في جامعة برنستون، ووليام سافير المعلق بنيويورك تايمز، وتشارلز كروت هامر بالواشنطن بوست وجوديت ميللر، وآخر تلك الأمثلة مانشرته مجلة ذا ناشيونال تايمز في عدد مايو 1995 للبروفيسور هارولد بلوم الذي يقول: ان ثقافة المجتمعات الاسلامية تعلي من قيمة القتل، وتصعد بالعنف الى مرتبة التقديس وتقتبس عن الياس كانيتي الحائز على جائزة نوبل ان الاسلام دين قاتل، وينتهي الى أن هناك 100 مليون من الارهابيين المسلمين!! وغيرهم كثيرون اعتبروا أن نهضة المسلمين ستشكل تحديا خطيرا وتهديدا للحضارة الغربية، ومن ثم يتعين - في رأيهم - أن تستعد الدول الغربية لمواجهة هذا التحدي الخطير باستباق الضربات على الأصعدة السياسية والأيديولوجية والاعلامية والاقتصادية، واذا تطلب الأمر بالضربات العسكرية أيضا، كما قدم كثير من هؤلاء الكتاب توصيات بتفكيك الدول العربية الى دويلات ضعيفة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، واستغلال مشاكل الاقليات التي يعج بها العالم الاسلامي، والجماعات المتطرفة والارهابية المنتشرة في العالم العربي من أجل اسقاط الأنظمة الحاكمة، وبما يساعد على تنفيذ مخططات التقسيم والتفتيت ويبدو أن هذه التوصيات: وجدت صدى لها في دوائر صنع القرارات في الدول الغربية، وبالتالي طريقها للتخطيط والتنفيذ وهو ماترى انعكاساته في الحروب الأهلية الدائرة في مناطق مختلفة من العالم العربي والاسلامي مثل جنوب السودان، والحركات الانفصالية للبربر والبوليزاريو في شمال أفريقيا، والحرب الاهلية في لبنان التي دامت خمسة عشر عاما، والحرب الكردية في شمال العراق، والفتنة الطائفية بين الأقباط والمسلمين في مصر، وقد ثبت أن جميعها بفعل مخططات أجهزة مخابرات غربية اشترت نفوساً ضعيفة بين هذه الاقليات لاشعال المنطقة العربية الاسلامية لحساب اسرائيل وخدمة أهدافها التي حددها الزعيم الصهيوني القديم جابوتنسكي في الثلاثينات قبل قيام اسرائيل، حيث طالب باقامة كومنولث عبري تكون فيه اسرائيل بمثابة الدولة الاقليمية العظمى في الشرق الأوسط، التي يدور في فلكها دويلات عربية ضعيفة مقسمة عرقيا وطائفيا ومذهبيا. وقد كرر عوريدينيون مدير مكتب بيجين للأمن القومي في السبعينات نفس المفهوم في دراسته التي نشرتها مجلة (Direction) اتجاهات - في الولايات المتحدة، وتحت عنوان استراتيجية اسرائيل في الثمانينات وطالب فيها باعادة احتلال سيناء، وتقسيم مصر الى ثلاث دويلات: مسلمة في الدلتا، وقبطية في الصعيد هي مدينة المنيا، ونوبية في الجنوب وهي وادي حلفا في السودان!! لذلك لم يكن غريبا بعد كل هذا الكم من الكتابات - وغيرها الكثير الذي يسعى الى خلق وقيعة بين الاسلام والغرب، وتعميق الفروق الحضارية بينهما، أن نرى الرئيس بوش يدعو الى حرب صليبية، ثم يقف رئيس وزراء ايطاليا بيرلسكوني ليتهم الاسلام بالتخلف والارهاب والفوضوية، وانه خطر على الحضارة الغربية المتفوقة على الحضارة العربية، متجاهلا حقيقة هامة اعترف بها علماء الغرب أنفسهم، وهي أن ما تتمتع به الدول الغربية من تقدم علمي حاليا انما هو نابع عن فتات موائد الحضارة الاسلامية العظيمة التي انجبت فطاحل علماء المسلمين الذين أوجدوا في أقل من مائة سنة من البعثة المحمدية معارف في كافة فروع العلوم والآداب لم تكن الشعوب الغربية التي كانت وقتها تغط في سبات الجهالة تدري عنها شيئا، مثل جابر بن حيان الذي وضع أسس علم الكيمياء حتى أنه سمي بعلم جابر وغيره أمثال ابن سينا والفرابي، وابن الهيثم، والبيروني والخوارزمي، وغيرهم ممن أثروا البشرية في علوم الفلك والطب والرياضيات والمعمار والهندسة والطبيعة وغيرها ممن لا تزال كتبهم ومخطوطاتهم تشكل مراجع هامة في جامعات الغرب ومعاهده العلمية. ولقد وجد تصاعد العداء للعرب والمسلمين في الاعلام الأمريكي خلال التسعينات قبولا من الأمريكيين بعد حادث تفجير مركز التجارة العالمي والمحاولة الفاشلة لتفجير مبنى الأمم المتحدة، ولذلك عندما وقع انفجار المبني الفيدرالي في أوكلاهوما عام 1995 ألصقت التهمة بالعرب والمسلمين ونشطت الصحافة والتليفزيون لاثبات التهمة لجمهور يسهل عليه التصديق. فخلال ساعات استدعت شبكة CBS عددا من المعلقين المنحازين بشدة لإسرائيل أمثال ستيفن ايمرسون الذي أنتج الفيلم المبتذل عن الجهاد في أمريكا. واتهمت نيويورك تايمز و وول ستريت جورنال في اليوم التالي رجلين ذوي ملامح شرق أوسطية بارتكاب الحادث، وكتب ايه. ام. رونتال الكاتب اليهودي الليكودي في واشنطن بوست مقالا يدعو فيه الى قصف ليبيا وسوريا، وفي الحقيقة كانت الصورة النمطية للعربي القبيح الارهابي جاهزة دائما بسبب وبدون سبب، ومن قبل الحوادث الارهابية التي تعرضت لها أمريكا، من ذلك رسوم الكاريكاتير للرسام الشهير أوليفانت التي تصور العرب في صور منفرة ويذكر قاموس ميريام ويبستر الأمريكي المعاني التالية كمترادفات للفظ العربي: قاطع طريق، نصاب، غشاش، مساوم، متسكع، متشرد أما مرجع أكسفورد للأطفال، فإنه يصور العربي بأنه تاجر نصاب، أو عامل رث الثياب، أو فلاح يركب حماره ويترك زوجته خلفه في ثيابها السوداء حاملة حملا فوق رأسها. ولا يستطيع المرء أن يحصر المسلسلات التليفزيونية والأفلام التي تعكس الصورة النمطية للعربي القبيح الارهابي، مثل دالاس وكاونترسترايك وسمول ووندر وستريت جيستز وفي رواية عرض انجمان تصور العرب معادين للسامية ومتهمين بالتحضير لهولوكست جديد. وفي حين أن تفسير ظاهرة العداء للعرب يستند إلى أسانيد تاريخية مثل الحروب الصليبية، وفتح المسلمين للأندلس، وحصار العثمانيين للنمسا، وصولا الى الحظر البترولي عام 1973، الا أن ترويج العداء للعرب يمثل عملا سياسيا مخططا لضمان انحياز الرأى العام الأمريكي لاسرائيل وضد العرب. وفي كتابه ثقافة الاعلام يقول دوجلاس كلينر: انه ممايزيد من الدعاية ضد العرب في الولايات المتحدة، أنها أصبحت عملا تجاريا ساخنا يمتد الى الصور المطبوعة على الملابس. ماينبغي علينا فعله - لعل نابليون بونابرت هو أول قائد ميداني أدرك دور الاعلام الاستراتيجي في الوصول الى الهدف. والمهم في هذا المجال ليس بنيان المرغوب، بل تنفيذ المطلوب، ومقياس النجاح الاعلامي ليس الاعلام المدفوع، بل الرأي المسموع. ذلك لأن الاعلانات السياسية بالذات محدودة الفائدة، لكونها اعترافاً علنياً بعدم القدرة على اقناع الناس بالموقف المطلوب. إن التاريخ القريب والبعيد يحمل الكثير من الأحداث الموثقة التي اثبتت الدور التآمري والتخريبي والارهابي البشع الذي مارسه اليهود والصهيونية العالمية في جميع المجتمعات البشرية التي عاشوا فيها لتخريبها وافساد نفوس ابنائها واثارة الفتن ومحاولات السيطرة عليها، وهو السبب فيما تعرض له اليهود عبر تاريخهم الطويل منذ ماقبل الميلاد وحتى مابعد الحرب العالمية الثانية من قتل وطرد وأسر وتشريد، كان ذلك على أيدي الرومان والفرس والاغريق والمصريين القدماء والكلدانيين قديما، وعلى أيدي الأوروبيين أنفسهم في العصور الوسطى فيما عرف بالخروج الكبير لليهود في أوروبا ومحاكم التفتيش التي عقدت لمحاكمتهم، وانتهاء بمافعله هتلر فيهم، والسؤال البسيط الذي يجب أن يطرحه الاعلام العربي على أذهان الأمريكيين والأوروبيين، لماذا اليهود وحدهم دون باقي شعوب الأرض هم الذين تعرضوا لكل هذه الصنوف من الملاحقات؟ أليس بسبب ادمانهم على ممارسة الشرور الواقرة في نفوسهم ضد كل من هم دونهم من الشعوب التي يطلقون عليها الاغيار، ولاعتقادهم بأنهم شعب الله المختار ومادونهم من شعوب مسخرة لخدمتهم؟ أليس هذا ماسجله كتاب أوروبيون أمثال ويعام جاي كار في كتابه أحجار على رقعة شطرنج والذي يؤكد فيه بالوثائق أن اليهود كانوا وراء كل الحروب الاهلية والثورات والحروب العالمية والايديولوجيات الهدامة، كالشيوعية والنازية وغيرها، كذلك كتاب رجل الصناعة الأمريكي هنري فورد اليهودي العالمي الذي يكشف فيه الدور الذي يلعبه اليهود لبسط هيمنتهم على جميع نواحي الحياة في المجتمع الأمريكي، وأيضا كتاب حكومة العالم الخفية الذي يكشف فيه مؤلفه الروسي الجنرال سكولونسكي عن مجموعة من كبار الرأسماليين اليهود الماسونيين في العالم هي التي تقيم الحكومات وتسقطها في البلاد الكبرى في العالم، وهي التي تحدد أسعار المواد الخام والمعادن في العالم، وتلعب في البورصات كيفما تشاء، وتؤجج الحروب والثورات في المناطق المختلفة من العالم بتخطيط مركزي منها، وبما يكفل احكام السيطرة على الدول وضبط حركتها لصالح أهداف الصهيونية العالمية - كل هذه المواد التاريخية والسياسية القديمة والحديثة، يضاف اليها التاريخ القذر لحكام اسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، ومخاطر سيطرتها على المجتمعات الغربية بواسطة اللوبيات التابعة لهم في الدول الكبرى، من الممكن أن تكون خطوطا رئيسية لحملات اعلامية عربية مركزة في وسائل الاعلام الغربية، ستجد من ينشرها لأن السخط الداخلي على اليهود في نفوس الغربيين لا حدود له، ولكنه مكبوت بفعل الدعاية الصهيونية هذا الى جانب ضرورة اظهار وكشف الصورة الحقيقية للاسلام والحضارة الاسلامية التي لها الفضل الأكبر فيما وصل اليه الغرب من تقدم علمي بشهادة علماء الغرب أنفسهم. لقد خرجت علينا مذيعة CNN في برنامج سؤال وجواب وتقول: نحن لا نفهم الاسلام، وكانت صادقة في هذا لأننا مقصرون في حق ديننا، والحمدلله كان من بين المشتركين في الحوار عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الذي قال: إن هناك تحريفا للحقائق الخاصة بالاسلام، الى جانب تشويه متعمد لصورة الاسلام، وأكد أن الاسلام يتعرض للعديد من الهجمات، وأن لذلك صلة ببعض الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة الصراع القائم بين الاسرائيليين والفلسطينيين. إن هذه الاتهامات التي تتردد حاليا في جميع وسائل الاعلام الغربية ضد العرب المسلمين يجب الرد عليها بشكل سريع وفعال من جانب المنظمات الأهلية المدافعة عن حقوق الإنسان، والمنظمات العربية والاسلامية التي كان لها دور بارز في ادانة عنصرية اسرائيل في مؤتمر مكافحة العنصرية الذي عقد أخيرا في دوربان بجنوب أفريقيا، والذي أكد أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني وكذلك المراكز الاسلامية المنتشرة في أمريكا والدول الأوروبية. والتي عليها توضيح الصورة الحضارية الحقيقية للاسلام وللعرب، وأن هذه الحضارة التي ترفض العنف والارهاب قامت أساسا على الاقناع والدعوة الى الله بالتي هي أحسن كما تشير العديد من آيات القرآن الكريم في ذلك والتي تؤكد على رفض العدوان مصدقا لقوله تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» أما بالنسبة للاعلام التليفزيوني والقنوات الفضائية، فعليها توصيل رسالة الاسلام السمحة بصورة علمية وبسيطة الى عقل وضمير الانسان الأمريكي والأوروبي لكي تسقط الأكاذيب التي يروج لها اليهود ضد الاسلام والمسلمين العرب. فإذا نجحنا في ذلك نكون قد اجتزنا أهم الصعاب في مواجهة الحملة الاعلامية الصهيونية التي تستهدف التأثير على مدركات صانع القرار الغربي ضد العرب والمسلمين. بقلم: لواء ركن حسام سويلم ـ خبير استراتيجي مصري