يسود اسرائيل حاليا جدل كبير ومرير حول قضية أرامل قتلى الجيش الاسرائيلي الذين ترفض اسرائيل منحهم حريتهم وتصر على اعتبار أزواجهن احياء مفقودين لأكثر من 15 سنة في بعض الأحيان لاسباب سياسية أو دعائية في أغلب الظن، الجدل يدور على المستوى السياسي والديني والاجتماعي وهو يطرح بقوة لكنه جرح أليم كلما دقت طبول الحرب مع العرب. النموذج الرئيسي الذي عرضه تقرير العدد الأسبوعي من هآرتس كان الملاح (المفقود)في لبنان (رون اراد) والذي سيمر في منتصف الشهر المقبل خمسة عشر عاما على سقوطه في الأسر وفقا للدعاية الاسرائيلية طوال هذه السنوات وطالما لم يعلن رسميا وفاة الملاح تظل زوجته وفقا للشريعة والقوانين في اسرائيل أرملة مع وقف التنفيذ ولاتستطيع الزواج مرة أخرى وهو مايثير حنق عائلتها، خاصة وأن وزارة الدفاع تصر على موقفها المتشدد حيث ذكر أحد كبار المسئولين بالوزارة: هذه واقعة متشابكة ومن الممكن فحص اعلان وفاة (أراد) مستقبلا. في المقابل تم اعلان وفاة ملاح اسرائيلي يدعى (عرن كوهين) والذي تم اسقاط طائرته بواسطة الدفاع الجوي المصري في أكتوبر 1973 بعد عام واحد من فقده. ويجدر هنا أن نشير الى انه لم يتم العثور على رفات جثته الا عام 95 وخلال تلك السنوات تزوجت أرملته وانجبت أطفالا ثم حصلت على حكم بطلاقها من زوجها الجديد مما جعلها تتندر على تجاهل الجيش لأرملة (أراد) لأسباب ترى انها عائلية لا تؤثر في أفراد الجيش الاسرائيلي. هجمة جوية وفقا للرواية الرسمية في اسرائيل فقد سقط (رون اراد) في الأسر في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 16 أكتوبر 1986 خلال هجمة جوية كان يقوم بها ضمن سرب فانتوم على موقع شرقي مدينة صيدا.. عندما اسقطت طائرته حيث قفز الملاح والطيار.. الأخير عاد للأرض التي تحتلها اسرائيل بينما سقط الملاح في الأسر بعد ساعة. الرواية تعتمد على رسالة وصورتين منسوبة للملاح (أراد) الرسالة كانت باللغة الانجليزية وقال فيها من كتبها: حاولوا بذل أقصى جهد من أجلي، لا أعرف كيف لكن اضغطوا على زعمائنا وعلى الحكومة وكل من يستطيع أن يفعل شيئا لاخراجي من هنا فلا وقت أمامي!! والغريب انه منذ وصول هذه الرسالة عام 87 لم يصدر من أي مكان دليل واحد على كون (أراد) لا يزال حيا، ومع هذا يصر المسئولون عن الجيش والحاخامات على عدم اعلان وفاته حتى تبدأ أرملته حياة جديدة، ويهددون بانها اذا تزوجت وعاد المفقود فسيتم تطليقها من الزوج الثاني وفي نفس الوقت لن يسمح لها بالعودة لزوجها الأول.. وفي جميع الأحوال تعتبر منحرفة وانجبت أطفالاً غير شرعيين عن طريق الزنا. أحد الحاخامات أوضح انه لا يوجد وقت محدد لاعتبار المفقودين قتلى وقد تبقى الزوجة الى الابد معلقة ولا تعرف مصيرها. وكان قائد القوات الجوية في فترة سقوط الملاح قد صرح بأنه مضطر للقول أنه متشائم للغاية بالنسبة لافتراض كون (اراد) حيا وهو الموقف الذي اثار حفيظة اخوته فقط فقالوا: القائد الأسبق للقوات الجوية ليس مخولا باعلان تقديراته للموقف وفي المقابل ترتكز الادعاءات الاسرائيلية على تأكيد رئيس الموساد بأن افتراض كون (أراد) حيا هو افتراض قائم، وان كانت ترمى في النهاية لابقاء الملف كورقة مساومة ومبررا للابقاء على معتقلين للبنانيين في سجون اسرائيل بدون محاكمة. التقرير الاسرائيلي كشف ايضا عن تضارب الأخبار والتقديرات حول مصير (أراد) ففي البداية أعلنت قيادات الجيش للحكومة انه مات وهو ما تؤكده (أرملته) حيث قالت: طلبت من كبار المسئولين بذل جهود لانقاذه واعادته، لكنهم لم يتجاوبوا معي لانهم كانوا على ثقة بأنه لقى مصرعه.. لكن بعد فترة تراجعوا عن موقفهم هذا! حبس انفرادي اسرائيل نسبت لحزب الله اعلانه أن (أراد) أسير الدية وكان ذلك عام 88 وهو ماكان مبررا لخطف الشيخ عبدالكريم عبيد عام 89 ووفقا للاسرائيليين ايضا فقد أعلن أن الأسير لا يزال حيا، كما نسبت الدوائر الاعلامية لراديو بيروت اعلانه عام 92 اعدام الأسير في اعقاب هجمة اسرائيلية بالصواريخ اسفرت عن اغتيال الشيخ (عباس موسوي) وفي نوفمبر 92 نشرت وسائل الاعلام الغربية أن (أراد) بين يدي حزب الله فتم في عام 94 اختطاف (مصطفى ديراني) الذي نسبت له اسرائيل قوله أن (أراد) كان معتقلا لديه حتى مايو 1988، لكن (الايرانيين) اختطفوه خلال قصف اسرائيلي على موقع احتجازه! وفي عام 1995 قال معارض ايراني لمحطة راديو في لوس انجلوس ان الملاح المفقود حي ومعتقل في سجن المخابرات الايرانية في اصفهان، كما قال المانيان كانا في ايران: تم اعتقالنا وخلال وجودنا في السجن سمعنا أن الملاح الاسرائيلي مسجون حبسا انفراديا. وفي المقابل قال رئيس الوزراء الاسرائيلي (اسحق رابين) عام 95: انه لا توجد لدى اسرائيل أية أدلة على كون (رون أراد) حيا. أحدث الانباء في هذا الموضوع كانت في فبراير عام 2000 عندما ذكر (راديو أوروبا) أن حزب الله أكد أن (أراد) لقى مصرعه، وهو الاعلان الذي رفضت الحكومة الاسرائيلية التعليق عليه، وفي أكتوبر 2000 صرح حسن نصر الله الزعيم الحالي لحزب الله أن (أراد) مفقود ولا نعرف اذا كان هو قد هرب أو مات أم لا يزال حيا. وفي يوليو 2001 قال الصحفي السوري (نزار نيوف) بعد الافراج عنه من السجن السوري أنه رأى (أراد) في أغسطس 93 في سجن سوري. من جانبها قالت زوجة (المفقود): أتحدث عن زوجي بصيغة الماضي، وفي نفس الوقت توجهت الى اطباء نفسيين أكدوا لي أنه سيكون من الصعب التعامل مجددا مع زوجي بعد السنوات الطويلة التي انقطعت فيها علاقتنا. زوجة المفقود وهي تكتب مقالات للصحف وتقدم برنامجا اذاعيا توقفت منذ سنوات عن المشاركة في حملات الدعاية والضغط ضد ايران وسوريا وحزب الله وطلبت من ( رابين) قبل مقتله أن يعلن وفاة زوجها حتى تستطيع البدء في حياة جديدة وهو ماتهرب منه (رابين) باحالة الأمر برمته للحاخامات قائلا: لاأستطيع أن أجعل هيئة علمانية تفرض شيئا على الحاخامات وهي المخولة فقط باتخاذ القرار. أحد قادة سلاح الطيران الاسرائيلي كشف أن عدد المفقودين في السلاح بلغ 15 مفقودا وقد تم بالفعل اعلان وفاة أغلبهم وبعضهم أعلن عن وفاته بعد عام واحد من فقده، وزوجة الملاح هي بالطبع أكثر من بقت معلقة بهذا الشكل ومن النماذج على هذه الحالة قصة الطيار (اسحق ارسي) الذي كان في 1 ديسمبر 1967 في مهمة تجسس ترمي لتصوير مواقع مصرية حيث تم تفجير طائرته في الهواء بنيران الدفاع الجوي المصري فانفجر فوق قناة السويس.. سفينة يونانية عثرت على خوذة الطيار والملاح وكان هناك اعتقاد بأن الاثنين وقعوا أسرى في يد القوات المصرية. دون جدوى القاهرة من جانبها نفت كون الطيار والملاح أسرى لديها وهو ماأكده أسرى في حرب 1967 حيث قالوا: لم ينضم ألينا أي اسرى جدد في هذا التاريخ.. عمليات البحث استمرت عشرة أيام دون جدوى. زوجة المفقود لم تحتمل الوضع وقالت: أرفض أن يكون كل شئ في حياتي معلق بالجيش فعندما احتاج للسفر للخارج أذهب للجيش لكي يوقع لي بدلا من زوجي على استمارات السفر، ونفس الوضع يحدث عندما أحتاج لقرض من بنك، لذلك طلبت باصرار والحاح أن تعلن وفاة زوجي وبالفعل حصلت على ما تريد بعد 11 شهراً فقط، بل وأصدرت كتابا عن هذه الفترة جنت من ورائه أرباحا كبيرة. موقف مشابه تعرضت له زوجة طيار يدعى شمونيل جيتس عندما حاول في 18 يوليو 1970 عبور قناة السويس فتعرض لنيران الدفاع الجوي اسقطت الطائرة الفانتوم.. الملاح استطاع القفز من الطائرة ووقع في الأسر المصري وعاد بعد ثلاث سنوات.. بينما قيل ان لم يستطيع الطيار القفز وتحطم مع الطائرة على الضفة الغربية للقناة، وبعد ثلاث سنوات أخرى تم اعلان وفاة الطيار. سقوط الطيارين الاسرائيليين تزايد بالطبع في حرب أكتوبر وتزايد معه اعلان وفاة المفقودين فكل من فقد تم اعلان وفاته بعد عام واحد فقط. ومن الأمثلة على ماحدث في أكتوبر 1973 سقوط الطيار (زوريك ليف) وكان برتبة عميد بنيران مصرية يوم 9 أكتوبر حيث غرق مع طائرته (سكاي هوك) في مياه البحر المتوسط قرب بورسعيد، وبعد عدة أشهر أرسلت لها وزارة الدفاع رسالة تفيد بأن عمليات البحث لم تسفر عن شئ وأن زوجها توفى ولم يعثر على جثته. رواية مشابهة حدثت للطيار (جادي سموك) حيث تم اصابة طائرته اصابة مباشرة بنيران القوات المصرية قرب ضفة قناة السويس يوم 17 أكتوبر ولم يتم العثور سوى على خوذته وخوذة الملاح، بعد عام تم اعلان مصرعه كما حدث أيضا موقف مشابه مع (عرن كوهين) الذي تم ابلاغ اسرته بانه وقع في الأسر المصري، لكن بعد فترة اتضح أنه غير موجود بين قوائم الأسرى فتم اعلان وفاته في أقل من عام، ولم يتم العثور على جثته سوى عام 95. بطولة زائفة ومن أسرع الحوادث التي تم الاعلان فيها عن وفاة مفقود سقوط طيار اسرائيلي عام 81 قرب ساحل غزة بسبب عطل فني بالطائرة وعدم استطاعته القفز منها.. اعلان الوفاة تم بعد ثمانية أشهر. وكان أحد كبار الحاخامات قد اقترح قيام الجيش بتوقيع استمارات من الضباط والجنود يفوضون فيها المحاكم الشرعية الدينية باعلان طلاق الزوجة في حالة غياب زوجها في الحرب وهو ما أثار غضب الجنود وأكدوا أنهم يرفضونه لأنه يخفض من الروح المعنوية قبل القتال، كما يعفى الحكومة من مسئوليتها في رعاية زوجاتهم في حالة غيابهم أو فقدهم. مفقودو المدمرة ايلات كانت لهم حالة استثنائية حيث فحص الحاخام الأكبر روايات الجنود حول ملابسات تفجير المدمرة يوم 21 أكتوبر 1967 وقرر بعدها أن الستة عشر مفقوداً من بينهم 7 متزوجين سينضموا الى 31 قتيلاً عثر على جثثهم بناء على الاصابات التي لحقت بهم وعدم توفر وسائل انقاذ سريعة.. اعلان وفاة المفقودين صدر في مارس 69م وبالنسبة للمفقودين في حادثة غرق الغواصة (داكار) أعلن عن وفاتهم بعد سبع سنوات. زعيمة حزب ميريتس السابقة (شولاميت ألوني) قالت: حل المشكلة يكمن في الزواج المدني لدى محامي ويفضل خارج اسرائيل لأن الطلاق يكون أسرع في مقابل تعنت المحاكم الدينية، فالعالم المستنير يمنح الطلاق عبر محاكم أسرع، الا أن الحاخامات يتشددون لأنهم يكرهون العلمانيين بشكل عام والنساء بشكل خاص. وأنا أؤكد ـ والكلام لشولاميت ـ أن زوجة (أراد) ضحية للخامات والجيش الذي يحاول الدعاية لأساطير البطولة الزائفة، الجيش يراوع ويخادع، لا أحد يجرؤ على القول بأنه مات لأن هذا ضد مصلحة الجيش، الذي يستهين بمصير النساء والأرامل. القاهرة ـ مكتب «البيان»