في موازاة الحرب الأمريكية على الإرهاب هناك معارك داخلية اكثر شراسة تجري في كواليس ادارة الرئيس جورج بوش حول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بعد هجمات «الثلاثاء الدامي». معسكران يخوضان هذه المعارك لانتزاع القرار والتوجه: الأول يقوده وزير الخارجية الامريكي كولن باول ومدير وكالة الاستخبارات «سي اي ايه» جورج تينت الذي يدعو للتعقل في الحملة الجارية وعدم استهداف العرب والمسلمين وتغيير سياسة الولايات المتحدة لصالح حل الصراع العربي الإسرائيلي. أما الثاني فيقوده نائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس المسئولان عن مواقع في وزارة الدفاع «البنتاجون» واللذان يطالبان باستخدام لغة المدافع مع العالم وضرب العراق وحتى سوريا وإيران مع قمع الفلسطينيين لصالح إسرائيل. المعارك الداخلية في البيت الأبيض تحدد نتيجتها الحرب العالمية على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة والمنتصر في هذه المعارك هو الذي سيحدد ملامح المستقبل: حملة دولية عقلانية على الإرهاب ام اشعال صراع بالغ الخطورة مع العرب والمسلمين. ومن الطبيعي ان يختلف اركان الإدارة الامريكية حول القضايا الملحة زمنياً، وتلك المؤجلة إلى حين، وذلك بحكم التباين في تكوينهم السياسي ومواقفهم الفكرية والنظرية إلا ان لذلك ايضاً ثمناً سوف يتعين على الإدارة دفعه على صعيدين، الأول هو ما ستسفر عنه الخلافات الحالية من قرارات لابد ان تؤثر على موقع الولايات المتحدة في العالم إلى امد طويل، والثاني هو مدى التماسك الداخلي للإدارة ذاتها، بل وللمجتمع الامريكي بصفة عامة، خاصة في ضوء تلك الاعتراضات التي تظهر الآن على محاولات الإدارة تقليص هامش الحريات العامة في الولايات المتحدة بدعوى مكافحة الإرهاب، والاحتجاجات الموازية التي تكتسب زخماً متزايداً كل يوم ضد مبدأ شن الحرب ـ اياً كان نوعها ـ خارج البلاد. معسكران وتتمحور هذه الخلافات الآن حول معسكرين لم يتبلورا بصورة كاملة بعد، وان كان التراشق بينهما قد بدأ بعد مرور ايام قلائل على احداث 11 سبتمبر المروعة. يضم المعسكر الأول عناصر ذات اتجاهات برجماتية تتسم بطابعها العملي الذي يرتكز على نظرة متوازنة نسبياً إلى العالم وإلى دور الولايات المتحدة فيه، ويتصدر هذا المعسكر كل من وزير الخارجية كولن باول ومدير المخابرات المركزية جورج تينت. والثاني هو معسكر «المحافظون الجدد» من العناصر التي تتبنى رؤية يمينية ذات طابع ايديولوجي، ومن ثم فإنها تنظر إلى العالم وإلى ما ينبغي ان تفعله الولايات المتحدة من هذه الزاوية. ويتعين هنا ان نرصد فارقاً اساسياً بين المحافظين الجدد والتيار المحافظ التقليدي في الولايات المتحدة والذي تقلص وزنه كثيراً منذ نهاية السبعينيات. فالمحافظون التقليديون مثلاً كانوا متهمين بمعاداة السامية. اما المحافظون الجدد فانهم يمثلون احد اقوى فصائل الكتيبة الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة واكثرها نفوذاً وتأثيراً. وواقع الحال ان المحافظين الجدد قد تمكنوا بالفعل من السيطرة على ثلاثة مواقع مهمة داخل إدارة الرئيس بوش. الأول هو الشق المدني في وزارة الدفاع، اي القيادات التي لا تنتمي عضوياً إلى «الجنود»، أو جنرالات الافرع المتباينة للقوات المسلحة الامريكية. والثاني هو طاقم مجلس الأمن القومي وكبار مساعدي كوندوليزا رايس والثالث هو طاقم نائب الرئيس ديك تشيني. أما موقف رايس وتشيني فانه يميل بصورة واضحة إلى تبني خط مساعديهما. الا ان هناك من يقولون انهما يدركان رغم ذلك الحدود التي يتعين وضعها احياناً امام سياسات المحافظين الجدد. أي انهما لا يتركان دائماً «الحبل على الغارب» لهؤلاء المساعدين. رغم ذلك فإن الوقائع العملية لا تساعد كثيراً على تصديق هذا الزعم، ذلك ان ما خرج من مكتبي تشيني ورايس كان يفصح عادة عن انتصار العناصر الاساسية في مواقف المحافظين الجدد. وفي هذه الأزمة الأخيرة اخذت ملامح المواجهة تتشكل بأسرع مما اراد الطرفان معاً. فقد كان هناك احتياج ملح ـ لا يمكن تأجيله ـ للاجابة على سؤال: ما العمل؟. كان من الواضح ان كل الاسئلة الاخرى التي تتعلق باحداث 11 سبتمبر لا تقل أهمية عن ذلك السؤال، وكان بوسع اي سؤال آخر ان ينضج الخلافات بين أركان الإدارة على اي حال. الا ان سؤال «ما العمل» كان مرشحاً ـ قبل غيره ـ لان يتحول إلى فصل يضع فوارق فاصلة بين هذا التآلف السياسي العريض الذي يسمى إدارة بوش، وذلك بصورة فورية. فقد فرض الحادث البحث عن اجابة فورية أيضاً. باول ومقارعة الإرهاب كولن باول عرض من جهته مجموعة من الأسس التي يجب ان تؤطر حركة الولايات المتحدة في طريقها نحو مقارعة الإرهاب. وحدد وزير الخارجية هذه الأسس على النحو التالي: ـ ضرورة بناء تحالف دولي واسع يحول دون تصوير ما يحدث على انه «معركة امريكية» خالصة. ـ ضرورة ضم أكبر عدد ممكن من الدول العربية والإسلامية إلى هذا التحالف حتى لا يبدو حرباً ضد الإسلام أو ضد العرب. ـ ضرورة حصر الحملة في نطاق معاقبة المسئولين عما حدث ـ على الاقل من زاوية العقاب العسكري ـ حتى لا تؤدي توسعة هذا النطاق إلى فرط عقد التحالف الدولي. ـ ثم ضرورة الانطلاق مما حدث لحل أكثر القضايا الدولية سخونة والتهاباً مما لها علاقة بدرجة أو بأخرى بقضية الإرهاب وبمشاعر العداء للولايات المتحدة. وحصل كولن باول ـ دون عناء ـ على دعم جورج تينت، والاهم من ذلك هو حصوله على دعم بعض اركان إدارة جورج بوش الأول، مثل الرئيس الاسبق نفسه، ووزير خارجيته جيمس بيكر ومستشاره للأمن القومي برنت سكاوكروفت. بدا للحظة ـ في تلك الساعات التي لا تنسى ـ ان كولن باول اصبح ممسكاً بزمام المبادرة. وساعد على ذلك ان «الجناح» الآخر، اي المحافظين الجدد، لم يكن قد افاق بعد من صدمة ما حدث، اي لم يكن قد حلل بعد انعكاساتها السياسية واحتمالات استثمارها. ولا يرجع ذلك إلى ان الجنرال كان أكثر ذكاء، فالفارق الاساسي تلخص في ان مهمة الخارجية كانت واضحة ومحددة تقريباً، اما مهمة اليمين الجديد فقد تحتم ان تكون على هيئة ردة فعل لما سيقوم به البراجماتيون. هجوم مضاد وسرعان ما جاءت ردة الفعل في هجوم مضاد قام به ذلك الفريق الذي طرح برنامجاً من عدة نقاط، كان أبرزها: ـ التحالف الدولي ليس مهماً ان كان يعني اجبار الولايات المتحدة على «تمييع» موقفها، وتخفيف ردها على الإرهاب لارضاء هذا أو ذاك. ـ ضرورة تعقب كافة المنظمات الإرهابية والدول التي ترعاها وان اقتضى الامر القيام بعمليات ضد سوريا وايران وليبيا بعد «الاجهاز» على افغانستان. ـ ضرورة ضرب العراق واحتلال بغداد وانهاء صدام حسين انجازاً لما لم تنجزه حرب 1991. ـ ضرورة ادراج «الإرهاب الفلسطيني» في قائمة «الأهداف» المرشحة للحملة الامريكية لان الإرهاب هو الإرهاب. وبدأ الايقاع يتصاعد، وبدأ الدعم يتجمع لموقف هذه المجموعة، إلى ان انتهى الامر بفتح النار على كولن باول وجورج تينت، بل والمطالبة ـ وان تلميحاً ـ باقالتهما من الإدارة. وقائع المواجهة ونتابع بعض وقائع هذه المواجهة كما حدثت خلال الأيام الأخيرة. ـ الأربعاء 26 ديسمبر نشرت صحيفة «واشنطن تايمز» التي تعد لسان حال هذه المجموعة المحافظة اعلاناً على صفحة كاملة يتضمن هجوماً حاداً على سياسات كولن باول ومحاولة لاعادة صياغة اجندة الحملة الامريكية. وقع الاعلان 38 شخصاً ممن قالوا ـ في مناسبات سابقة على مر السنوات ـ انهم يقدرون آرييل شارون تقديراً خاصاً. ولعل رئيس الوزراء الإسرائيلي كان رقم 39 على قائمة الموقعين، الا انه سحب اسمه حتى لا يكشف الصلة بين بقية «الفريق»، وبين اليمين الإسرائيلي. كان من الموقعين مثلاً ريتشارد بيرل الذي عين مؤخراً رئيس مجلس الدفاع في البنتاجون وذلك بعد تقاعده عن العمل كوكيل وزارة الدفاع. ويعد آرييل شارون «معتدلاً» بالمقارنة بريتشارد بيرل الذي يتبنى بلا تحفظ اجندة اكثر تشدداً تجاه العرب والفلسطينيين، رغم انه يحيط هذه الاجندة بسفسطة لانهاية لها عن ضرورة التصدي للصين وتركيع روسيا والضغط على أوروبا والمضي قدماً بمبادرة الدرع الدفاعية، وامور استراتيجية غليظة اخرى لا مهمة لها الا تغطية مهمة بيرل الرئيسية في الحياة: رفض اعادة الضفة الغربية وغزة والقدس للفلسطينيين بأي ثمن. ثم كان من الموقعين أيضاً جين كيركباتريك سفيرة الولايات المتحدة السابقة في الأمم المتحدة التي اعتبرت نفسها دائماً مدافعة عن امن إسرائيل. ويجب هنا شطب كلمة «امن» واستبدالها بكلمة «قمع»، اذ لا ترى السيدة كيركباتريك ان هناك «احتلالاً» للاراضي الفلسطينية، وربما لا ترى بان هناك شعباً فلسطينياً من الاصل. ثم كان من الموقعين أيضاً فرانك جافني الذي عمل في وزارة الدفاع والذي يزهو الان بأنه اول من وضع استراتيجية مفصلة لآرييل شارون ـ عقب انتخابه مباشرة ـ يحدد له فيها كيفية التعامل مع الإدارة الجديدة، وكيفية تعديل «تنازلات» ايهود باراك والعودة إلى التمسك «بكل ارض إسرائيل» حسب قوله. وكان هناك اعضاء اخرون في الفريق ولكنهم لم يوقعوا اعلان واشنطن تايمز. منهم مثلاً وكيل وزارة الدفاع بول وولفيتز، ومساعده دوف زاكيم، ومساعدهما دوجلاس فيث «الذي حامت الشبهات حول مساعدته للجاسوس جوناثان بولارد». انها «بطارية» كاملة في وزارة الدفاع، ولعل المسئول الأساسي عن تمكينها من مواقعها الحالية هو ريتشارد بيرل، العراب. ثم هناك أيضاً فريق مستشاري ديك تشيني بقيادة سكوتر ليبي وهو أيضاً من «زمرة» ريتشارد بيرل، ثم هناك ـ في مجلس الأمن القومي ـ ريتشارد كلارك وايليوت ابرامز وفرانكلين ميللر وروبرت جوزف. وهناك في وزارة الخارجية أيضاً «جيب» صغير من العصابة ذاتها وان لم يكن قادراً على التغلب على تكتل الدبلوماسيين المحترفين الميدانيين. المهم ان المجموعة التي وقعت الخطاب كانت تسمي نفسها مجموعة القرن الأمريكي الجديد. ونحسب ان القرن الأمريكي يختلف عن القرن الافريقي من زاوية علاقته برأس آرييل شارون على الأقل. ان هذه المسحة المبالغة في «وطنيتها» وولائها للولايات المتحدة تخفي في الحقيقة ولاء اعمق لاسرائيل، والا لما كانت نصحت الإدارة بما نصحتها به في اعلانها في «واشنطن تايمز». فالاعلان يدعو لمهاجمة العراق ووضع مهاجمة سوريا وإيران وجنوب لبنان موضع الاعتبار اذا لم تسلم طهران ودمشق إرهابيين معروفين يقيمون على اراضيها وفي جنوب لبنان. ويسترجع الخطاب حوادث مهاجمة مواقع الامريكيين في بيروت عام 1983 وسفارة واشنطن في العاصمة اللبنانية وعمليات اغتيال ضد دبلوماسيين امريكيين.. باختصار يريد الموقعون ان تقوم الولايات المتحدة بتنفيذ ما تريده إسرائيل نيابة عن آرييل شارون. ثم يدعون بعد ذلك انهم «امريكيون وطنيون». والحقيقة ان المرء لم ير مجموعة «امريكية» تريد ايذاء الولايات المتحدة اكثر من هذه المجموعة المثيرة للدهشة عند متابعتها. الإعلام الأمريكي ـ واقعة أخرى تمثلت في «الخطر» الذي فرضه الإعلام الأمريكي بالاشارة إلى ان ما حدث في 11 سبتمبر قد يكون ذا صلة بأخطاء السياسة الخارجية الامريكية، أو إلى احتمال ان يكون موقف واشنطن ازاء المسألة الفلسطينية وإسرائيل قد تسبب في اضفاء قدر كبير من الكراهية إلى مشاعر العرب والمسلمين تجاه الولايات المتحدة. ويأتي هذا الموقف من «تعليمات» مررها تجمع يدعى «ميجا» يضم عدداً من اباطرة الإعلام الموالية لإسرائيل بما فيهم روبرت مردوخ وكونراد بلاك. ـ ونتج عن ذلك بدء حملة ليس فقط لبناء «برنامج» آخر غير برنامج كولن باول، ولكن لاسقاط الوزير نفسه. ويليام كريستول مثلاً ـ وهو معلق معروف في الولايات المتحدة ـ كتب تعليقاً يقول فيه «بعض الشخصيات في إدارة الرئيس بوش، وخصوصاً وزير الخارجية كولن باول، يحاولون اسكات صوت الرئيس الذي يدعو إلى حمل السلاح، ويقلل من أهمية تغيير الأنظمة في العراق وافغانستان. ان باول «يخون» رئيسه حين يختلف معه في الرأي علناً». أعقب ذلك اعلان فريد بارنز المعلق في شبكة فوكس التلفزيونية ـ وهي شبكة يمتلكها مردوخ وقد تجاوزت في شعبيتها الاخبارية الان شبكة «سي. ان. ان» ـ انه سعيد لان الرئيس رفض توجيه باول بالاعلان عن الاتهامات الموجهة لاسامة بن لادن وتوضيح الادلة التي لدى الإدارة والتي تبرهن على علاقته بأحداث 11 سبتمبر. وكان باول أعلن ان الإدارة ستنشر هذه الادلة، الا ان جورج بوش اعلن ـ بعد 24 ساعة فقط من تصريح باول ـ انه لن يفعل ذلك. وقال بارنز «لقد تلقى باول صفعة على خده». استهداف باول وتينت ـ ومع مواصلة الضغط على باول كي يفصح عن موقفه ازاء العراق قال وزير الخارجية غاضباً «ليس هناك اي دليل على تورط العراق في احداث 11 سبتمبر». وحين قيل له ان نائب وزير الدفاع بول وولفيتز يقول ان من الضروري مهاجمة العراق وان ذلك سيؤدي إلى القضاء الكامل على الإرهاب قال باول بنفاد صبر واضح «قلت ليس ثمة دليل ضد بغداد اما الحديث عن القضاء الكامل على الإرهاب فانني أفضل ان اتركه للسيد وولفيتز». ـ أما بالنسبة لجورج تينت فقد طلب نائب رئيس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ ريتشارد شيلبي بتعيين شخص آخر لقيادة وكالة المخابرات المركزية «شخص آخر له شخصية ويفرض الاحترام» حسب قوله. وقال شيلبي ان تينت لا يستطيع ملء مكانه. والطريف في الأمر ان احداً لم يوجه لوماً مماثلاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي ومديره موللر رغم ان الشبكة التي قامت بعملية 11 سبتمبر كانت تقيم في الولايات المتحدة، وتدربت على الطيران في الولايات المتحدة، واختطفت طائرات أمريكية وليس أجنبية، من مطارات امريكية وليس أجنبية. لا يعني ذلك بالضرورة انه من المحتم على مكتب التحقيقات الفيدرالي كشف كل عملية ارهابية تتعرض لها الولايات المتحدة قبل ان تقع، اذ ان هذا فوق طاقة البشر. ولكنه يعني ان تينت وحده ليس مسئولاً. رغم هذا فقد تم «اختياره» لأسباب أخرى. ذلك ان مدير وكالة المخابرات المركزية يعرف «الفولة» وما فيها كما يقولون. انه يدرك جيداً برامج هذه المجموعات التي تتنازع واشنطن وتحاول «اختطافها» باكملها. وقد آثر الا يحاول الاشتباك معها، وان ينصرف إلى اداء عمله فحسب. تينت ليس صديقاً للعرب او معادياً لإسرائيل كما يقولون. انه ـ فحسب ـ امريكي، وهو امريكي فقط، اي انه يحرص على مصلحة بلاده أولاً دون اهتمام بعرب او باسرائيليين. الا ان الإسرائيليين لا يريدون هذا النمط من البشر في واشنطن. انهم يريدون ريتشارد بيرل آخر على رأس وكالة المخابرات المركزية. دور وراء الستار اين يقف اذن ديك تشيني وكوندوليزا رايس؟ تشيني ـ كما يقولون ـ يلعب دوراً مهماً وراء الستار كالعادة. وكان نائب الرئيس قد ادلى بعدد من التصريحات التي اثارت الذهول في الشارع العربي، من ذلك مثلاً تبريره قيام إسرائيل باغتيال زعماء فلسطينيين، وهو عمل يمضي في خلاف قاطع مع مباديء سيادة القانون وحق الشعوب في مقاومة محتليها. وهو لم يذكر الفلسطينيين بكلمة طيبة واحدة منذ ان تولى مهام سلطته. ولعل من المفيد ان ينصحه المرء بألا ينصت للسيد ليبي ورجاله، وان ينظر إلى 11 سبتمبر باعتباره نقطة تحول يجب ان تفضي إلى تعديل سياسة الولايات المتحدة الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، ذلك ان مواصلة الضغط الاحمق على نحو ما حدث لابد ان يسفر عن انفجار ما. يميل تشيني إلى تبني اجزاء كبيرة من برنامج اليمين الجديد، ولكنه لا يظهر في نهاية المطاف كواحد من غلاة المتطرفين في هذا التيار السياسي. فهو يحتفظ بقدر من البراجماتية في عقله السياسي بعد. ولعل ذلك يظهر فيما ينبغي ان يحدث الان من تعديل لسياسة واشنطن ازاء المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، ومن قيامها بفرض حل على إسرائيل يمنح الشعب الفلسطيني حقه العادل ـ والبديهي ـ في ان يحيا بكرامة. رايس أسيرة لطاقمها اما كوندوليزا رايس فانها تحولت إلى اسيرة لطاقمها. فرغم انها تتسم بقوة شخصية يشهد بها الجميع في واشنطن، الا انها غير قادرة على وضع استراتيجية واضحة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ان من يضع هذه الاستراتيجية هو «الليكودي» ريتشارد كلارك، مساعدها لشئون المنطقة. تستطيع رايس الحديث عن روسيا واسيا الوسطى باسهاب، وهي تتسم بولاء «حديدي» لعائلة بوش، ولكنها ـ حين يأتي حديث الشرق الاوسط ـ تبدي تردداً يدعو للدهشة في طرح ضرورة فرض حل للأزمة الفلسطينية. ذلك انهم في واشنطن يقولون ان من يقف ضد «الجماعة» اياهم، «سيؤكل حياً». ولا تريد رايس بطبيعة الحال ان تؤكل حية. الصراع في واشنطن الان يتصاعد بلا توقف، بعد ان انتقل المحافظون الجدد إلى مرحلة الهجوم المضاد. ولعل كولن باول لا يفقد اعصابه بسرعة، فهو الوحيد في إدارة الرئيس بوش الذي يتحدث عن استراتيجية متماسكة ـ ومتزنة ـ لمواجهة الإرهاب، ولجعل 11 سبتمبر نقطة تحول حقيقية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، ليس من قبيل مكافأة الإرهاب والقبول بابتزازه، ولكن من قبيل تصحيح اخطاء تراكمت طويلاً يريد البعض لها الان ان تتراكم أكثر ولو كان الثمن هو المزيد من الابرياء. واشنطن ـ عصام عبدالعزيز