بات واضحاً ان الهدف الامريكي الاول في حملتها الشاملة ضد الارهاب، يتمثل في تشريد قادة طالبان عن كابول، وتنصيب حكومة اخرى جديدة موالية للخط الامريكي هناك، ربما تكون برئاسة ظاهر شاه او سواه من قادة المعارضة العلمانيين، الذين اطبق عليهم اليأس في السنوات الاخيرة، وذبلت آمالهم في تولي الحكم في افغانستان في ظل القوة الضاربة لطالبان، والضعف المريع الذي كلل كل الحركات السياسية الاخرى علمانية كانت او اسلامية الطابع. وقد كان من سوء حظ امريكا وهي تتجه نحو ازاحة نظام كابول ان افضل البدائل السيئة قد انزاح اخيراً وهو القائد الميداني احمد شاه مسعود الذي اغتيل في الايام الماضية، وقد كان يمثل اقوى اجنحة المعارضة المسلحة. لنظام طالبان، وكان قد عرض نفسه لذلك الاغتيال بسبب رحلته الاخيرة الى اوروبا، واجتماعه بالبرلمان الاوروبي، وعرضه للتعاون مع القوى الاوروبية المناهضة لطالبان، وقبوله لتلقي الدعم العسكري منها، وكان بذلك المنعطف سيقبل دعم امريكا له في مواجهة طالبان ولكنه قضى ومضى. ليس من السهل على اتباع احمد شاه ان يتوحدوا الآن في ظل غيابه، وقد كان تأخير اعلان نبأ وفاته مقصودا به ترتيب الامور لخليفته حتى يتسلم القيادة قبل حدوث الانقسام ولكن ذلك الترتيب لا يمنع حدوث الانقسام عقب افتقاد من كان يسمى سالفاً «بأسد بنشير» فتشرذم جماعات الافغان وتحاربها كان هو السبب الاساسي في ظهور طالبان، والامل قليل وضئيل ان تتوحد تلك الفصائل تحت قيادة امريكية توجهها لمحاربة طالبان، وتولى الحكم على اثر الاطاحة بها. اما الفصائل العلمانية بقيادة ظاهر شاه فهي غائبة على الساحة منذ منتصف السبعينيات فما عساها ان تصنع في غمار وضع مرتبك لا تعرف عنه شيئاً عن خفاياه!! وعلى افتراض امكان توحد تلك الفصائل، وقيام القوات الامريكية باجتياح افغانستان واطاحتها بطالبان، فمن العسير ان تتولى تلك الفصائل الحكم، لانها ستعرض لا محالة لمعارضة عسكرية عنيفة نفوذها عناصر طالبان، في شكل حرب عصابات شاملة تشكل الحكوة وتعطل فعاليتها، الامر الذي سيقود افغانستان الى حالة فوضى شاملة تزيد من احتمالات العنف والارهاب والهجمات غير المحسوبة الاثار. احتلال افغانستان ويزيد الامر سوءا من حيث العواقب، اذا ما قرر المخططون السياسيون الامريكيون اتخاذ خطة شاملة لاحتلال مباشر لافغانستان بشكل دائم، او طويل المدى على غرار سابقتهم في احتلال اليابان عقب الحرب العالمية الثانية، فالوضعان يختلفان تماماً باختلاف نفسية الشعبين وعقائدهما، فاحتلال امريكا لافغانستان، ولو جاء تحت غطاء مشروعية منتزعة من الامم المتحدة، لن يزيد النار الا لهيباً واستعاراً، وستتكرر حينها حرب العصابات الطويلة على غرار حرب الجهاد التي اضطرت القوات السوفييتية الى الجلاء عن افغانستان. هذا الخيار على مساوئه بات يجد تشجيعاً واسعاً من قبل اليمين الديني الامريكي مطرف، والمغرم، بما يسمى بصراع الحضارات فها هي اللحظة السانحة لابتدار معركة هرمجدون، التي يحلمون بها، وقد حرض هؤلاء وضغطوا كثيراً على الادارة الامريكية، لتتسرع في خطواتها وتهجم على افغانستان، ولتردف ذلك الهجوم بهجوم اخر على العراق حتى ولو لم يثبت ان له ضلع في الموضوع. ولكن بالنسبة لهؤلاء المحرضين الدينيين اليمينيين فان المهم هو انتهاز لحظة الغضب العارم عند الامريكيين، واستثماره في شكل هجوم صاعق مدمر ربما يجر الى حروب اخرى تنتهي بمعركة هرمجدون الاسطورية. يتجاهل هؤلاء وفي طليعتهم جيري فولويل مدير جامعة الحرية بفرجينيا، وبات روبرتسون صاحب القناة التبشيرية والبرنامج الشهير 700 - club يتجاهلون اية دعوة للتعقل والتبيين، ولكن دعوة التعقل والتبيين اصبحت تجد انصاراً متزايدين كل يوم، وقد تنادت بها اقطار كبيرة كفرنسا، والمانيا وايطاليا، وقد ادى تعالي تلك الاصوات الى ان تتراجع الادارة الامريكية شيئاً ما عن اصرارها الاول على ان قيام بن لادن سابقاً ببعض التفجيرات، يكفي وحده دليلاً لقيام بالتفجيرات الاخيرة، وتراجع كولن باول ووعد بأن الادارة الامريكية ستقوم في المستقبل القريب بتقديم الدليل الملموس على تورط بن لادن في الاحداث الاخيرة، وقد اعتبر ذلك التصريح من وزير الخارجية الامريكية تراجعاً كبيراً، وامتثالاً لصوت الحق والعقل والقانون، بينما اعتبره اخرون سطوة بالاتجاه الخطأ، لأن تقديم دليل ملموس يربط شبكة بن لادن الارهابية، او حتى شبكته المالية باعمال التفجيرات الاخيرة، امر ليس من السهل اثباته. لانه يتطلب جهوداً خارقة، ووقتاً طويلاً، لا يمكن ان تنتظره الحكومة الامريكية، وتؤجل رد فعلها حتى يتم انجازه. الحل الدبلوماسي المستحيل لكن باول ربما هدف الى شيء اخر وسط، ينصب في مهام وزارته، لا في مهام وزارة الدفاع المشغولة بشئون الحرب. ربما هدف باول الى تحقيق انجاز لوزارته باقناع طالبان بتسليم بن لادن او طرده عن افغانستان، ولذا لوح بذلك التصريح استجابة لمطالب طالبان بضرورة تقديم الدليل المقنع على تورط بن لادن في تلك الاحداث. وهنا ربما بدا باول للكثيرين متعلقاً بقشة هشة، لأن طالبان انما اطلقت ذلك التصريح لمجرد المناورة وهي لا تهدف الى طرد حليفها بن لادن او تسليمه مطلقاً، اذ سرعان ما اطلقت تصريحاً اخر تقول فيه بانها فقدت الاتصال ببن لادن، الذي اختفى وسط الجبال، وربما تطلق تصريحاً لاحقاً تقول بانه خرج من البلاد. وهكذا يتبدد عملياً محتوى وعدها الاول بامكان تسليمه، اذ ما ثبت تورطه في التفجيرات. واحتمال خروج بن لادن من افغانستان ليس مستبعدا كما يظن الكثيرون فيمكن لانصاره ان يهربوه الى اماكن اخرى في نحو اربعين دولة في العالم، كما تقول الادارة الامريكية نفسها، واقرب تلك الجهات الى افغانستان هي معاقل ثوار اليوغور الصينيين على الحدود، وهم مقاتلون مسلمون يعملون على استقلال تركستان عن الصين، كما يمكن لانصاره ان يهربوه الى الشيشان، او الى جنوب الفلبين حيث ابو سياف، وطاجيكستان ليست بعيدة فهي على الحدود، وفيها الثوار الطاجيك الذين يتشاركون ايديولوجيا وعرقيا مع الطاجيك الافغان. خطوة الهروب هي الراجحة الاحتمال، واذا ما تمت فانها ستعطي الادارة الامريكية ـ والوقت الطويل ـ مبررات لتوجيه ضربات عديدة متفرقة على تلك البقاع. ـ ربما بالتعاون مع السلطات المحلية فيها، للقضاء على بن لادن، وخلاياه .. ولن تنجو افغانستان مهما فعلت من تضمينها في سياق تلك الضربات. حتى لو قامت افغانستان بتسليم بن لادن ـ وهو امر مستبعد تماما ـ فانها لن تنجو من ضربات تدميرية تستهدف القضاء على القوة العسكرية لشبكات بن لادن والقضاء على القوة العسكرية لطالبان نفسها. وهذا امر باتت حركه طالبان تدركه جيدا وتتوقع تنفيذه منذ فترة طويلة بدأت مع الاستصدار الامريكي لقرار مقاطعة ومعاقبة افغانستان من مجلس الامن بدعوى تسليم بن لادن لمحاكمته بامريكا. كانت طالبان قد اجرت مفاوضات سرية طويلة مع دبلوماسيين واستخباريين امريكيين حملوا فيها وعودا معسولة لقادة طالبان باعتراف امريكا بهم وسوق العالم كله بعد ذلك لينل ذلك الاعتراف بحكومة طالبان وتهيئة المجال لها لاحتلال مقعد افغانستان بالامم المتحدة، وسائر المنظمات الدولية، والتمتع بقروض سخية من صندوق النقد العالمي والبنك الدولي، وغيرهما من المؤسسات النقدية العالمية، وذلك كله في سبيل تحقيق مطلب بسيط هو تسليم اسامة بن لادن ليحاكم في امريكا، عقب اتهامه واتهام انصاره بجريمة تفجير السفارتين الامريكيتين في كينيا وتنزانيا، ولكن طالبان طوحت بكل تلك الوعود جانبا، واعلنت رفضها القاطع لبذل الثمن المطلوب. ازدياد الحرج الامريكي هذا الرفض الافغاني المتشدد وضع الطرف الامريكي في موقف حرج جدا، وازداد الحرج الى اقصى حدوده عندما وقعت تفجيرات نيويورك وواشنطن الاخيرة، وحينها اصبحت خيارات امريكا منحصرة جدا، وغامضة جدا، ومكلفة جدا، وربما تكون نتائجها خاسرة جدا. هذه الخيارات تنحصر تقريبا في القيام بهجوم كثيف على افغانستان للاطاحة بحكومتها والقبض على بن لادن، والهدف الاخيرهو بيت القصيد، ولكن قد تتم الاطاحة بطالبان دون ان يتم القبض على بن لادن، وحتى الاطاحة بطالبان فانها لا تعتبر في المنظور الاستراتيجي الامريكي امرا ايجابيا، تماما، كما لايعتبر ذلك المنظور ان الاطاحة بنظام صدام حسين في العراق امرا ايجابيا فالصورة الشاملة لا تتطلب ذلك، بل تتطلب بقاء النظام، ولكن المتطلبات الوقتية الملحة في حالة طالبان تتناقض مع التصور الاستراتيجي الشامل. وهذا مما يؤكد ان حرب امريكا الجديدة ضد افغانستان حربا خاسرة تماما، واول من يعرف ذلك هي الادارة الامريكية نفسها، ولكنها ستخوضها مهما كان المآل، ومها كان الثمن، وهنا يكمن التحدي النظري لكل من يزعمون ان قرار الحرب هو قرار عقلاني دائما.. ان مشروع الحرب القادمة، غير واضح على الاطلاق، وقد احسن وصفه وصفا هلاميا وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد عندما قال انه ليس مشروع حرب خاطفة وليس مجرد وقائع قتالية ولا مشاهد ملموسة لصواريخ موجهة، انه شيء غير ذلك، اي انه شيء غير معروف ولا محدد، فاضطر لوصفه باساليب النفي لا الاثبات. وهكذا ستقتحم امريكا حربا ربما ترهقها اكثر مما ارهقتها حرب فيتنام، التي جاء اعمق تحليل لها من وزير الدفاع الامريكي الاسبق روبرت ماكنهارا، الذي تولى وزارة الدفاع لمدة ثماني سنوات، واشتهر باستخدام اساليب التحليل الرياضي والاحصائي والعلمي لعمليات الحرب، ولكنه جاء في كتابه الاخير يقول ان العامل الوحيد الذي اخفق في تحليله هو العامل النفسي الايديولوجي والثقافي والقومي وكان هو سبب الاندحار الآخير في تلك الحرب. د. محمد وقيع الله