يجب وضع جدار امام الفلسطينيين، جدار غير قابل للنفاذ من كل الجهات بحيث يوضح لهم انهم لن يحققوا أي انجاز من خلال الارهاب والعنف يقول نائب رئيس هيئة الاركان اللواء موشيه (بوغي) يعلون في مقابلة خاصة مع صحيفة «معاريف» العبرية. اسم يعلون مرتبط اكثر من أي شخص آخر في جيش الاحتلال مع المجابهة الحالية. في مرات كثيرة يكون الصوت المتحدث هو صوت رئيس الاركان الاسرائيلي شاؤول موفاز ان الكلمات تكون ـ دائما تقريبا ـ كلماته هو. وهو الذي يقود بدرجة كبيرة الخط المتصلب في مواجهة السلطة الفلسطينية. ذلك الخط الذي يتحدث عن «عدم التنازل في ظل اطلاق النار»، تلك السياسة التي قررت ان «السلطة الفلسطينية تستخدم الارهاب كوسيلة لتحقيق اهدافها الاستراتيجية». يعلون لا يكثر من اجراء اللقاءات، الا ان آراءه معروفة وراسخة، وهو على قناعة ان كل شيء «جاء بشكل مقصود ومخطط» وان «المعركة التي فرضت على اسرائيل في السنة الاخيرة كانت جزءاً من سياسة مخططة، وان الخضوع لها سيكون مسألة كارثية» اسرائيل تخوض الان حسب رأيه اهم معاركها منذ حرب الاستقلال، حيث تدور حول جوهر وجود اسرائيل ذاتها. ـ كيف تجمل السنة الاولى من المجابهة؟ ـ في نهاية هذه السنة يمكن ان نقرر بشكل قاطع ان الفلسطينيين لم يحققوا أي انجاز نابع من «الارهاب» و«العنف»، بل على العكس، فاذا قاموا بمحاسبة انفسهم فانني اعتقد انهم دفعوا ثمنا في مجالات كثيرة لانهم قرروا التوجه لخط الكفاح المسلح. في المجال السياسي وفي مجال الشرعية الدولية وفي المجال الاقتصادي وفي مجال الخسائر في الأرواح وكذلك في مجال الثروات المادية على الارض. ـ كل هذا ينطبق علينا ايضا، فنحن قد دفعنا ثمنا باهظا في السنة الماضية؟ ـ هناك فرق كبير بين وضعنا ووضع الفلسطينيين، صحيح اننا تكبدنا الخسائر في الأرواح، 175 شخصا منذ بداية المجابهة، ولا شك ان الاقتصاد تضرر، ولكن من الناحية السياسية لا اعتقد أننا تضررنا مثل الفلسطينيين، الطرف غير المرغوب فيه في عواصم العالم ليس نحن وانما الفلسطينيون، العالم يفهم اليوم بدرجة اكبر ما قلناه في بداية المجابهة: انها ليست انتفاضة شعبية وانما خطوة فلسطينية مخططة تستخدم القيادة فيها «الارهاب» كوسيلة استراتيجية. العالم تأكد من ذلك لانه كان مشاركا في محاولات وقف اطلاق النار التي استجابت لها اسرائيل طوال الوقت، والفلسطينيون تهربوا منها في المقابل بشكل متكرر، وحتى الاوروبيون اصبحوا يدركون انها خطوة استراتيجية، وقد تأكدوا من ذلك بشكل قاطع في حادثة بيت جالا اذ تبين لهم ان السلطة تغرر بهم وانها تتخذ القرار بوقف اطلاق النار تحت الضغط فقط، الامر الذي يبرهن عن درجة سيطرتها على الارض. ـ هل تعتقد ان سيطرة عرفات مطلقة؟ ـ يتوجب التمييز بين السيطرة الاستراتيجية والسيطرة التكتيكية. على المستوى الاستراتيجي توجد لعرفات سيطرة فعالة كاملة. ومن اللحظة التي يقرر فيها اشعال النار فانها تشتعل، وبالعكس. وعلى المستوى التكتيكي لا يتحكم عرفات في مستوى ألسنة النيران دائما ذلك لانه بنى جهاز فوضى منظماً. ثمانية اجهزة امنية بعضها منغمس في «الارهاب»، كما انه سلح التنظيم قبل بداية المجابهة وأعده حتى يكون في الجبهة وحتى لا تكون للسلطة علاقة مباشرة، وهناك حماس والجهاد والجبهة الشعبية التي هي تنظيمات نتحدث عنها منذ اوسلو وحتى الآن، وهو لم يقم بالمس ببنيتهم التحتية بشكل ملموس بل على العكس من ذلك قام مع اندلاع المجابهة باخلاء سبيل اغلبية نشطائهم من السجن وأعطاهم حرية للعمل. سيطرته تنعكس ايضا في تقاسم العمل: التنظيم والقوة 17 مسئولان عن العمليات في الضفة الغربية وغزة، ومنظمات الرفض تنشط في داخل اسرائيل، بينما يتوجب ان يقوم قسم من الاجهزة بدور رجال الاطفاء. عندما يود عرفات ان يظهر بمظهر من يعمل ضد «الارهاب» من الناحية الشكلية هناك جهات يمكن ارسالها وكأنها تود اطفاء النيران، وأنا للاسف لا استطيع ان أشير الى ان ياسر عرفات قد اتخذ قرارا استراتيجيا باطفاء النيران حتى بعد العمليات في الولايات المتحدة، وهذه مجرد خطوات تكتيكية الآن ايضا بهدف الظهور بمظهر اطفاء النيران وايقاف «الارهاب». ـ الى أي حد تستطيعون البرهنة على ضلوع كبار مسئولي السلطة الفلسطينية مباشرة في «الارهاب»؟ ـ السيطرة الاستراتيجية في أعلى المستويات، لا شك ان القرار الاستراتيجي باشعال النيران قد اتخذ من قبل عرفات وان القرار الاستراتيجي لوقف «الارهاب» يمكن ان يصدر عنه وحده فقط. هذا جهاز مركزي ومضبوط جدا. بالنسبة للاجهزة فهناك منها من لا يوجد لهم ضلع في «الارهاب» بالمرة. أنا لا اريد ان اخوض في ذلك حتى لا ألحق الضرر باولئك الذين يحسبون حساب اليوم التالى. ـ جبريل الرجوب ومحمد دحلان؟ ـ نائب دحلان رشيد ابو شباك ضالع بشكل ملموس جدا في الارهاب، وقد قاد العمليات التي بدأت من قبل اندلاع المجابهة على الطريق الموصل لنتساريم، وهذا برهان آخر لما ندعيه نحن كل الوقت:ان كل شيء كان بشكل مخطط وان التحضيرات للمجابهة بدأت في ابريل 2000، فور مغادرة البابا للبلاد. ـ في نظرة للوراء هل تستطيع القول ان الفلسطينيين كانوا يريدون بالفعل مجابهة طويلة الى هذا الحد ام انهم تطلعوا الى تكرار لاحداث النفق حيث يقتلون خلالها عددا كبيرا من افرادنا ومن ثم يعود الجميع للمفاوضات السياسية؟ ـ بالتأكيد كان بامكان هذه المجابهة ان تتوقف في وقت سابق، فلو خضعت اسرائيل مثلا وانسحبت من جانب واحد لتوقفت ولبدأت على الفور من خطوط جديدة. ولو تم الحصول على تدخل دولي يفرض شيئا ما على اسرائيل لتوقف الامر مؤقتا، الا انه لم يكن ليضع حدا للنزاع، من الناحية المقابلة لو استطعنا انشاء جدار يوضح للفلسطينيين انه لا فرصة امامهم للحصول على أي انجاز في ظل العنف لكان بامكاننا ان نتوصل الى ايقاف المجابهة. ـ أو ليس هذا واضحا لهم الآن من حيث الحقائق؟ ـ اعتقد ان ذلك يجب ان يكون واضحا لهم الان، بعد سنة كاملة من «الارهاب»، وابداء اسرائيل قدرة صمود وتصميم وعدم النية في الاستسلام، هذا يحبط الفلسطينيين جدا. ـ وهم لم يدركوا الامر بعد؟ ـ قيادة السلطة لا تعتقد ان الامر قد انتهى بذلك، وهي تعتقد ان المجتمع الاسرائيلي قد ينهار في المستقبل، شاهدنا بعد عملية تل أبيب ان هذا الجدار قد نشأ لفترة محدودة، التهديد العسكري مضافا اليه المبادرة الدولية لممارسة الضغط على السلطة أديا في نهاية المطاف الى صدور جملة باللغة العربية حول التعهد بوقف اطلاق النار. وقد شاهدنا كيف تهرب عرفات من ذلك فورا، الامر الذي يشير الى عدم المصداقية. عرفات يدرك ان لديه هامشا للمناورة يرتكز على الشرعية الدولية بوجوب حل القضية الفلسطينية ويرتكز ايضا على بث الاكاذيب وحكايات ألف ليلة وليلة! ـ المجابهة صعدت ذاتها من حيث مستويات استخدام القوة، فالى أي حد سنصل؟ ـ لا شك ان هذه المجابهة قد تصاعدت، وهذا نبع من قرار السلطة. وقد حاولت في البداية اضفاء طابع العنف الشعبي عليها حتى ترسخ في الأذهان على انها انتفاضة وليس كما نعتقد نحن في انها قرار استراتيجي بالكفاح المسلح، هذا كذب. الشارع الفلسطيني ليس جزءا من المجابهة، الطلاب أُخرجوا بالقوة في بداية المجابهة ولكن التنظيم هو الذي قادها من اللحظة الاولى. وقد استغرقوا اسبوعين حتى أدركوا ان صور التلاميذ ضارة لهم فأعادوهم للمدارس وانتقلوا لعمليات اطلاق النار، وعندما رأوا ان ذلك لن يساعدهم انتقلوا الى استخدام الراجمات، وبعدها الى العمليات في عمق اسرائيل. نحن من جانبنا اضطررنا للرد بشكل اكثر شدة في ظل تصاعد التهديدات، في المرحلة الاولى واجهناهم في المكان ولم نستخدم المروحيات الا بعد عملية القتل في رام الله وحتى عندما استخدمنا المروحيات لم يقتل أي مواطن فلسطيني، وهذه مسألة يجدر تقديرها، فمن الصعب على ان ارى جيشا آخر كان سيختتم عاما كهذا من الصدامات مع ضرر قليل نسبيا بالمواطنين الأبرياء. ـ ماذا بعد ذلك هل ستستخدمون المدفعية؟ ـ هذا يعتمد على السلطة الفلسطينية، نحن مستعدون للعودة واحتلال مناطق اذا برزت الحاجة لذلك، وليس لفترة محدودة فقط. قدرتنا على ضرب ما يوجد لديهم برهنت عن ذاتها ودقتها الكبيرة، ونحن لسنا متحمسين او مندفعين لذلك. ـ هل أنت مرتاح لسياسة التصفيات؟ ـ هذا تعبير خاطيء، فهي عملية لايقاف المخربين النشطاء الذين ينوون تنفيذ عملية. مثلما حدث في مطلع الاسبوع اذ نفذنا عملية قوية جدا في جنوب رام الله من اجل اعتقال احد نشطاء حماس الأشداء الذي كان بمثابة قنبلة موقوتة. استطعنا القيام بذلك لانه يسكن في ضواحي مناطق (أ)، ولو كان يقطن في قلب المدينة وكانت المعضلة احتلال كل المدينة من اجل اعتقاله او عدم احتلالها فانني اعتقد اننا كنا سنقوم بضربه مرغمين، اما حين خيار فاننا نقوم بالاعتقال. وكنا نفضل ان يعتقله الفلسطينيون، الا انهم لا يفعلون. ـ في نظرة للوراء أين كانت اخطاء اسرائيل الكبرى في هذه المجابهة؟ ـ أنا اعتقد اننا ندفع في هذه المعركة ثمن الجدالات الحمقاء، فهل هذا قرار استراتيجي وهل هذا النزاع موجود في نطاق السيطرة أم لا؟ هذا الجدل حول سيطرة الرئيس يلازمنا لمدة طويلة وهو جدال أحمق، ذلك لانني أعرف كيف أحدث الحكاية الاسرائيلية في هذه المجابهة بينما أسمع أطرافا اسرائيلية تقوم للاسف برواية الحكاية الفلسطينية. ـ أنت تتحدث عن اطراف سياسية أم امنية؟ ـ في الاجهزة الاستخبارية لا يوجد جدل اليوم، هذا الجدل كان في السابق للاسف الا ان كل شيء قد برهن عن ذاته، ولكن عندما تتحدث اسرائيل بلغتين مختلفتين فهناك صعوبة لتجنيد الاسرة الدولية لروايتك أنت. ونحن ندفع ثمنا باهظا لذلك يمس بقدرتنا على بناء جدار واضح جدا امام الفلسطينيين وقيادة السلطة. ـ كم هو الوقت الذي يتوجب فيه ان يقف هذا الجدار حتى يفهم عرفات؟ ـ هذا جدار في الوعي، ومن السهل بناؤه حسب رأيي، في هذه اللحظات ايضا يتوجب علينا ان نسأل انفسنا ان كان علينا ان نجند العالم الى التعامل مع السلطة باعتبارها كيانا «ارهابيا» وابقائها في جانب الأشرار او اننا نتعامل مع ذلك بتسامح ونقول انهم ليسوا ابن لادن تماما، ولذلك يتوجب ضمهم لقطار الأخيار. ـ هل عرفات هو ابن لادن خاصتنا؟ ـ أنا لا اريد ان أعقد المقارنات، عندما اتحدث عن كيان «ارهابي» وخياره الاستراتيجي هو الكفاح المسلح من خلال «العنف» و«الارهاب»، فلا حاجة للافراط في التحليل. ـ هل تعتقد انه قد نشأت فرصة جديدة فعلا لمكافحة حقيقية ضد «الارهاب» بعد العمليات في امريكا؟ ـ نحن نحاول منذ مدة طويلة التوضيح بأن حربنا ضد «الارهاب» خصوصا الاصولي منه هي حرب نقف فيها في طليعة العالم «الحر» و«الديمقراطي». واذا خضعت اسرائيل لا سمح الله لـ «الارهاب» فان دول اوروبا هي التي ستدفع الثمن الفادح عن ذلك حيث توجد أقليات كثيرة ذات تطلعات وعواطف وبامكانها ان تتوجه لـ «الارهاب». نحن في الجبهة الامامية وكل سابقة في كفاحنا ضد «الارهاب» ستؤثر على العالم كله. ـ هذه فرصة ليس فقط لمقاتلة ابن لادن وانما حزب الله وايران ايضا التي تسلحت بالسلاح النووي؟ ـ الصورة ليست واضحة بعد حول من سيصعد الى «قطار الأخيار»، ولكنني ألاحظ وللاسف من الان كل شتى الاعتبارات التي لا تتساوق تماما مع مصالح اسرائيل، ويجدر بنا ان نكون مدركين لذلك وان نعالجها، اذا كانت الولايات المتحدة تريد تجنيد قسم من الدول العربية لمكافحة الارهاب وتريد ان تقوم اسرائيل بدفع ثمن ذلك من خلال تنازلات ما، مثل عدم تسمية ما تفعله السلطة وحزب الله بـ «الارهاب»، فان ذلك يعتبر مسا ملموسا بالمصالح الاسرائيلية. كل ما قاله الامريكيون حول بن لادن يجب ان يوضع على المحك ايضا في مواجهة سوريا التي يتوجب عليها ان تتنازل عن الوسائل «الارهابية»، واذا لم يحدث ذلك فاننا سنكون في مشكلة صعبة. ـ هل ترى امكانية لحرب شاملة؟ ـ في ختام سنة كان أبرز الامور هو عدم رغبة اغلبية الاطراف في الشرق الاوسط في التوجه لمثل هذه الحرب، الفلسطينيون حاولوا جر دول اخرى وألهبوا حماس الشارع الامر الذي يتوجب ان يدفع القيادات لدفع ضريبة كلامية. الان القيادات وعلى رأسها مصر أوضحت انها لا تريد الدخول للحرب، ولا تريد القتال بدلا عن الفلسطينيين. ـ هل ترى امكانية للتوصل الى حل سياسي مع الفلسطينيين؟ ـ اذا كان ما تكشف في عام 2000 فعلا عدم استعداد فلسطيني للتوصل للمصالحة وانهاء النزاع والاعتراف بحق الشعبين في الوجود في دول في هذا المجال، فان ذلك يلزمنا باعادة التفكير، ما زال علينا البحث عن الحل، ولكن حل يكون مقيدا بشكل اكبر على خلفية تجربتنا مع القيادة الفلسطينية. »أسمرة ـ زكريا عبدالجواد