لا شك ان الاحداث الدامية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الثلاثاء الماضي سوف يكون لها انعكاساتها المستقبلية سواء على الولايات المتحدة نفسها التي من المؤكد انها ستعمل على مراجعة الكثير من سياساتها، وخاصة الامنية والعسكرية، كما سيكون لها انعكاساتها ايضا على الصعيد الخارجي وقد ظهرت بوادر هذا من خلال الاتفاق الذي تم بينها وبين العديد من الاطراف الاخرى مثل الصين وروسيا لايجاد تحالف دولي لمواجهة العنف والارهاب. «الملف» التقى لواء دكتور محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الاهرام للدراسات ود. محمد سعد أبو عامود استاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان لالقاء الضوء على انعكاسات هذا الحادث الدامي على الأوضاع الدولية مستقبلا. أهداف حيوية بداية يقول لواء د. محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان ما حدث يوم الثلاثاء الماضي هو عمل عسكري توافرت فيه كل عناصر التدمير لأهداف حيوية في الولايات المتحدة ومنها ضرب هدف دفاعي هو مقر (البنتاجون) والغريب انه رغم ان الامريكان كانوا قد بدأوا منذ فترة الاهتمام بما يسمى Home land defence، بمعنى انهم كانوا يتوقعون حدوث مثل هذا الهجوم وقد أعدوا عدتهم لذلك وشكلوا لجنة برئاسة نائب الرئيس الامريكي لهذا الغرض، رغم ذلك فشلوا في مواجهة هذا التهديد وتم ضرب الاهداف الحيوية الامريكية. ويرى د. قدري سعيد ان هذا يعد فشلا كبيرا من الولايات المتحدة وخاصة في مجال المعلوماتية والاستخباراتية وإلا كيف نفهم ضرب كل هذه الاهداف رغم حيويتها و منها مبنى البنتاجون دون ان يتم اعتراض الطائرات المعادية التي قامت بضرب هذه الاهداف، وهذا يؤكد وجود قصور في الدفاع عن اهم مبنى في منظومة الدفاع الامريكية. ويعتقد د. قدري ان ما حدث سيؤثر بلا شك على موضوع الدرع الصاروخية التي تروج لها الولايات المتحدة وحشدت التأييد لها، هذا التأثير سيكون من جانب الرأي العام الامريكي فهو كان قد وافق من قبل على هذه الدرع من اجل حمايته ولكنه بعد أن رأى ما حدث لا شك انه سيتراجع عن هذا الأمر. استعادة الهيبة ويقول د. قدري ان الولايات المتحدة تقف الآن موقفا لا تحسد عليه فهي من جهة تريد ان تستعيد هيبتها وهذا يتطلب منها القيام بعمل عسكري سريع من اجل هذا الغرض، في الوقت نفسه لا شك ان هناك من هم في الولايات المتحدة وخاصة من كبار الساسة من سيفضل التروي والتأني وعدم الاقدام على خطوة قد تدفع الولايات المتحدة ثمنا كبيرا لها، أي ان الولايات المتحدة تريد استعادة الهيبة دون التورط في عمل تكون له آثاره السلبية عليها، ولذلك تسعى امريكا لحشد الدعم الخارجي وحتى لا تكون بمفردها وقت قيامها لهذا العمل العسكري المتوقع. دراسة متأنية ومن جانبه يقول د. محمد سعد ابو عامود استاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان: رغم ما حدث فإنني أتوقع استمرار الولايات المتحدة في سياسة ممارسة غطرسة القوة على الاقل في الأمد القصير وذلك من اجل القيام بعمل لاسترداد الهيبة الامريكية ولاستعادة الثقة بالنفس، وأيضا للاستجابة لضغوط الرأي العام الامريكي، وبعد ذلك من الممكن ان يتصور ان يحدث نوع من انواع الدراسة المتأنية والمراجعة الشاملة للسياسة الامريكية، وفي هذه الحالة هناك عدة سيناريوهات متوقعة من بينها امكانية زيادة قوة القوى السياسية الامريكية التقليدية الداعية الى اتباع سياسة العزلة. اما السيناريو الآخر يضيف د. أبو عامود فهو يعتمد على افتراض ان الامريكيين سيلجأون الى الاسلوب العلمي والعقلاني في تحليل الاحداث وهنا سيكون من المتصور ان تقوم الولايات المتحدة بإحداث تغيير شامل في سياستها الخارجية بما يؤدي الى تغيير صورتها السلبية لدى العديد من دول العالم وشعوبها، اما السيناريو الثالث فهو ان تزداد قوة اللوبي العسكري الامريكي الذي يدعو الى احتكار الولايات المتحدة للقوة الاستراتيجية في العالم وقد يجد فيما حدث دافعا للتنفيذ السريع لمبادرة درع الصواريخ مع تطويرها بما يتواءم والدروس المستخلصة من احداث 11 سبتمبر الدامي. معلومات دقيقة ويرى د. ابو عامود ان هناك مجموعة من المشكلات تواجه صانع القرار الامريكي الآن الامر الذي قد يترتب عليه صدور قرارات غير مدروسة بدقة، من اهم هذه المشكلات عدم توافر المعلومات الدقيقة بصدد كافة جوانب الاحداث التي شهدتها الولايات المتحدة والأزمة التي تعيشها الآن وكالة المخابرات الأمريكية والتي قد تدفعها الى تقديم معلومات سريعة او مشوهة او مبالغ فيها، ايضا الضغوط الداخلية الشديدة على الرئيس الامريكي خاصة في ظل تردي الاوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة منذ بدء ولايته وسعيه الشخصي الى فترة رئاسية جديدة الامر الذي قد يجعله يفضل القيام بعمل سياسي خارجي له ضجيج بغض النظر عن فعالية هذا العمل بالنسبة لأهداف السياسة الخارجية الامريكية. اما المشكلة الاخيرة فهي عملية التحريض التي تمارسها بعض الدول تجاه الولايات المتحدة من اجل الاستفادة من هذه الاحداث بما يحقق مصالح هذه الدول والنموذج الواضح في هذا الشأن هو اسرائيل الامر الذي قد ينتج عنه قرارات او سياسات تتجه الاتجاه الخاطيء. ويرى د. ابو عامود ان اقدام الولايات المتحدة على اتخاذ خطوات انفعالية وغير مدروسة قد يلقي بها في مستنقع سياسي خطير قد يكون قريب مما حدث لها في فيتنام، فالولايات المتحدة اليوم تواجه عدوا غير منظور او غير محدود والخطر كل الخطر على الولايات المتحدة والأمن والسلم الدوليين ان يؤدي هذا الى خلق عدو خطير لها وللنظام العالمي القائم الآن، الامر الذي يدخل العالم الى دائرة العنف والعنف المتبادل. القاهرة ـ مكتب «البيان»