بدلا من تهدئة الخواطر، أتى مؤتمر الامم المتحدة لمناهضة العنصرية ليؤجج مشاعر الألم والاحساس بالاهانة عند الكثيرين ممن عانوا الالم والاضطهاد في العالم. فمن صيحات ومنشورات معادية للسامية إلى مزاعم بالتمييز وخطب مثيرة ومحاولات تخويف، بل وأعمال عنصرية لوثت أجواء المؤتمر المنعقد في جنوب أفريقيا. ويعتبر هذا المؤتمر الاهم على الاطلاق على الصعيد الدولي الذي يتناول قضايا مثل العنصرية والتمييز وكراهية الاجانب وغيرها من أشكال التعصب. غير أن أصوات الملايين من ضحايا العنصرية بشتى أشكالها لم تجد فعلا طريقها إلى دوربان إلا في أيام المؤتمر الاخيرة، حيث احتلت قضية الشرق الاوسط والمشاحنات وتبادل الاتهامات حولها بؤرة المؤتمر قبل ذلك. فقد حضر بضعة أفراد من قبيلة الخويسان المؤتمر في بداية منتدى منظمات المجتمع المدني دون توجيه دعوة لهم ووسط توقعات كبيرة من جانبهم. وللمفارقة أن ممثلي السكان الاصليين (الخويسان) في الجنوب الافريقي تعين عليهم كتابة شعاراتهم على ظهر لافتات محتجين آخرين أثناء مسيرات الاحتجاج التي شهدتها شوارع المدينة. غير أنه لم تمض أيام إلا واختفى الخويسان ومعظم ممثلي الجماعات المحتجة الاخرى التي تسعى لاقتناص فرصة المؤتمر كمنبر للتعبير عن شكواها، مفسحة الطريق أمام الجدل حول ما وصف بأنه نص معادي لاسرائيل في وثائق المؤتمر. فقد حضر يهود من 20 وكالة ومنظمة يحملون الزهور وينشدون الاغنيات الشعبية دفاعا عن أيديولوجيتهم الصهيونية ودولتهم العبرية.أ ما الفلسطينيون فقد تسلحوا بالمتعاطفين معهم وآلاف الاعلام واللافتات وعزيمة حديدية بطرح مأساتهم أمام أسماع وأبصار العالم. وقال أحد الفلسطينيين «نأمل أن يقرر هذا المؤتمر إدانة إسرائيل لاحتلالها أرضنا». وقال جمال الدرة، والد الطفل البالغ من العمر 11 عاما الذي أرداه رصاص الجنود الاسرائيليين قتيلا أمام كاميرات العالم ومصوريه، «على المؤتمر أن يحمي الفلسطينيين من إسرائيل». وحينما التقى طرفا النقيض وجها لوجه، إذ كان قد تم حجز غرف لاعضاء من الجانبين في الفنادق ذاتها، راقبت الشرطة الموقف بعين حذرة للحيلولة دون تحول المشادات الكلامية الشرسة حول السياسات في الشرق الاوسط إلى عنف فعلي. وهتف النشطاء الفلسطينيون «اقتلوا اليهود»، «الصهيونية عنصرية». ومع تصاعد حدة العنف في الشرق الاوسط، تصاعدت أيضا حدة المشاعر المعادية لاسرائيل وللولايات المتحدة أثناء مسيرات الاحتجاج في شوارع دوربان. واتهمت الجماعات اليهودية المؤتمر بالعنصرية لفشله في كبح تفشي منشورات ورسوم كاريكاتيرية معادية للسامية في مركز المؤتمرات الدولي الذي انعقد فيه. وقالت السلطات اليهودية ان مثل تلك الدعاية المعادية لليهود لم يشهدها العالم منذ الثلاثينيات. وقال الاسرائيلي حاييم أفراهام أمام المؤتمر «هذا المؤتمر صار مهزلة ضد الشعب اليهودي. عليهم أن يلغوه ويعودوا إلى بلدانهم. إن الامر لا يتعلق بإسرائيل بل بحقوق الانسان». وسردت الجمعيات الاهلية قضايا العنصرية والتمييز العنصري ومعاداة الاجانب والتعصب على أنها أكثر القضايا الملحة التي تواجه المجتمع المدني والتي يتعين تضمينها في الاعلان الختامي. ومن بين القضايا التي تبنتها القرارات المتعلقة بهذه المسألة تجارة الرقيق المعاصرة في بلدان مثل موريتانيا، والتمييز واسع النطاق ضد الداليت في جنوب آسيا في ظل نظام الطبقات العتيق هناك. غير أن تضمين فقرات تدين إسرائيل بشدة تمهيدا لعرضها على المؤتمر الوزاري الرئيسي للقاء، أثارت انتباه وسائل الاعلام العالمي بشدة. وقد رفع قسم من المنظمات المشاركة وعددها 000،3 منظمة تبنت تلك القرارات، احتجاجات رسمية، غير أن منظمات أخرى كثيرة أعربت عن قلقها لهيمنة قضية الشرق الاوسط دون عداها على المؤتمر. وكان أن انسحبت الولايات المتحدة وإسرائيل من المؤتمر بما عكس نصرا كبيرا للجماعات الفلسطينية، وإن كان ذلك قد هدد في الوقت ذاته بانحراف المؤتمر عن مساره كلية. وقال أحد أعضاء الوفود المشاركة من نيكاراجوا وقد استبد به الاحباط «ثمة الملايين من الضحايا لا يعيشون في الشرق الاوسط» ممن تعرضت قضاياهم الحرجة والتي كان من المفترض أن تكون في لب المؤتمر، للتهميش.د.ب.أ