أقدم عدد من بيوت التمويل العربية الكبرى على توفير مبلغ ضخم، بحوالي ثمانمئة مليون دولار، لبناء سد جديد بشمال السودان، في منطقة تسمى مروى، مشهورة بحدائقها الغناء، التي كثيرا ما يجمح عليها الفيضان فيدمرها مع منازل اهليها تدميرا. والمأمول من وراء بناء السد ليس حفظ كبح جماح الفيضان، وإنما تأمين الماء في أزمات الجدب وضمان تدفقها على امتداد فصول العام، لري الحدائق التي تتحف مدن السودان الوسطى بالفاكهة، ولتأمين ري مساحات اضافية لزرع القمح ومحصولات غذائية اخرى. وبعد ذلك كله وقبله، وأهم منه، فإن السد المزمع بناؤه، مرشح لمضاعفة الطاقة الكهربائية في السودان، حيث تضخ كميات الطاقة المولدة من هناك، في ضمن الشبكة الكهربائية القومية لتستفيد منها قرى ومدن السودان المختلفة. وهنا ربما تتاح الفرصة لتتخلص المدن لا سيما مدن العاصمة من توالي القطوعات الكهربائية، وربما اسعد الحظ قرى سودانية كثيرة لتدخل متأخرة جدا في عصر الكهرباء!! لا احد يستطيع ان يعزل ما بين الاقتصاد والسياسة، ولذا ربما امكن القول ان تخلص النظام السوداني من نزعة الجدة الهتافية التي وسمت اكثر سنواته الماضية هو الذي مكنه من تلك الحظوة لدى صناديق التمويل العربية، وهذه الحظوة ربما مثلت خطوة اولى مبشرة في طريق طويل شاق لاستثمار واستغلال موارد السودان الاقتصادية الكثيرة المهملة والمهدرة استثمارا واستغلالا حسنا لصالح الشعب السوداني ولصالح مستقبل الامن الغذائي والانمائي العربي. الوفاق شرطا للنماء ان التنامي الاقتصادي هو فاتحة الاستقرار والتنمية الاقتصادية في السودان. وليس سرا ان جو الانفتاح والوفاق المحدود الآن انما كان ثمرة لتدفق البترول في السودان، وحينها اقتنع نظام الانقاذ بأن سيطرته السياسية المطلقة على البلاد لن تستمر طويلا في وجود معارضة طريدة تستطيع ان تفجر انابيب نقل البترول، وكان جيش الامة، التابع لحزب الامة، هو اول من اجترح تلك الفعلة، لكنه ما عتم ان عاد بعد شهور معدودة الى السودان، فكأن تفجيره لخطوط نقل البترول كان اشارة قوية منه للنظام تؤكد خطره الاكيد، وتهديده الماثل، وعلى اثر ذلك جرت مفاوضات جيبوتي الشهيرة التي قادت الصادق المهدي وحزب الامة وجيش الامة للدخول في نوع من الوفاق الجزئي مع النظام والتخلي من ثم عن تجمع المعارضة، بل والقتال مع القوات الحكومية ضد قوات التجمع عندما غزت مدينة كسلا في شرق السودان في اوائل هذا العام. حركة التمرد في جنوب السودان تدرك هذه النقطة ادراكا عميقا، لذا عبأت جهودها الدبلوماسية تعبئة جيدة في الولايات المتحدة وأفلحت بالتضامن مع اليمين النصراني المتطرف، في استصدار قرارات قوية من الكونجرس ضد صناعة النفط السودانية تطال جميع الشركات الاجنبية العاملة فيها، ولكن تعطل اثر تلك القرارات، باعتراضات وزارة الخارجية الامريكية، التي كانت استجابة واضحة للشركات الامريكية الكبرى التي لا تحبذ التدخلات السياسية السافرة في هذه الشئون ولا شك ان بعض تلك الشركات كأوسيديدنتال ترنو بالفعل للاستثمار في بترول السودان. وأفلحت حركة التمرد في شن غارة كوماندوس خاطفة على مطار شركة تاليسمان الكندية، العاملة في استخراج النفط السوداني، بولاية الوحدة الجنوبية في فاتحة محاولات لتهديد الشركة واثنائها عن مواصلة صناعتها وتجارتها الرابحة في المشروع ومع ان الحكومة السودانية وكذا شركة تاليسمان هوّنتا من شأن المحاولة الا ان تهديد حركة التمرد سيظل مسلطا الى امد طويل على صناعة النفط وعلى مجمل حركة التنمية في السودان. وفي اغلب الظن فإن حركة التمرد براديكاليتها الايديولوجية والعسكرية ستقتنع متأخرة جدا بشروط الوفاق، فما زال امامها شوط طويل حتى تكتمل قناعتها بضرر الحرب، وتدميرها حتى لمظاهر الحياة البدائية بجنوب السودان او حتى تحبر بواسطة قوى اقليمية ودولية، على القاء السلاح والانخراط في مجهودات تنمية القطر، ابتداء بجنوب السودان. ولكن يمكن تقليل ذلك الضرر بابرام وفاق شمالي في مرحلة اولى، يعزل حركة التمرد قوميا، ويضعف مبادرتها بالقيادة والتحرك والتهديد. المحور الاول في افق الوفاق الشمالي فإن محور التنمية والتعمير ينبغي ان يكون هو المحور الاول، فليتفق الناس على احداث قدر من التنمية والتعليم والحداثة، وإدخال السودان في عالم القرن الحادي والعشرين اولا، ثم ليلتفت الناس بعد ذلك الى المحاور الاخرى، وهي محاور خلافية في جملتها، ولكن الخلاف فيها سيكون اهون بعد قطع مراحل مقدرة في اشواط التحديث. ان التخلف الاقتصادي هو احد اسباب التخلف السياسي كما يقر بعض علماء السياسة «سيمور مارتن ليبست ابرز القائلين بذلك» ولا تبدو هذه النقطة بأجلى مما تبدو في الحالة السودانية بشكل عام، والجنوبية منها بشكل خاص، فلأن الجنوب ضرب عليه خناق تخلف شامل منذ العهد الاستعماري بقانون المناطق المقفولة، وبالاهمال عبر مختلف الانظمة السياسية بعد الاستقلال، فإن العناد السياسي هناك يبدو اشد وأعنف. ومن التخلف انبثقت دعاوى العنصرية والغيرة السياسية التي استهدفت تفكيك وتخريب بعض المشاريع التنموية القديمة، فيما سموه بالمثلث الذهبي في وسط السودان. وهكذا فما لم يتواصل مشوار التنمية، فإن التخريب سيلحق بما تم انجازه فعلا في الماضي. وهنا تبدو المسئولية مزدوجة، فالشمال مسئولية نحو الجنوب، وللجنوبيين، وبصفة خاصة حركة التمرد، مسئولية نحو الجنوب، فلابد ان تضع الحرب اوزارها عاجلا ام آجلا، لتتحرك عجلة التنمية والاستثمار الاقتصادي بالجنوب ونقطة بدء معقولة لحل مشكلة الجنوب، يمكن ان تتمثل في الاتفاق على فترة خمس سنوات تنمية اقتصادية بالجنوب، تلقي فيها حركة التمرد السلاح، ثم باشراف عربي واقليمي تلزم الحكومة السودانية بتنفيذ مشروعات تنموية تحدد سلفا تبدأ بتخطيط الاراضي الزراعية، وبناء القرى المزودة بسائر الخدمات التعليمية والصحية، وتنفق نسبة معينة من عائدات البترول عليها. ان ذلك افضل للجنوبيين من الاصرار على البدء بجدول الدستور والفيدرالية، وفصل الدين عن الدولة ومسائل الحدود الاقليمية والقبلية، وغير ذلك من المسائل شائكة التفاصيل، والتي تثير الخلاف حتما وهو خلاف لا توجد قواعد محترمة لتحريره وحسمه ومنع تصاعده الى شجار واحتراب ودعاوى عريضة لتحرير السودان، وكأنه ما زال محتلا بواسطة قوى اجنبية دخيلة. ولغرب السودان ايضا دعاوى موضوعية عادلة بشأن التنمية، وهو اقليم يستحق عناية خاصة من الحكومة، ولكن لسوء الحظ فإن مثقفي ذلك الاقليم الذين اصدروا في العام الماضي «الكتاب الاسود» الذي اثار جدلا كثيفا في السودان، قد عمدوا الى المدخل الخاطيء، حينما ركزوا الموضوع على مسألة الوظائف السياسية، التي يجب ان تتاح لأبناء الاقليم، ولم يصدر ذلك الكتاب الا على أثر اقصاء بعض ابناء ذلك الاقليم من الوظائف السياسية على خلفية تحالفهم مع الترابي ضد البشير. الغرب قبل الجنوب وتعمير غرب السودان ليس صعبا كتعمير الجنوب، ونقطة بدء مثالية لتعميره يمكن ان تبدأ بجبال مرة في أقاصى الغرب حيث توجد اخصب أراضي الدنيا وحيث تنوع المناخات بصورة مثيرة حسب الارتفاعات، وتنتج في مسافات متقاربة اجود محاصيل وفواكه مناطق السافثا، والبحر الابيض المتوسط، والمناطق الاستوائية، وحيث تتدفق الينابيع التي تذكر بشلالات نياجرا الهدارة، وأمس فقط ذكرت جبال مرة حينما كنت اجتاز الطريق البري من ميزوري الى فيرجينيا فذكرتني بها الجبال الشاهقة شديدة الاخضرار التي جلبت إلى ناظري مشاهد معجبة من جبل مرة التي زرتها قبل ربع قرن وشهادت اهليها يعيشون على الكفاف بينما مياههم تذهب هدرا، وأراضيهم الخصبة قد اضحت بورا. من هناك يمكن انشاء حواضر راقية بعيدا عن زحمة المدن السودانية التي «تريفت» من كثرة لجوء اهل الارياف اليها ويمكن القول ان نجاح ذلك النموذج يقنع الجنوبيين ويدفع بهم نحو الحلول الواقعية، ويغري بهم لالقاء السلاح، والسماح لمشوار التنمية الاقتصادية بأن يبدأ ومن ثم يبدأ مشوار آخر راشد للتنمية السياسية. ان خطوة صناديق التنمية العربية لتشييد سد مروى قد قوبلت بإعجاب وامتنان السودانيين، ونرجو ان يمضي المشروع الى غايته المرسومة وأن تسهم تلك الصناديق في جولة مقبلة في تنمية غرب وجنوب السودان. د. محمد وقيع الله