يبدو في كثير من الاحيان ان التاريخ يعيد نفسه، ويبدو ايضا ان البعض ورغم قراءاته للتاريخ يظن انه قادر على كسر قواعده وتحطيمها واعادة صياغتها بطريقته الخاصة وبرؤيته هو فقط للاشياء. فاغتيال الزعماء والسياسيين ظاهرة تاريخية معروفة منذ الازل وفي العصر الحديث جربت كل الدول المستعمرة اسلوب الاغتيال وتصفية قادة حركات التحرر الوطني المناهضة لها، على امل «القضاء» على مطالب الشعوب المستعمرة بالحرية والاستقلال، بل لم يتوان المستعمرون عن ابادة جماعات سكانية باكملها على امل الحصول على ارض بدون سكان ولكنهم انتهوا الى الفشل الذريع، واضحى عليهم في نهاية المطاف الانصياع لحركة التاريخ وصوت الشعب المطالب بالحرية والاستقلال. نعم.. قد ينجح المستعمر باغتياله لقائد هنا او زعيم هناك في تأجيل حركة المد الوطني المطالب باستعادة سيادتها على ارضها المحتلة، وقد ينجح بتصفيته لقادة تاريخيين في اصابة الحركة الجماهيرية المناهضة له بارتباك يعيق قدرتها على تجميع جهودها وتوحيد صفوفها من اجل التخلص من المستعمر وجنوده، ولكن التاريخ يعلمنا ايضا ان حركات التحرر الوطني سرعان ما تستعيد زمام المبادرة، وتفرز العشرات من القيادات البديلة القادرة على تقدم الصفوف وتنظيم الجماهير وحركتهم، فلا يكون امام المستعمر سوى الانصياع في نهاية المطاف للامر الواقع والجلوس على طاولة المفاوضات لتنظيم عملية انسحابه بعد ان تستعيد الشعوب المحتلة حريتها وسيادتها المفقودة. فمنذ نجاح الجيش الاسرائيلي في تنفيذ اول عملية اغتيال في صفوف قيادات انتفاضة الاقصى، بتصفية الشهيد حسين عبيات (19112001) احد كوادر الجناح العسكري لحركة فتح في منطقة «بيت لحم»، والقيادة الاسرائيلية تعتقد ان اسلوب التخلص من القيادات الفلسطينية سيضع حدا للانتفاضة او في اقل تقدير سيحد من الخسائر البشرية التي تعاني منها تل ابيب، سواء من خلال العمليات الاستشهادية او بتصيد المستوطنين على الطرق السريعة، لكن الانتفاضة لم تتوقف وتصيد المستوطنين يتزايد. تحول نوعي شهدت سياسة الاغتيالات الاسرائيلية ضد القيادات الفلسطينية تحولا نوعيا ملحوظا في الاونة الاخيرة، بلغ ذروته في اغتيال ابو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فالاغتيالات الاسرائيلية انصبت في مراحلها الاولى على من تعتقد اجهزة الامن الاسرائيلي ان لهم علاقة مباشرة بالعمل العسكري، ومن ثم فان تصفيتهم تضمن تراجع الاعمال الهجومية التي يشنها الفلسطينيون ضدها، كما انه يفقد النضال الفلسطيني المسلح امكانية نقل الخبرات العسكرية الى الاجيال الجديدة، ويخلق حالة من الفزع بين قوى الكفاح المدني بانه اذا كانت الالة العسكرية الاسرائيلية قادرة على تصفية قيادات النضال المسلح الفلسطيني فانه من الايسر عليها تصفية القادة السياسيين المدنيين. لكن اغتيال ابو علي مصطفى فتح الباب على مصراعيه لمرحلة جديدة في سياسة التصفيات الاسرائيلية ضد قيادة الانتفاضة، والتي اضحت الآن تطال الجميع عسكريين كانوا ام سياسيين فاسرائيل وباستثناء محاولتها الفاشلة لاغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس عام 1997 والتي ووجهت بانتقادات لاذعة داخل اسرائيل كانت حريصة على الابتعاد عن قادة الجناح السياسي في التنظيمات الفلسطينية المختلفة وتركيز جهودها في القتل والاغتيال علي القادة العسكريين، فالتخلص من قادة واعضاء الاجنحة العسكرية في التنظيمات الفلسطينية، يخفف من وجهة نظر اسرائيل على الاقل الضغوط التي يتعرض لها القادة السياسيين من الاجنحة العسكرية لتنظيماتهم ويسمح لها من خلال التفاوض بالضغط على هؤلاء السياسيين لتقديم المزيد والمزيد من التنازلات، بعد ان تكون قد تخلصت من اظافرهم الممثلة في الاجنحة العسكرية. الا انه من الواضح ان قادة اجهزة المخابرات الاسرائيلية وفي ظل ادراكهم ان الانتفاضة لن تتوقف في القريب العاجل، قد اعادوا صياغة استراتيجيتهم في التعامل مع الاغتيالات والتصفيات، ليس فقط بالتأكيد على مواصلتهم لتلك السياسات بل وتوسيع نطاقها لتطال فئات اخرى لم يسبق ان طالتها او ركزت عليها في السابق، ويأتي في مقدمتها بالطبع اغتيال القيادات السياسية الفلسطينية ولاشك ان انصار هذا التوجه داخل اجهزة الامن الاسرائيلية يستندون على تجربتهم في تصفية الدكتور «فتحي الشقاقي» مؤسس حركة الجهاد الاسلامي، اذ ادى اغتياله الى اضعاف الحركات لسنوات حيث كان التنظيم في المرحلة الاولى من تأسيسه ويعتمد على كارزمية مؤسسه. لكن اغتيال ابو علي مصطفى اوضح ان التيار الاسرائيلي الذي يطالب بتصفية القيادات السياسية الفلسطينية ايا كانت انتماءاتهم الايدولوجية وسواء كانوا في صفوف المعارضة او السلطة، قد اصبح له الكلمة الفصل في اتخاذ قرار من تغتال! واستند هذا التيار على ان تنظيمات كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين او حماس او الجهاد الاسلامي لا تحتاج مبررات لشن عمليات استشهادية او فدائية ضد اسرائيل، ومن ثم فان التخوف التقليدي بأن التخلص من القادة السياسيين سيترك المجال مفتوحا تماما امام قادة الاجنحة العسكرية لاظهار مزيد من التشدد خوف لا مبرر له، فهؤلاء القادة العسكريون متشددون في مواجهة اسرائيل دائما، ومن ثم فان التخلص من القادة السياسيين سيؤدي الى ضرب «البنية التحتية الايديولوجية للتنظيمات الفلسطينية، ويفقد الجناح العسكري الزخم التحريضي الذي يلقاه من قيادته السياسة بمواصلة العمل المسلح، بل ربما تفجر خلاف بين قادة الاجنحة العسكرية على من يتولى المسئولية السياسية اثر اغتيال قائد هذا التنظيم او ذاك. تساؤلات مشروعة! ويصبح التساؤل المطروح امام القيادة السياسية في اسرائيل: هل اثبتت سياسة الاغتيالات جدواها في اضعاف النضال الفلسطيني؟ لا شك انها نجحت في تحقيق هدف واحد حتى الآن وهو ارضاء روح الانتقام لدى الاسرائيليين، لكنه سيكون من الصعب او المستحيل على رجال المخابرات الاسرائيلية ان يطلعونا على اسم واحد لمناضل فلسطيني حقيقي تراجع عن نضاله خوفا من التصفيات الاسرائيلية. نعم.. نجحت سياسة الاغتيالات في احداث بعض العراقيل امام حركة الانتفاضة، فعلى القيادات الفلسطينية ميدانية او عسكرية ان تكون اكثر حذرا الان في تحركاتها بعد ان اصبح الجميع هدفا للاغتيال، واذا كان ذلك سيرفع من تكلفة النضال الفلسطيني، ويعيق حركته، الا ان تكلفته لاسرائيل اكثر خطورة وضررا، فمتابعة قادة الانتفاضة ستكون اكثر صعوبة وتكلفة اغتيالهم لاسرائيل بعد التزامهم بالحذر وخصوصا مع القاء السلطة القبض على عملاء اسرائيل المندسين في صفوف الشعب الفلسطيني، مما يعني اعتماد اسرائيل على جهودها الخاصة المباشرة لتعقب المناضلين الفلسطينيين. واذا كانت عمليات الاغتيال تشبع روح الانتقام المسيطرة بشدة على قطاعات واسعة من الشارع الاسرائيلي، فان روح الثار الفلسطيني كفيلة بأن تكون وقودا يدفع الانتفاضة لمزيد من الاشتعال. شيمون بيريز وزير خارجية اسرائيل الذي يطمح لتعزيز مكانته السياسية دوليا بالظهور بمظهر الساعي لوقف العنف واراقة الدماء، لم يتردد عبر معاونيه في الادعاء بأنه لم يكن على علم بقرار تصفية ابو علي مصطفى. وان هناك التفافا من قبل شارون ووزير الدفاع بن اليعازر على قرارات المجلس الامني ـ السياسي، لكن قرار اغتيال ابو علي مصطفى قد اثير عدة مرات ونوقش كثيرا ورفض وقبل ورفض وقبل وصدق عليه في نهاية المطاف من قبل «المطبخ الصغير» قبل اربعة وعشرين ساعة من موعد تنفيذ العملية، لكن معاونو بيريز يتهمون اجهزة الامن الاسرائيلية بالخداع، فخلال عرضها ملف ابو علي مصطفى تحدثت عنه بوصفه مخططا لعمليات «ارهابية ضد اسرائيل»، ولم يشيروا ابدا الى انه خليفة جورج حبش وانه الامين العام الحالي للجبهة الشعبية، وانه رجل سياسة، اذن فبيريز كان يعلم بالامر ولكنه لم يعرف من هو الشخص المطلوب! هكذا يريد بيريز مواصلة لعب دور العاقل الرشيد امام الاعلام العالمي واقناعنا بأن قرارات اغتيال القيادة الفلسطينية تتخذ من وراء ظهره، وانه لا يزال حريصا على دعواه للسلام! ولكن اذا كان مبدأ اغتيال القادة السياسيين الفلسطينيين قد تقرر، فان بيريز يدرك اكثر من غيره انها مسألة وقت لتحاول تل ابيب تصفية الشيخ احمد ياسين واعادة الكرة مع مروان البرغوثي، وما المانع في ارضاء روح الانتقام لدى اليمين الاسرائيلي والتخلص من عرفات! وربما دفعت الحنكة السياسية بيريز لادراك خطورة سياسة شارون بمواصلة تصفية القيادات الفلسطينية، وتأثير هذه السياسة على صورة اسرائيل الخارجية التي يحرص بيريز على تجميلها بوصفه وزير الخارجية. فتصريحات بيريز بأن اسرائيل ليست دولة مافيا توحي لمستمعيه ان هناك احساسا متزايدا لدى قيادات اسرائيلية بأن ارطالا من مساحيق التجميل التي اضفوها على وجه اسرائيل لسنوات ليقبلها الرأي العام العالمي، تذوب وتتلاشى الآن بفضل سياسات شارون لتكشف الوجه القبيح للدولة العبرية. بيريز الحالم بشرق اوسط جديد والذي تجاوز السبعين عاما، يدرك انه سيرحل من الحياة (والاعمار بيد الله) ليس فقط قبل ان يتحقق حلمه الشرق اوسطي، بل حتى قبل ان توضع اي بذرة يمكن ان تنبت يوما ما تباشير حلمه بشرق اوسط جديد. ان مواصلة سياسة الاغتيال والتصفيات الاسرائيلية تعني عمليا العودة الى ما قبل مفاوضات السلام والاتفاقات والتعهدات، حينما كان الموساد والشين بيت يصفي القيادات الفلسطينية ويغتالها اينما وجدت، شأنهما في ذلك شأن اي «مافيا» دولية لا تلتزم بالقانون. ان مازق شارون وانصاره ليس في ايمانهم بتأثير القوة ومركزيتها في تحقيق الامن والاهداف السياسية، ولكن في عدم ادراكهم محددات استخدام القوة، ولا ما يمكن ان يؤدي اليه الافراط في استخدامها من نتائج سلبية على كافة الاطراف. فالافراط في استخدام القوة وتصفية القيادات الفلسطينية سيخلق اوضاعا اكثر تعقيدا لم تكن قائمة من قبل، وعندما تتوقف اسرائيل عن استخدام القوة ستكتشف كجميع المستعمرين ان مشكلتها الامنية لم تحل ومشكلتها السياسية قد تفاقمت، حتى لو خسرت الاطراف الاخرى الكثير. بقلم: هشام بدوي ـ كاتب واعلامي مصري