سياسة الاغتيالات التي يمارسها العدو الصهيوني ضد كوادر وقادة الانتفاضة الفلسطينية، والتي وصلت في الاونة الاخيرة الى مرحلة خطيرة تمثلت باغتيال قياديين سياسيين بارزين من قادة منظمة التحرير الفلسطينية، كما حدث عندما اقدم الصهاينة على اغتيال المناضل الفلسطيني المعروف ابو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين او محاولة اغتيال نائب امين عام الجبهة الديمقراطية قيس عبدالكريم، لاتمثل في الواقع حدثا استثنائيا او جديدا في اسلوب الصهاينة وجرائمهم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني منذ اكثر من مئة عام. ذلك ان سياسة التصفية الجسدية كانت ولاتزال احد الثوابت التي يقوم عليها التفكير العنصري الصهيوني، القائم في الاساس على مبدأ الغاء الآخر والقضاء عليه استنادا لاساطير صهيونية مزيفة تزدري الشعوب الاخرى وتنظر اليهم باستعلاء. والحقيقة اننا لو استعرضنا التاريخ الفلسطيني منذ بداية الهجمة الاستعمارية الصهيونية، لوجدنا ان هناك قائمة طويلة جدا من اسماء ضحايا سياسة الاغتيال والجرائم الاسرائيلية، ليس بحق الفلسطينيين وحدهم وانما بحق كل من وقف او حاول الوقوف في وجه المشروع الصهيوني او على الاقل حاول كشف حقيقته. جريمة متأصلة ففي بداية تكوين الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين في اواخر الاربعينيات من القرن الماضي، اقدم الصهاينة على اغتيال مبعوث الامم المتحدة الوسيط الدولي الكونت برنادوت، ليعلنوا للعالم ان الموت هو النتيجة المنتظرة لكل من يقف في طريق مخططاتهم الشريرة. وعلى مدى اكثر من خمسين عاما تلت اقامة الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين، لم يمر يوم واحد الا وشهد جريمة صهيونية ما، حيث انيطت لجهاز الاستخبارات الصهيوني «الموساد» مهمة ملاحقة وتصفية كوادر وقادة حركة المقاومة الفلسطينية، والحاق المزيد من الاذى بالشعب الفلسطيني الذي شرده المشروع الصهيوني ولم يكثف العدو بملاحقة الوطنيين الفلسطينيين، وانما امتد نشاط الموساد الاسرائيلي ليطال ساحات عربية عديدة ابرزها الساحة المصرية التي نفذ فيها عملاء الموساد عمليات تخريب واغتيال للعديد من العلماء الذين كانوا يساعدون في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي في اقامة مشاريع حضارية في مصر. ومع اندلاع الثورة الفلسطينية الجديدة في منتصف الستينيات من القرن الماضي، سخر العدو كل امكاناته لمتابعة القادة الفلسطينيين واقدم على سلسلة اغتيالات بحقهم، بلغت ذروتها في اوائل السبعينيات عندما استهدف عددا كبيرا من السياسيين والنشاء وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج. واذا توقفنا عند هذه المرحلة سنجد اسماء كثيرة لمناضلين فلسطينيين قضوا برصاص الغدر الصهيوني، امثال غسان كنفاني وماجد ابو شرار وكمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار ومحمود الهمشري وحسن سلامة، وغيرهم الكثير الكثير، ولم يتوقف نشاط الصهاينة في هذا المجال حيث نفذوا في اواخر الثمانينيات سلسلة من عمليات الاغتيال بحق قياديين بارزين في منظمة التحرير الفلسطينية، ابرزهم الشهيد خليل الوزير ابو جهاد الذي اغتاله العدو في اوائل الانتفاضة الفلسطينية الاولى، والشهيد صلاح خلف وآخرين. واليوم وبعد مضي عام تقريبا على اندلاع انتفاضة الاقصى يبدو ان العدو الصهيوني لم يستفد بعد من دروس وعبر الماضي، ومازال يعتقد ان سياسة الاغتيال التي ينفذها بحق المناضلين الفلسطينيين قد تسفر عن نتائج ايجابية للمشروع الاسرائيلي، الذي يهدف الى السيطرة ليس على فلسطين فحسب وانما على المنطقة باكملها. واذا كانت سياسة التصفية الجسدية والاغتيال السياسي التي اتبعها العدو في الماضي، قد استهدفت ضرب التوجه الفلسطيني نحو اعادة بلورة الهوية الفلسطينية واعادة احياء الشخصية الفلسطينية التي بدأت تتجسد في المقاومة الفلسطينية، فان سياسة الاغتيالات والتصفية الجسدية التي يتبعها العدو في هذه الايام تحمل مجموعة من المعاني والاهداف، نظرا لتغير الظروف وظهور معادلات سياسية جديدة في المنطقة. أهداف متعددة ففي حين استهدفت الاغتيالات التي حدثت في بداية المقاومة الفلسطينية، عرقلة بناء القوة الفلسطينية واعادة الاعتبار للشخصية الوطنية الفلسطينية، فان عمليات الاغتيال الاسرائيلية في هذه الايام لها عدة اهداف هي: اولا: انها تأتي في اطار استنزاف حقيقة يشنها العدو ضد الشعب الفلسطيني باكمله، وعمليات الاغتيال هنا تمثل في نظر الصهاينة اطلاق الرصاص على قلب الانتفاضة، ظنا منهم ان اغتيال وتصفية قادة الانتفاضة الفلسطينية سيحول هذه الظاهرة النادرة الى مجرد جسد بلا روح، ومع ان تقديرات الاسرائيليين هذه فشلت في الواقع، لكنهم مازالوا يرفضون الاعتراف بهذه الحقيقة، فعملية اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير «ابو جهاد» لم تنجح في وقف الانتفاضة الاولى بين عامي 87 ـ 1993، تماما كما لن تنجح عمليات الاغتيال الجارية حاليا في وقف فعاليات انتفاضة الاقصى التي حدد الشعب الفلسطيني اهدافها منذ اللحظات الاولى لاندلاعها قبل عام تقريبا. ثانيا: تستهدف عمليات الاغتيال تحقيق امرين اثنين، احدهما يتعلق بالشارع الفلسطيني وفعاليات هذا الشارع النضالية، فيما يتعلق الآخر بالاسرائيليين انفسهم. اما فيما يتعلق بالشارع الفلسطيني فان العدو يهدف من خلال جرائم الاغتيال الى ارباك القيادة الفلسطينية وتوجيه رسالة الى هذه القيادة مفادها ان لا احد خارج مرمى اسلحة الصهاينة، وان لاحصانة لاي منصب او مسئول ويبرهن على ذلك سلسلة الدعوات التي يطلقها متشددون صهاينة لمتابعة مسلسل الاغتيالات والتي لم توفر حتى الرئيس الفلسطيني شخصيا. اما بالنسبة للشارع الاسرائيلي فان العدو الصهيوني يريد من خلال عمليات الاغتيال ايضا اعادة الثقة لهذا الشارع الذي يدرك اكثر من اي وقت مضى مدى فشل حكوماته على اختلافها في تحقيق الامن والسلام. ثالثا: يسعى الكيان الصهيوني عبر سياسة الاغتيالات التي ينفذها بحق القياديين والنشطاء الفلسطينيين، الى تحقيق مكاسب يعتقد انه يمكن الوصول اليها عبر سياسة الترهيب، وهو يأمل من وراء ذلك ارغام القيادة الفلسطينية وعبر القوة على القبول بما يمليه عليها والرضوح للسياسة الاسرائيلية، وبالتالي قبول التسوية كما يتصورها الصهاينة، وهي تسوية لا تهدف الا الى استمرار الاحتلال ومصادرة الحلم الفلسطيني بالاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية، زد على ذلك رغبة العدو في ضرب الروح المعنوية المتصاعدة للشعب الفلسطيني بكافة تياراته. رسائل مضللة رابعا: ان ما يجب التوقف عنده ونحن نتحدث عن الاغتيالات التي يقوم بها الصهاينة ضد القياديين الفلسطينيين في هذه المرحلة، هو ان هذه الاغتيالات تجرى بشكل معلن، واصبحت في ظل صمت المجتمع الدولي وعجز الوضع العربي اشبه بسياسة ثانية للاسرائيليين في التعامل مع الشعب الفلسطيني، واصبح الكيان الصهيوني يمارس ارهاب الدولة علنا متجاوزا بذلك كل الاعراف والقوانين الدولية وضاربا عرض الحائط بكل الدعوات التي تطالبه بوقف عدوانه على الشعب الفلسطيني، في ظل غطاء امريكي واضح يشجع العدو على متابعة جرائمه التي ترتكب بالاسلحة الامريكية. واذا كانت هناك انتقادات خجولة من قبل الادارة الامريكية لسياسة الاغتيالات الاسرائيلية فاغلب الظن انها انتقادات لاتعدو كونها رسائل الى الرأي العام العالمي لتضليله واظهار واشنطن بانها ترفض هذه السياسة، في حين تبرر التصريحات السياسية للمسئولين الامريكيين وعلى رأسهم الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش السياسة العدوانية الاسرائيلية، بترديدها نفس العبارات والمصطلحات التي يستخدمها الخطاب الاعلامي الصهيوني الذي يحاول تصوير «اسرائيل» على انها ضحية ما يوصف بالارهاب الفلسطيني، او تكرار مطالبة الرئيس الفلسطيني بوقف ما يسمى بالعنف لاظهاره وكأنه المسئول الوحيد عما آلت اليه حال المنطقة. وتمضي السياسة الامريكية وكذلك سياسة القوى المساندة للصهاينة في ترديد النغمات الصهيونية بشكل صاخب يغطي على ما يرتكبه الصهاينة من جرائم ستقودهم لو كان هناك اي عدل في العالم الى محاكم جرائم الحرب. لكن سياسة الكيان الصهيوني ومن ضمنها سياسة الاغتيالات، وعلى الرغم من وحشيتها، الا انها تعكس في الواقع مدى اتساع الازمة التي يعيشها الكيان الصهيوني الذي اغتال عملية التسوية قبل ان يفكر باغتيال حتى الذين دخلوا معه في هذه التسوية، كاشفا عن وجهه الحقيقي كيان عنصري عدواني غير قابل للتعايش مع الآخر، وانما قاعدته ومرتكزاته تقوم فقط على مبدأ الغاء الآخر والقضاء عليه. بقلم: نبيل سالم ـ كاتب واعلامي فلسطيني