العنف ركيزة أساسية للفكر الصهيوني الذي يستند إلى التلمود، ذلك الكتاب الذي صاغه حاخامات اليهود، ودعوا فيه إلى قتل الصالحين من غير اليهود أنى وجدوا، وإلى محاربة كافة الأجانب في أرض الميعاد والتخلص منهم بغير هوادة. والصهيونية مذهب سياسي مرادف لحركة تيودور هرتزل التي أسسها عام 1896 لإنشاء وطن محدد لليهود وحدهم يجمعهم من الشتات الذي تحقق على يدي الإمبراطور الروماني أدريان في القرن الثاني الميلادي، وهى أيضا مذهب قومي لم يولد من رحم الديانة اليهودية بل من النزعة القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر الميلادي، ثم إنها مذهب استعماري يعتمد على الاستيطان والتوسع لتهويد الجزء الأكبر من أراضى فلسطين التاريخية. والعنصرية الصهيونية هي أخطر صور الاستعمار القديم والجديد عبر تاريخ البشرية، بل إنها أخطر من النازية أو الفاشية فهي لا تكتفي بالإرهاب والتطهير العرقي بل تضيف إليهما أساليب الطرد والتهجير والإبادة الجماعية وتدمير التجمعات السكانية، والتفرقة والتمييز والفصل العنصري بين اليهود والفلسطينيين. وقد أكدت أحداث فلسطين المحتلة منذ بدأت الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر من العام الماضي أن ايهود باراك وآرييل شارون معاً ينتهكان الإعلان العالمي للقضاء على كافة أشكال التفرقة العنصرية الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1963، وأن عقيدتهما الصهيونية هي المحرك الرئيسي لكافة ممارسات التصفية الجسدية والقمع الوحشي والتعسف العنصري ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، وكذا التمييز العنصري ضد عرب 1948 في إسرائيل داخل الخط الأخضر. سياسة التسويف في لقائه وباحثي مركز جافى للدراسات الاستراتيجية، وهو عقل الموساد الإسرائيلي، في منتصف أغسطس الماضي لخص آرييل شارون سياسته الحالية في فلسطين المحتلة في ضرورة إخماد الانتفاضة الفلسطينية في أقرب وقت ممكن، وفرض هدنة ممتدة في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، وإبرام اتفاقيات انتقالية متتالية مع السلطة الفلسطينية تمتد حتى عام 2011، مع تأجيل بحث مسائل القدس واللاجئين والمستوطنات سنوات طويلة مقبلة، ورفض إخلاء أية مستوطنات في الضفة الغربية، والمضي في تنفيذ خطة توطين مليون يهودي جديد في صحراء النقب شرق الحدود المشتركة مع مصر خلال الأعوام العشرة المقبلة (2001 ـ 2011) وأكد شارون أن حزب ليكود لن يقبل الانسحاب من المرتفعات السورية ومزارع شبعا أو المنطقة العازلة في غور الأردن، وسيتمسك بالقدس الموحدة الكبرى كعاصمة أبدية لإسرائيل. ويعطى شارون الأسبقية الأولى للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية كمرحلة ضرورية واجبة التنفيذ قبل التورط في حرب محدودة، مرجحة وقريبة مع الوجود السوري في لبنان والمقاومة الإسلامية في جنوبه، حتى لا يكون عمق ومؤخرة الجيش الإسرائيلي معرضين لعمليات حرب العصابات التي تشنها المقاومة الفلسطينية ضده. ولذلك فلم يكد شارون ينتهي من خطة المئة يوم لقمع الانتفاضة في 18 يونيو الماضي، حتى بدأ في تنفيذ خطة «أورانيم»، أي جهنم، لتصفية قادة المقاومة الفلسطينية، وضرب مراكز قياداتها واتصالاتها، ومنشآت الأمن والإدارة التابعة للسلطة الفلسطينية، وإحباط العمليات الاستشهادية من خلال اغتيال أو اعتقال رجال المقاومة بواسطة عملاء المخابرات الإسرائيلية من اليهود والفلسطينيين عند اجتياز المقاتلين للخط الأخضر، وهو حدود إسرائيل بعد هدنة عام 1949. ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي بأوامر مباشرة من شارون تنفيذ خطة «الباب الدوار» لتمزيق الأراضي (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية إلى ثمانية ألوية، وعزل مدينتي القدس الكبرى والخليل تمهيداً لاحتمال اقتلاع السلطة الفلسطينية من وطنها المحتل إذا تصاعدت الانتفاضة، واجتاحت القوات الإسرائيلية المناطق (أ) التي سبق تسليمها للفلسطينيين، وسمحت الظروف الإقليمية والدولية بهذا التطور الخطير، وما يستتبعه من تعيين إدارات محلية موالية لإسرائيل من بين أولئك الفلسطينيين المتعاونين مع الدولة الصهيونية، والراضين بذوبان الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة في كيان إسرائيلي ينضم إلى الأردن في كونفيدرالية ثلاثية ترتضيها الولايات المتحدة، بل والاتحاد الأوروبي ذاته، وتهيمن إسرائيل على اقتصادياتها، وأمنها، وعلاقاتها الدولية والإقليمية!!! تكتيك ثابت اعتقد باراك، ويثق شارون في أن الاغتيالات التي تدار ضد كوادر السلطة الفلسطينية وقادة المقاومة تشكل أحد التكتيكات الثابتة الفعالة لمنع تحول الانتفاضة الفلسطينية إلى حرب تحرير ثورية ضد الاحتلال الصهيوني تستهدف استقلال غزة والضفة الغربية لنهر الأردن شاملة القدس الشرقية . ويقوم مجلس الوزراء الأمني المصغر بحضور رئيس الوزراء ذاته بوضع قائمة الاغتيالات الشهرية لرموز المقاومة الفلسطينية وقادتها الناشطين، في ضوء تقويم أنشطة المقاومة على الأرض ومدى خطورتها على أمن المستوطنين والأهداف المدنية في إسرائيل داخل الخط الأخضر. ولذلك فقد بدأت تلك الاغتيالات الدنيئة مبكرا فور اشتعال الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر 2001، وكان حسين عبيدات مسئول الجناح العسكري لحركة فتح في جنوب الضفة الغربية، أول شهداء الاغتيال الصهيوني بعد أحد عشر يوما فقط من بداية الانتفاضة في التاسع من أكتوبر الماضي. ولم يستثن شارون، ومن قبله باراك قادة أية حركة أو فصيل من فصائل المقاومة من قائمة الاغتيالات، فشملت أياد حردان مسئول الجناح العسكري للجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، والشيخين جمال منصور وجمال سليم من قادة حماس السياسيين، ثم أبو على مصطفى أمين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو أول قائد وزعيم لمنظمة مقاومة كبرى يغتاله ارييل شارون، فالمقدم تيسير خطاب مدير مكتب رئيس المخابرات العامة الفلسطينية، مثلما امتدت محاولات الاغتيال الدنيئة إلى مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، وإلى قيس عبد الكريم الأمين المساعد للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ويوظف الإسرائيليون في حرب الاغتيالات أدوات التكنولوجيا الحديثة، ومختلف أنواع الأسلحة والذخائر ومنها صواريخ الهليوكبتر المسلحة من طراز أباتشي، والمتفجرات التي يتم التحكم فيها لاسلكيا عن بعد، والقذف الجوى بالقنابل 1000 رطل، 2000 رطل، والصواريخ جو ـ أرض من طائرات القتال متعددة المهام 16-F ، 15-F ، ثم القصف النيراني بمدفعية الميدان والمدفعية المتوسطة والصاروخية. ولا جدال في أن استعمال هذه الأسلحة والذخائر في اغتيال المناضلين يمثل استخداما مميتا ومتعسفا للقوة، وجريمة حرب حقيقية ضد عناصر المقاومة التي يعطيها القانون الدولي الحق في الكفاح المشروع بكل الوسائل والطرق ضد العدو المحتل للأرض، والذي يغير أوضاعها كل يوم، وينتهك كافة حرماتها. ومن جهة أخرى فإن هناك تقاعسا فلسطينيا غير مبرر في الرد على العدو الإسرائيلي بعمليات مماثلة تستهدف بعض قياداته المعروفة بإدارتها للنشاط الإرهابي والقمع الإجرامي والبطش الحيواني ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة . كما يعزى ضعف فعالية الرد الفلسطيني، المضاد والمناسب، ضد حرب الاغتيالات إلى قصور تسليح فصائل المقاومة الفلسطينية الذي يحتاج على وجه السرعة إلى تطوير نوعي وجذري بحصولها على المقذوفات الموجهة الخفيفة المضادة للدبابات والطائرات العمودية، والتي يسهل حملها على الكتف، والمناورة بها، وهي الأداة الفعالة المنتظرة لاحتفاظ الشعب الفلسطيني بقدرته على الصمود في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي المحتمل للمناطق (أ)، وعلى التحول بانتفاضته الثانية إلى حرب تحرير ثورية، ممتدة ومتصاعدة الحدة والفعالية مع بداية العام الثاني لانتفاضة الأقصى. مؤشرات الغد القريب لن يوقف ارييل شارون حاليا مخطط الاغتيالات والاعتقالات لقادة المقاومة على اختلاف مستوياتهم، وهو الذي شمل حتى الآن أكثر من 86 مقاتلا من بين قائمة تضمنت 150 فلسطينيا وضعتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في بداية سبتمبر 2000، وطلبت من السلطة الفلسطينية تباعا خلال اللقاءات الأمنية المشتركة اعتقال من بقى منهم على قيد الحياة أو مطلق السراح، بل إن شارون قد طلب من معاونيه اغتيال اثنين أسبوعيا من المناضلين الفلسطينيين حتى يقبل ياسر عرفات وقف إطلاق النار وهدنة طويلة تقتصر على التهدئة وبعض إجراءات بناء الثقة، دون أن تمتد إلى وقف توسيع المستوطنات الحالية في الضفة الغربية وبخاصة حول القدس بشطريها الشرقي والغربي، وليست هناك ضغوط أمريكية أو أوروبية مؤثرة على شارون لوقف هذا الأسلوب الهمجي في التعامل مع خصومه الفلسطينيين، كما فشلت دول الجامعة العربية ككل، ودول الطوق العربية حتى الآن، في اتخاذ موقف عربي رادع سياسيا أو اقتصاديا ضد إسرائيل التي تغلق أبواب استئناف مباحثات التسوية السياسية، وترفض وقف إطلاق النار كإجراء يبدأ معه تنفيذ توصيات تقرير لجنة ميتشيل التي لا ترقى إلى مستوى المبادرة المصرية الأردنية التي رفضها شارون وأحبطتها واشنطن في ضوء سياسة تقليص الدور المصري في مستقبل فلسطين. ومن جهة أخرى يحتاج الفلسطينيون الكثير لتصعيد الانتفاضة إلى مستوى حرب التحرير الشعبية والثورية، سواء بتشكيل حكومة وحدة وطنية أو قيادة تنسيق جماعي بين فصائل المقاومة، أو بتطوير تسليح بعضها ثم تخطيط أعمال مدبرة ضد الأهداف العسكرية وبعض القيادات الأمنية الإسرائيلية، واستئناف العمليات الاستشهادية، وتنمية حركة المطالبة بالحقوق المدنية والحريات الأساسية بين عرب 1948 في إسرائيل. ويبقى أن تتم المصالحة السورية الفلسطينية في سبتمبر الجاري كخطوة ضرورية للتنسيق والتعاون المطلوب بين المقاومة في فلسطين المحتلة وفي جنوب لبنان برعاية دمشق، وأن تتمكن دول الطوق العربية أخيرا من الاتفاق على سياسة مشتركة لإدارة صراعها الجوهري، المتصاعد والممتد، مع إسرائيل، على الرغم من كل دعاة التهدئة والتعايش والتسويات المنتظرة على طاولة المفاوضات!!! بقلم: لواء أ.ح ـ صـلاح الدين سليم محمد ـ الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصـر العسكرية العليا