في الصراعات التي ترمي إلى إسقاط أنظمة حكم معينة، تكون أطراف هذه الصراعات عادة، مكونة من شخصية الحاكم، ومن القادة المحيطين به، الذين يدافعون عن بقائه، لضمان بقاء مصالحهم، ويدعم هو مصالحهم بكل صلاحياته لشراء ولائهم. ويختبئ عادة هذا الشخص القائد وخدمه في غرف محصنة، ويرسل جنوده وشرطته الى الجبهة، وهؤلاء يكونون عادة من أبناء الشعب الذين لا يعني فقدان أي منهم وموته شيئا بالنسبة لقائده الذي أرسله. وعلى الطرف المقابل إذا كان الصراع مع الشعب نفسه، تقف جموع المواطنين الذين يقودهم أبناؤهم الذين ينتمون لهم، وهنا تشكل خسارة أي فرد خسارة فعلية، لأن هذه الجموع تتحرك أصلا لحماية كل فرد منها، وتربطها المشاعر والعواطف المتضامنة المتكاتفة. وفي حالة الصراع العربي الصهيوني، وقبل أن نحلل موقف وهدف الصهاينة والغرب الأمريكي من عملية اغتيال القادة.. لا بد من تحليل ووصف الجبهة الفلسطينية، لمعرفة تأثير اغتيال وتصفية أي عنصر منها عليها. الأمريكيون يعتبرون اغتيال السياسيين إذا قامت به فئة ثورية، جريمة من جرائم الإرهاب. ويقول الأمريكيون ذلك لحماية أنفسهم، لأنهم هم انفسهم، وأشخاص عملائهم في العادة، الذين يكونون هدفا للإغتيال من قبل المنظمات الثورية، ولأنهم فرديون، ولأن للأفراد دورا هاما في مؤسساتهم، فإن هذا يعني الكثير بالنسبة لهم، مما يجعلهم يولون العملية أهمية خاصة ويؤمنون بتأثيرها على خصومهم، فيدعون إلى اغتيال القادة للتأثير في مسار المعارك. والحالة الفلسطينية تحتاج الى تحليل وحسابات معقدة، في موضوع دور القائد وأهمية اغتياله. ولا يستوعب العقلان الأمريكي والصهيوني، أن قتل القادة الذين يحققون النجاح خلال حياتهم، في مسيرة الشعوب، لا يؤدي بالضرورة إلى الهزيمة وحسم الصراع، لأن الشعوب ليست كالمؤسسات الرسمية والشركات التي يملكها أفراد. وهذان العقلان لا يعرفان كيف يمكن للشعوب أن تضمد جراحها بفقدان قادتها، وتعود للعمل حتى قبل أن تدفنهم. المناضلون والمفاوضون ويمكن تقسيم القادة في الساحة الفلسطينية إلى عدة أقسام من حيث التأثير في الصراع، هناك الصف الأول الرسمي، أي الذي خرج من السلطة الوطنية، وهو الصف الذي يعترف به العدو ويسبغ عليه شرعية من لدنه، وهذا الصف مستعد دائما للمفاوضات، وأقر القبول بتحويل الوجود الصهيوني، إلى شيء شرعي. ويرى هذا الصف في الانتفاضة عملية ومرحلة تساعده على تحقيق بعض المكاسب، ولكنه لا يرى فيها عملية قابلة للإستمرار. وهذا الصف الأول الرسمي ينقسم بذاته إلى قسمين، أحدهما هو جزء من الصراع منذ البداية، وله موقع مؤثر نسبيا ولا يمكن تجاوزه بسهولة، وهو أيضا مفاوض قابل لشرعية الصهاينة، وقابل للتعاون مع أمريكا. والقسم الثاني يتكون من القادة الجدد، أي قادة ما بعد مدريد وأوسلو، وهم الذين لم يخوضوا الثورة المسلحة منذ بدايتها، والذين أظهرتهم فجأة إرادة أبو عمار، واشتهروا بمصالحهم المالية والتجارية، أكثر من أعمالهم الثورية، بل حتى إن الشارع يتفق على أن لهذه المصالح عندهم أولوية تامة على مصالح الثورة والإنتفاضة وهموم الشعب الفلسطيني، كما أن تهم الفساد والإفساد تلاحقهم حيث حلوا، وكذلك تهم العمل كوكلاء للمصالح والشركات الغربية والصهيونية. ورغم الرسائل المرسلة في العمليات المتكررة لتدمير مراكز الأمن التابعة للسلطة بالصواريخ، فإن الجميع يدرك أن ممارسة السيطرة على الأمن لا تحتاج إلى مبان، ويمكن أن تتم حتى من خلال خيام تنصب بدقائق، وحتى إذا كان هناك حاجة لمبان، فهي مجرد كلفة يمكن توفيرها بسهولة وسرعة، في حالة الرضوخ الرسمي الفلسطيني المطلوب والموعود. إن العدو الصهيوني في هذه المرحلة يحتاج أن يظهر أنه لن يتخلى عمن قبل بشرعيته، وإن كان لا يحترم أحدا كعادته، ووحشية شارون لا تعني غباءه، حتى وإن لم يكن شديد الذكاء، إنها وحشية اللبوءة التي لا تنقض على فريستها إلا في الوقت المناسب تماما. وإن كان بعض التأديب محتمل ليقول للمتفاوضين الخائفين «إن كان حبيبك من عسل، فلا تلحسه كله». وهناك الصف الأول الشعبي، أي الصف الأول الذي لم يعترف بأوسلو ومدريد، حتى وإن تعامل مع نتائجها، والذي رأى أو أصبح يرى في الإنتفاضة، ثورة دائمة وعملا شعبيا قادرا على تحقيق الكثير من الأهداف في ساحة الصراع، وعملا مستمرا حتى دحر الإحتلال، (مع تجنب تعريف حدود هذا الاحتلال المراد دحره مرحليا، لتجنب الإنقسام في شوارع الإنتفاضة). إن الساحة الفلسطينية موحدة نسبيا في الشارع، وإن كان جماعة أوسلو يصرون من حين لآخر على التذكير أن لديهم التزاماتهم الدولية، وهم بهذا يوجهون رسالة إلى عدة إتجاهات، إلى العدو الصهيوني، وأمريكا ليقولوا لهما «اننا جاهزون للعودة إلى الحوار في أية لحظة»، وإلى دعاة الرفض ودعاة تحول الإنتفاضة إلى ثورة مستمرة، ليقولوا لهم، «نحن سنتخلى عنكم في أية لحظة أيضا فلا تبالغوا بالتصعيد»، وإلى عرب المعاهدات، ليطمئنوهم إلى أنهم لم يتخلوا عنهم وأنهم لن يتركوهم في منتصف الطريق بدون المبرر الفلسطيني للتعاهد. كل هذا يعني أن العصابات الصهيونية يمكن أن تصعد عملية إغتيال الصف الأول الشعبي المقاتل، وهي قد بدأت بالشهيد ابو علي مصطفى، ولن تتوقف عند ذلك الحد، حتى وإن توقفت الإنتفاضة. ونذكركم هنا أنها هي التي قتلت ابو جهاد وابو اياد وفتحي الشقاقي وغيرهم، قبل انتفاضة الأقصى بمدة طويلة جدا. استراتيجية عمياء أحد الوزراء الصهاينة يريحنا من الإجابة عن السؤال الأول، في تصريح له يستشهد به المحلل الصهيوني شمعون شيفر، ، في مقال له في صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية، ترجمته جريدة الدستور الأردنية بتاريخ الأول من سبتمبر، وهو الوزير متان فلنائي، حين يقول: «من الواضح أنه لا يوجد لدى شارون حلول عامة، فقط عمليات انتقام وانتقام، قوة وقوة أخرى». ويقول الوزير: «أنه آن الأوان لتحديد ما هو الهدف السياسي لإسرائيل»، ويشتبه الوزير الصهيوني أن شارون لا يريد المناقشة، حتى لا يحل حكومة الوحدة الوطنية، أما وزير العدل شطريت، فإنه يقترح الحوار مع عرفات باللغة الوحيدة التي يفهمها العرب، كل الوسائل متاحة للتصفية: طائرات صواريخ مشاة : كل شيء، ولكن هذا الوزير نفسه يؤكد ما قاله الوزير الأول، أن مجلس الوزراء الصهيوني لم يجر أي نقاش حول الإستراتيجية الواجب اتباعها. إن الأمن الصهيوني، وهو أهم ركن من أركان قيام دولة اليهود، مهدد، وقابل للكسر.. ولم تعد القوة الصهيونية كافية ولا قادرة على حمايته، وذلك ظاهر في استمرار الانتفاضة، وفي وصول الإستشهاديين إلى العمق الصهيوني رغم كل مظاهر الإستنفار والطوارئ والإحتياطات الأمنية، ووصلوا حتى إلى داخل الثكنات وإلى وزارة الحرب، وهي الحصن الحصين الذي لم يصل إليه أحد من قبل. كما أن هناك ضغوطا من داخل التركيبة الصهيونية، باتجاهات مختلفة، والضغط الأهم منها هو ضغط اليهود الذين بدأوا يشعرون أن هناك شكا بقدرة هذا الكيان على الإستمرار في الحياة، وعلى أن يكون يوما من الأيام أرضا للميعاد، وأرضا للبن والعسل، ومكانا للهدوء اللازم لتنشئة أطفال التلمود بالطريقة التي ستهيئهم للهيمنة على العالم في المستقبل.. فبدأوا بالهجرة المضادة. إن هذا الضغط هو الأخطر، وهو يفوق أهمية الإنتخابات ويقزم حساباتها، فهو الذي يهدد وجود الكيان الصهيوني وثباته. إنه النتيجة التي يجب أن تبدأ بها قياسات إنجازات الإنتفاضة، وكما نعرف، ورغم عدم دقة المعلومات المتوفرة نتيجة للتعتيم الإعلامي، فإن الكيان الصهيوني يواجه حالة عنيفة من الهجرة المضادة، تعادل مئات الآلاف، أي أن الانتفاضة أضافت مثلما أضاف حزب الله في جنوب لبنان، سفرا آخر من أسفار الهروب إلى التوراة الصهيونية.. وحكام الصهاينة الحاليون لا يعرفون حتى الآن كيف يتعاملون مع هذه الحالة.. ويجب اعتبار كل مهاجر يهودي من فلسطين، قتيلا فعليا من قتلى الإنتفاضة، لأن الهدف الأصلي من أهداف العرب في الصراع العربي الصهيوني منذ بداية القرن، هو إخراج اليهود، لا قتلهم، وإخراجهم من الساحة يعادل قتلهم فعلا. أن شارون لا يستطيع الإنتصار، ولا يتحمل الهزيمة والإنكسار، ولا يريد الإنتحار، فماذا يفعل؟ نحن لا نتكلم بشكل عاطفي، ولكننا نطرح الأسئلة لنحاول أن نعرف كيف يحتمل أن يتصرف شارون في مثل هذه الأوضاع؟ هل يصعد الهجمات؟ وكيف؟ هل يعيد الإحتلال؟ إنه عمليا محتل، ولكن عندما توغل إلى داخل الشوارع، كانت الكلفة مرتفعة بالنسبة له، في بيت جالا وغزة ورفح. هل يفتح جبهات خارجية لتوحيد الجبهة الداخلية؟ ورغم أن الإحتمال وارد بهجوم مفتعل على سوريا ولبنان، إلا إن جبهته الداخلية في أشد حالات تماسكها ضد العرب وإن كانت تتخبط مجتمعة في البحث عن حلول. هل يصعد عمليات الإغتيال للفلسطينيين بمختلف صفوفهم؟ الموضوع وارد، دون أن يكون مرتبطا بأية آمال لحل أزمة الصهاينة، بل هو مبني على الحقد والإنتقام ومحاولة لإقناع المتطرفين أنه يعمل شيئا ما.. ومحاولة لإقناع الشعب العربي الفلسطيني أنه سيخوض معهم حرب إبادة. هل يلجأ إلى التهجير القسري، بالشاحنات؟ وهذا أمله وأمل كل الصهاينة، وهنا عليه أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة، ومنها: ما هو العدد الذي يستطيع أن يهجره؟ الملايين. إلى أين سيدفع بالمهجرين، والجواب الوحيد هو اردن وادي عربة، وهنا يبرز سؤال آخر: بعد هذا الشحن العاطفي المستمر للشعب العربي في الأردن، هل يستطيع أحد أن يقنع الأردنيين أن يساعدوا شارون؟ وهل الوقت مناسب لإدخالهم في المعركة؟ وهل الوقت مناسب لإدخال أردن وادي عربة الرسمي في مأزق؟ الإجابة حتما ليست في صالح شارون. هل يستمر الوضع على حاله؟ الفلسطينيون قادرون على التحمل، فهل يهود الشتات المجمعين بوعد التخلص من الشقاء والتعب والإضطهاد الذي أوجدوه لأنفسهم في كل مكان حلوا به، هل هم قادرون على التحمل، وإلى أي مدى؟ بماذا سيجيب شارون شركات البترول والإستثمارات العالمية التي تدفع له الخاوة لحماية مصالحها في المنطقة؟ بعد أن كانت تعتقد أنه الحارس الأمين والكفء للقيام بذلك، وهو الآن لا يستطيع حماية نفسه؟ أنها بداية الإنهيار، وهو حتمي وإن لم يكن سريعا، فمن يتحرك لتعزيزه وتثبيته؟ بقلم: علي حتر