لعل واقعة اغتيال اسرائيل للمناضل الفلسطيني أبو علي مصطفى تكشف أكثر من غيرها من العمليات الوجه القبيح لهذه العصابة التي تحولت في غفلة من الزمن والعرب إلى دولة. فالرجل الذي تشرد بفعل الاغتصاب الصهيوني لوطنه عاد إلى فلسطين قبل عامين بضمانة من رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وبموافقة من حكومة اسرائيل، في اطار عملية التسوية السلمية التي كان يتم الترويج لها. والرجل لم يمارس منذ عودته إلا العمل السياسي السلمي، ولذلك كان مطمئنا إلى أنه بعيد عن دائرة الاغتيال الاسرائيلية.. ولكن حساباته كانت خاطئة.. فالعملية السلمية من أساسها كانت محكومة بالفشل، والسلطة الفلسطينية لا تملك من أمرها شيئا، والنازيون الذين يحكمون اسرائيل لا تحركهم إلا شهوة القتل وجنون القوة التي يريدون أن يفرضوا بها الاستسلام الكامل على الشعب الفلسطيني، وعندما يكون الحكم في يد احتلال قبيح يجمع بين عقلية المافيا وهوس التعصب الصهيوني النازي.. فكل شئ مباح، من قتل الأطفال إلى اغتيال القيادات. وطبيعي جداً أن يكون الاغتيال أحد أسلحة الاحتلال الاسرائيلي وهو يواجه انتفاضة الشعب الفلسطيني، ولكن غير الطبيعي هو السهولة التي تتم بها هذه الاغتيالات والتي تفقد فيها المقاومة بعض أبرز عناصرها! نعم.. هناك الخلل في موازين القوى، وهناك ترسانة الأسلحة الأمريكية ووسائل الرصد التي تساعد على دقة التنفيذ، وهناك واقع الاحتلال الجاثم على صدور الفلسطينيين في الضفة والقطاع منذ 35 عاما والسيطرة الكاملة ـ اقتصاديا وعسكريا ـ على كامل التراب الفلسطيني حتى الآن ورغم مسيرة سلام الشجعان والتقسيمات الوهمية الى مناطق «أ،ب،ج» التي لم تمنع الدبابات الاسرائيلية من قصف مراكز الأمن الفلسطيني واغتيال أبو علي في مكتبه على بعد أمتار من مكتب عرفات. هناك كل هذا، وهناك الواقع الأليم، والحصار الجائر، ولقمة العيش التي تمسك بها اسرائيل وتستخدمها ـ مع غيرها من الوسائل ـ في اختراق المجتمع الفلسطيني. ولكن ذلك كله لا يرفع المسئولية عن القيادة الفلسطينية التي قبلت (في أوسلو) ما لا يجوز قبوله، والتي عادت بمنطق أن النصر قد تحقق والدولة قد قامت بمجرد تبادل المصافحة أو القبلات مع بعض الأفاعي في القيادة الاسرائيلية، والتي ركزت جهودها لفترات طويلة على التعاون الأمني مع اسرائيل لمحاصرة المقاومة، وتركت الاشراف على العملية كلها للمخابرات الأمريكية، وتركت العملاء يتحركون بكل حرية وفي كل مكان! وقد ورثت الانتفاضة هذه الأوضاع، وتم بذل جهود كبيرة لتصحيح الأوضاع، وما زالت جهود هائلة مطلوبة لتأمين الصف الوطني، وضرب الأيدي الخائنة والقضاء على الاختراق الواسع لأمن شعب يقاتل في أصعب الظروف، ولا ينبغي أبداً أن يكون ظهره مكشوفاً لهذه الدرجة.